“فتاة أوبر” تفتح ملفًا أقدم: من يملك صفة الصحفي في مصر؟

نقابة الصحفيين المصرية والجدل حول من يملك صفة الصحفي في مصر بعد واقعة فتاة أوبر

Author

في 5 أغسطس/آب 2026، ظهرت سيدة في مقطعي فيديو متداولين تتهم سائقًا تابعًا لأحد تطبيقات النقل الذكي بالتحرش بها والاعتداء عليها والاستيلاء على متعلقاتها، وقدّمت نفسها خلال الواقعة بوصفها صحفية، فتحوّل الخلاف سريعًا إلى قضية رأي عام على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن وزارة الداخلية قالت، بعد فحص الواقعة، إن السيدة أقرت بعدم وقوع التحرش، وإنها أحدثت إصابة بنفسها واتهمت السائق زورًا على خلفية مشادة بدأت بسبب الأجرة، كما ذكرت أن ادعاءها العمل في الصحافة غير صحيح، وأعلنت اتخاذ إجراءات قانونية حيال الطرفين.

وتمثل هذه الرواية ما أعلنته جهة الضبط، ولا تشكل حكمًا قضائيًا نهائيًا في واقعة لا تزال قيد التحقيق.

الصفة التي استدعت النقابة

لم يكن اتهام السائق وحده ما أدخل نقابة الصحفيين على خط القضية، بل استخدام السيدة الصفة الصحفية خلال المشادة.

قال سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم إن السيدة «ليست صحفية، وغير مقيدة بجداول النقابة، ولا تحمل أي صفة مهنية»، قبل أن يتقدم النقيب خالد البلشي ببلاغ للنائب العام يتهمها بانتحال صفة صحفي، استنادًا إلى المواد 65 و103 و115 من قانون نقابة الصحفيين.

وفي بيان سبق البلاغ، ربطت النقابة الواقعة بمعركتها الأوسع ضد كيانات تصدر بطاقات عضوية مقابل المال وتمنح حامليها صفة «صحفي»، وقالت إن نشاط بعض هذه الكيانات قد يشكل، إلى جانب انتحال الصفة، جريمة نصب وفق المادة 336 من قانون العقوبات، لكن البلاغ المعلن في هذه الواقعة خُصص للسيدة واتهامها بانتحال الصفة.

ظاهريًا، تبدو المسألة واضحة: شخص لا يعمل في الصحافة يستخدم اسم المهنة لاكتساب نفوذ أو تهديد طرف آخر، فتتحرك النقابة لحماية الصفة من الاستغلال.

لكن الواقعة تفتح خلف هذا المشهد الفردي بابًا أكثر تعقيدًا؛ لأن القانون المصري لا يفرّق بوضوح بين من لا يمارس الصحافة وينتحل لقبها، ومن يمارسها فعلًا لكنه لم يتمكن من دخول النقابة.

عندما تعرّف العضويةُ المهنةَ

يعتمد الإطار القانوني المصري تعريفًا مؤسسيًا ضيقًا للصحفي؛ فالقانون رقم 76 لسنة 1970 يجعل نقابة الصحفيين مكوّنة من المقيدين في جداولها، بينما يعرّف قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 الصحفي بأنه «كل عضو مقيد بجداول نقابة الصحفيين».

وتضم النقابة أربعة جداول: تحت التمرين، والمشتغلين، وغير المشتغلين، والمنتسبين. وبذلك، لا يكفي أن يجمع الشخص الأخبار أو يكتب التقارير أو ينشر تحقيقات بصورة منتظمة حتى يعترف به القانون صحفيًا، بل يجب أن يمر أولًا عبر بوابة القيد.

هنا تظهر «عقدة التعيين».

فالقانون يشترط أن يكون المتقدم للقيد «صحفيًا محترفًا» وحاصلًا على مؤهل دراسي عال، بينما تفسّر لائحة القيد الجديدة الصحفي المحترف بأنه المعيّن بعقد عمل غير محدد المدة أو قابل للتجديد تلقائيًا، والمؤمّن عليه في التأمينات الاجتماعية بصفته الصحفية.

وتطلب اللائحة من المتقدم إلى جدول تحت التمرين تقديم عقد عمل مع صحيفة تقبل النقابة القيد منها، ووثيقة تأمين اجتماعي، ومؤهل دراسي، وملف من الأعمال المنشورة، إلى جانب مستندات ودورات أخرى.

بهذا، يصبح التعيين أكثر من علاقة عمل؛ يتحول إلى بوابة تمنح الاعتراف القانوني بالمهنة أو تحجبه.

فالصحفي الحر، والعامل بالقطعة، ومن يعمل من دون عقد مكتوب، أو لدى مؤسسة لا تقبل النقابة القيد منها، قد يمارس الصحافة سنوات من دون أن يتمكن من الحصول على عضويتها، وتظل صفته المهنية معلقة على قرار المؤسسة بمنحه عقدًا رسميًا وإرساله إلى لجنة القيد.

مطلوب أن تعمل قبل أن يُسمح لك بالعمل

تتجلى المفارقة بصورة أوضح عند مقارنة شروط القيد بنصوص العقوبات؛ فالمتقدم مطالب بتقديم نماذج من أعماله الصحفية لإثبات ممارسته المهنة، لكن المادة 65 من قانون النقابة تنص على عدم جواز عمل أي فرد في الصحافة ما لم يكن اسمه مقيدًا في جدول النقابة، بينما تعاقب المادة 115 مخالفة هذا الحظر بالحبس مدة قد تصل إلى سنة، أو بالغرامة، أو بإحدى العقوبتين، وتقرر العقوبة نفسها لغير المقيد الذي ينتحل لقب الصحفي.

أي إن الطريق إلى النقابة يطلب من المتقدم أن يكون قد مارس الصحافة، بينما يظل النص القانوني قادرًا، على الورق، على معاقبته بسبب هذه الممارسة قبل القيد.

لامست محكمة النقض هذا التناقض في سبتمبر/أيلول 2018، عندما برأت الصحفيين سعيد بريك وحمادة جعفر من اتهامي ممارسة المهنة من دون ترخيص وانتحال صفة صحفي، وقررت أن اشتراط القيد يسبقه شرط مفترض هو أن يكون المتقدم صحفيًا محترفًا، بما يعني أن ممارسة العمل الصحفي تسبق العضوية ولا تبدأ بها.

لكن هذا الحكم لم يتبعه تعديل تشريعي يحسم التعارض، فبقي النص قائمًا، وبقيت الحماية التي وفرها الحكم مرتبطة باللجوء إلى القضاء بعد توجيه الاتهام، لا بقاعدة قانونية واضحة تمنع الاتهام من البداية.

آلاف يعملون خارج الجداول

لا تتوافر إحصاءات حديثة مؤكدة لعدد العاملين في الصحافة المصرية من خارج النقابة.

لكن ورقة بحثية أصدرها المرصد المصري للصحافة والإعلام عام 2018 نقلت تقديرات لمدافعين عن حرية الصحافة تراوحت بين 10 و15 ألف صحفي غير نقابي، بسبب العمل من دون عقود واتساع الصحافة الإلكترونية.

وهو تقدير قديم لم يستند إلى حصر رسمي، لذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه رقمًا حاليًا، لكنه يكشف اتساع الفجوة بين سوق العمل الصحفي وبين جداول النقابة.

ولا تقتصر آثار هذه الفجوة على بطاقة العضوية، بل تمتد إلى الحماية النقابية، والتعامل مع الجهات الرسمية، ودخول بعض الفعاليات، والحصول على التصاريح، والدفاع القانوني عند التعرض لانتهاك بسبب العمل.

المواقع مرخصة وصحفيوها خارج المظلة

حاول قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018 استيعاب التحول الرقمي، فأخضع المواقع الإلكترونية للترخيص والرقابة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

لكن القانون نظم المؤسسة والمحتوى أكثر مما عالج الوضع النقابي للعاملين، بل حافظ على تعريف الصحفي بوصفه عضوًا مقيدًا في النقابة، لذلك قد يحصل الموقع على ترخيص رسمي، بينما يظل بعض العاملين فيه خارج الاعتراف الفردي بالمهنة.

وتكشف هذه الازدواجية انقسامًا بين جهتين: مجلس أعلى يمنح المؤسسة الإلكترونية حق العمل، ونقابة لا تستطيع، وفق القواعد الحالية، إدماج جميع العاملين فيها ما لم تتوافر شروط التعيين والقيد والقبول من المؤسسة.

انتحال الصفة ليس ممارسة المهنة

تكشف واقعة «فتاة أوبر» حالتين مختلفتين لا ينبغي وضعهما في سلة واحدة.

الحالة الأولى لشخص لا يمارس الصحافة، لكنه يستخدم لقب الصحفي للحصول على نفوذ أو منفعة، وهي واقعة يمكن أن تشكل انتحالًا للصفة إذا أثبتتها التحقيقات وصدر بها حكم.

أما الحالة الثانية فلصحفي يمارس العمل بانتظام، وينشر مواد موثقة، وربما يتقاضى أجرًا عنها، لكنه لا يحمل عقد التعيين الذي يسمح له بدخول النقابة.

حماية اسم المهنة من الاستغلال ضرورة مشروعة، لكنها لا تحل الأزمة الأوسع التي تجعل المؤسسة صاحبة القرار الفعلي في منح الصفة أو حجبها.

وما تكشفه الواقعة ليس خللًا في تجريم الانتحال بقدر ما تكشفه من غياب تعريف قانوني يميّز بوضوح بين المنتحل والممارس الفعلي، ويفتح طريقًا للاعتراف بالصحفي استنادًا إلى انتظام عمله ومعاييره المهنية، لا إلى امتلاكه عقد تعيين فقط.

بعد أكثر من نصف قرن على صدور قانون النقابة، تغيرت الصحافة ومؤسساتها وطرق إنتاجها، بينما بقي تعريف الصحفي مربوطًا بالبوابة نفسها، لذلك تعود الأزمة مع كل واقعة جديدة، ويتحول السؤال من حماية لقب مهني إلى تحديد من يملك أصلًا حق حمله.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي