فتنة نائمة في نقابة الصحفيين المصريين

قراءة في بيان ضياء رشوان عن "الفتنة" داخل نقابة الصحفيين المصريين، وسياقه المرتبط بانتخابات مارس 2027 وخلافة خالد البلشي.

في الثاني والعشرين من يوليو 2026، وجّه ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام ونقيب الصحفيين الأسبق، رسالةً إلى “الأسرة الصحفية” بعنوان: “لا فتنة بيننا… أطفئوها فوراً وسامح الله من أشعلها”. حذّر من “فتنةٍ صغيرة متهافتة” ومن “محاولات وقيعة” داخل الجماعة، مستدعياً 198 عاماً من عمر الصحافة المصرية، وداعياً إلى وحدة قطاعاتها الثلاثة: القومي والخاص والحزبي. غير أنّ البيان لم يسمِّ واقعةً بعينها، ولا طرفاً، ولا حريقاً محدّداً. وهذا الصمت هو مفتاح قراءته.

النداء لم يأتِ في فراغ، بل تحت ظلّ سباقٍ مبكر على مقعد نقيب الصحفيين. فالنقابة تقترب من انتخاباتٍ مقرّرة في مارس 2027، لا يستطيع فيها النقيب الحالي خالد البلشي — المحسوب على تيار الاستقلال — الترشّحَ مجدداً بعد استنفاده دورتين متتاليتين. هذا الفراغ المقبل أطلق تحرّكاتٍ مبكرة و”جسّ نبضٍ” بين الكتل الانتخابية، فاقمها تراجعٌ في الخدمات النقابية تعرّضت له إدارة البلشي في دورتها الثانية.

اصطفّ المتحرّكون في تيارين. تيارٌ موالٍ قريب من السلطة، تُذكر فيه أسماء كعبد المحسن سلامة وعلاء ثابت وخالد ميري ورفعت رشاد. وتيار استقلالٍ يضمّ محمد خراجة وجمال عبد الرحيم ومحمد سعد عبد الحفيظ وأبو السعود محمد. ومع بدء التموضع مبكراً قبل موعده بعامٍ كامل، اشتعلت التراشقات والاتهامات المتبادلة بين الأطراف عبر المنصات. وهذه، في أرجح القراءات، هي “الفتنة” التي يحذّر منها رشوان دون أن يسمّيها: معركةُ خلافةٍ مبكرة على رأس النقابة، لا خصومةٌ عابرة بلا أصل.

وليست هذه المعارك جديدةً على النقابة؛ فهي منذ عقودٍ ساحةُ استقطابٍ بين تيارٍ موالٍ للسلطة وآخر يرفع راية الاستقلال، ويتجدّد الصراع مع كل دورة. الجديد هذه المرة أنّ التنافس بدأ مبكراً وبنبرةٍ أحدّ، وأنّ خروج البلشي القسري من السباق يفتح المقعد على مصراعيه، فيما يخوض تيار الاستقلال معركةَ بقاءٍ للحفاظ على ما أحرزه في دورتين.

يزيد من دلالة البيان موقعُ صاحبه. فرشوان لم يعد لاعباً في السباق؛ إذ أخرجه تعيينه وزيراً من المنافسة النقابية، وهو يتحدث بصفتين معاً: وزيرٌ في الحكومة، وعضوٌ قديم في النقابة “منذ 43 عاماً”. وقبل تسعة أيام من البيان، في الثالث عشر من يوليو، كان قد أعلن تخصيص الحكومة 30 مليون جنيه دعماً لصندوقَي معاشات وعلاج الصحفيين، “وفق سياسة الرئيس” و”توجيهات رئيس الوزراء”. وهكذا يتقاطع خيطان: يدُ الدولة الداعمة مالياً، وصوتُها الداعي إلى “إطفاء الفتنة” — في اللحظة التي يتشكّل فيها المشهد الانتخابي المقبل.

هنا يصبح الغموض نفسه رسالة. فحين يدعو مسؤولٌ حكومي ونقيبٌ أسبق إلى إخماد خلافٍ لا يصفه، بين أطرافٍ لا يسمّيها، يُقرأ نداؤه على أكثر من وجه: تهدئةٌ أبوية لبيتٍ عريق، أو إشارةٌ مبكرة في تموضعٍ انتخابي لم يُعلَن بعد. ولا يعني ذلك أنّ الدعوة إلى وحدة المهنة مذمومةٌ في ذاتها؛ فالانقسام في لحظة هشاشةٍ اقتصادية يُضعف الجماعة كلها. لكنّ مصدر النداء وتوقيته هما ما يفتحانه على التأويل. البيان لا يحسم، وربما كان في عدم الحسم مقصده.

الفتنة التي لا تُسمّى لا تُطفأ؛ تُترك معلّقةً حتى موعد الصناديق. والبيان الذي يطلب الطمأنينة، حين يغمض، يكشف من القلق أكثر مما يخفي.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي