منذ منتصف العقد الماضي، لا يملك مخيم «كيف تحكي الحكاية» عنوانًا ثابتًا على الخريطة. فهو مشروع متنقّل ابتكره الصحفي وصانع الأفلام الوثائقية أسعد طه، وتنقّل بين ست محطات في ثلاث قارّات: تركيا، ورواندا، وسريلانكا، وملاوي، وعُمان، وألبانيا، ويُعِدّ لمحطته السابعة المُعلنة في زنجبار.
وتذكر سيرة طه الرسمية أن المشروع خرّج حتى الآن أكثر من مئة متدرّب، أنجزوا ما يزيد على 75 مشروعًا. لكن السؤال الأهم من الجغرافيا هو: ما فكرة هذا المخيم، وما الذي يقدّمه بالضبط؟
الفكرة، كما يصوغها طه نفسه، أقرب إلى وصية مهنية منها إلى دورة. يصف ما يفعله بأنه «ربما تستطيع اعتباره زكاةً للعلم — رغبةً في تعليم الناس أن يحكوا الحكايات».
وتقوم فلسفته على قناعة يردّدها: أن الحكاية «أقصر الطرق إلى نفوس الناس»، وأن «الفضول سيّد الحكاية»، وأن الأصالة ليست في الموضوع، بل في المعالجة: «كل حكاية قد رُويت، لكن الجديد في كل مرة هو كيف ننظر إلى الأشياء ونعالجها ونحكيها ببصمتنا الخاصة».
من هنا، لا يبيع المخيم معلومة تقنية بقدر ما يزرع زاوية نظر.
ما الذي يقدّمه بالضبط؟
أما المضمون العملي فمحدّد. يعرّف طه المخيم بأنه «تجربة مميّزة تتدرّب خلالها على صناعة المحتوى المرئي أو المكتوب أو المسموع لتحكي الحكاية»؛ حكاية «يمكنك توظيفها في مجالات مختلفة: تجارية أو إعلانية أو خبرية أو وثائقية»، هدفها أن تكون «جذّابة شيّقة تأسر المتابع».
ويجري ذلك، على وصفه، «في مخيم بعيدًا عن صخب المدينة»، حيث يبحث المتدرّب «عن الفكرة ويصوغها ويحوّلها إلى حكاية، مع فريق كامل يساعده، ووسط مشتركين من مختلف الجنسيات والثقافات».
وتتوزّع المادة على محاور تغطّي رحلة الحكاية من أولها إلى منتهاها: البحث عن الفكرة، وقوّة الحكاية، وبناء السرد، وكتابة النص، والتصوير، والمونتاج، والأداء الصوتي، والقصص الرقمية، والعقبات التي تواجه صانع المحتوى.
وفي قلب ذلك، أربعة مبادئ في السرد يشدّد عليها طه: افتتاحية مباشرة وواضحة، واختيار للتفاصيل من الذاكرة بما يخدم الرسالة، وخاتمة صريحة لها هدف، وحكاية محورها الإنسان.
وثلاثة أركان تُحيي أي قصة: السرد الذي يدفع الأحداث، والوصف الذي يغمر الحواس، والحوار الذي يبعث الشخصيات.
التعلّم بالمعايشة لا بالمحاضرات
اللافت أن المنهج نفسه ليس أكاديميًا؛ إذ يتعمّد طه تجنّب التدريب «في الغرف المغلقة بين الجدران الإسمنتية»، ويقصد وجهات نائية أحيانًا «هربًا من التعقيدات التي تضعها السلطات في العالم العربي»، ليجري التعلّم «على الأرض وفي الواقع».
لا محاضرات تقليدية طويلة، بل تعلّم بالمعايشة: أيام تمتد من السادسة صباحًا إلى العاشرة مساءً، وإقامة بعيدًا عن المدن — خيام قرب تيرانا في ألبانيا، ونُزل تراثية في نزوى بعُمان — وتحدّيات ميدانية يومية، ومشاريع فردية وجماعية.
وتتراوح مدة المخيم بين سبعة أيام في عُمان وتسعة أيام في ألبانيا، ويُشترط في الملتحق حد أدنى من المعرفة الإعلامية، والتزام يومي كامل.
وما يخرج به المتدرّب ثلاثة، بحسب المخيم: معرفة أساسية تؤهّله للبدء في إنتاج المحتوى، وشبكة علاقات عربية عابرة للحدود، وشهادة موثّقة من أسعد طه.
رهان على توريث شغف الحكاية
يبقى أن نموذجًا كهذا، مرهونًا بحضور شخص واحد، وصغير العدد بطبيعته، يعسُر قياس أثره بالأرقام وحدها؛ إذ لا تتوفّر بيانات منشورة عن مآلات خرّيجيه المهنية.
لكن رهان أسعد طه واضح: أن تسعة أيام من المعايشة قد تُورّث ما لا يورّثه فصل كامل في قاعة؛ لا تقنيات فحسب، بل شغف الحكاية نفسه.

