في الساعات التي كان فيها اسم رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار يتصدر النقاش في مصر بسبب شكاوى ملاك وحدات “مراسي”، اختار موقع “القاهرة 24” المصري أن يقدمه من داخل مشروع شركة إعمار الجديد “سول” في الساحل الشمالي، عبر لقاء أجراه رئيس التحرير محمود المملوك، بدا في مضمونه وإخراجه أقرب إلى مادة دعائية منه إلى حوار صحفي.
لم تكن المشكلة في استضافة العبار، ولا في منحه فرصة للدفاع عن شركته، فهذا حق أصيل لأي طرف يتعرض للانتقاد، لكن المشكلة بدأت من الأسئلة التي لم تُطرح، والسياق الذي غاب، والطريقة التي قُدّمت بها تصريحات رجل الأعمال باعتبارها مادة صحفية مستقلة، من دون توضيح ما إذا كان اللقاء جزءًا من تعاون إعلاني أو محتوى برعاية الشركة.
نشر “القاهرة 24” اللقاء يوم 26 يوليو 2026، ووزّعه في مجموعة من المقاطع القصيرة ذات العناوين الجاذبة، من بينها “العمل في مصر كله خير وبركة”، و”رسالة محبة إلى مصر”، و”المصريون ذوقهم عالي أوي”، إلى جانب تصريحات العبار بأن كل مرة يدخل فيها “مراسي” يحمد الله على ما تحقق، وأن “إعمار” تتحمل تكلفة الصيانة والتطوير لأن عملاءها يستحقون الأفضل.
لكن هذه الرسائل ظهرت بينما كان الجدل الدائر خارج اللقاء يتناول شكاوى مختلفة تمامًا، من بينها رسوم استخدام بعض الشواطئ، والقيود المفروضة على دخول الضيوف، ونظام التصاريح الإلكترونية، وحدود انتفاع الملاك بالخدمات التي تعاقدوا عليها، فضلًا عن تقارير عن دعاوى قضائية ومطالبات بتعويضات مالية كبيرة.
كانت تلك هي الأسئلة الطبيعية لأي حوار يُجرى مع العبار في هذا التوقيت: ما حقيقة الرسوم المتداولة؟ ومن يحددها؟ وهل يجوز تحصيل مقابل بالدولار داخل مصر؟ وما الحقوق التي تضمنها عقود الملاك؟ ولماذا تغيرت قواعد دخول الضيوف؟ وهل تملك الشركة قانونًا التحكم في الوصول إلى الشواطئ؟ وما ردها على الدعاوى القضائية والشكاوى المتداولة؟
لم يظهر شيء من ذلك في المواد المنشورة من اللقاء.
لم تغب الأسئلة فقط
المشكلة لم تكن أن المملوك أغفل الأسئلة الحرجة فحسب، بل إنه ظهر في أجزاء من الحوار مشاركًا في تقديم الإجابة الدعائية، فبدلًا من صياغة أسئلة مفتوحة تختبر رواية العبار، جاءت بعض مداخلاته أقرب إلى تزكية المشروع ووصف نجاحه، ثم إتاحة المساحة للضيف كي يؤكد هذا الوصف ويكمله.
هنا لم يعد المحاور مجرد صحفي اختار أسئلة مريحة، بل أصبح طرفًا يساعد في بناء الرسالة الترويجية، ويقدم للضيف الفكرة التي يفترض أن تكون محل اختبار، ثم ينتظر منه الموافقة عليها.
هذا الأسلوب لم يظهر للمرة الأولى في لقاء “سول”، ففي حوار سابق أجراه المملوك مع العبار داخل دبي مول في مايو 2024، قال في أحد أسئلته: “دبي مول صرح كبير، وقبل أيام مرت الإمارات بمنخفض جوي كبير، والآن كل شيء على ما يرام، كيف حدث هذا؟”
السؤال هنا حسم النتيجة مسبقًا، فقرر أن كل شيء أصبح على ما يرام، بدلًا من سؤال العبار عن حجم الأضرار، أو شكاوى الزوار وأصحاب المحال، أو مسؤولية إدارة المول، أو الأدلة التي تثبت عودة الأوضاع إلى طبيعتها، ثم ترك له مهمة رواية قصة النجاح بعد أن قدمها المحاور بنفسه.
وفي مقدمة الحوار نفسه، كتب المملوك: “استغللت وجودي في دبي وعلاقتي بأبو راشد، محمد العبار مؤسس المول، لأرى بنفسي ماذا حدث”، وهو توصيف يكشف عن علاقة شخصية يعتز بها المملوك ويستخدمها بوصفها مدخلًا إلى الحوار.
وجود علاقة بين صحفي ورجل أعمال لا يمثل في ذاته مخالفة مهنية، وقد يكون الوصول إلى المصادر أحد عناصر تميز الصحفي، لكن كلما أصبحت العلاقة أكثر قربًا، زادت الحاجة إلى مسافة تحريرية واضحة، وإلى أسئلة أكثر صرامة، وإفصاح أكبر عن أي مصالح أو ترتيبات مرتبطة بإنتاج المحتوى.
ما حدث كان العكس تقريبًا، فقد حضرت العلاقة في المقدمة، بينما غابت المسافة داخل الأسئلة.
نمطٌ لا لقاء
مراجعة أرشيف “القاهرة 24” والحسابات المرتبطة به تكشف أن لقاء “سول” ليس حدثًا منفردًا، بل يأتي ضمن سلسلة ممتدة من اللقاءات والمناسبات التي جمعت المملوك والعبار داخل مصر وخارجها.
الحصر الأدنى الموثق علنًا يصل إلى سبعة لقاءات أو مناسبات مشتركة على الأقل، خمسة منها في مصر، واثنان خارجها.
بدأ المسار العلني في مارس 2021، عندما شارك المملوك في حفل إطلاق مشروع “بيل ڤي” في الشيخ زايد بدعوة من رئيس الشركة، بحسب ما نشره موقعه، وقالت المادة إن العبار أشاد بـ”القاهرة 24″ وتغطيته الإخبارية المستمرة، كما التقط الرجلان صورًا تذكارية خلال الحفل.
وفي أغسطس من العام نفسه، اجتمعا مجددًا في “مراسي” خلال افتتاح مسرح للموسيقار ميشال فاضل، ونشر الموقع صورًا للحفل، من بينها صورة حملت تعريفًا مباشرًا باسم “محمود المملوك ومحمد العبار”.
وفي أغسطس 2023، أجرى المملوك حوارًا مع العبار على هامش افتتاح فندق Address Beach Resort داخل “مراسي”، وركّز اللقاء على جمال الساحل، ونمو السياحة الخليجية، ومبيعات الشركة وأرباحها، وخطط بناء الفنادق، ومعاملة العبار في مصر مقارنة بأوروبا.
أما اللقاء الأوسع فكان في دبي خلال مايو 2024، عندما اصطحب العبار “القاهرة 24” في جولة داخل دبي مول، وأجرى معه المملوك حوارًا مطوّلًا عن مشروعاته وحياته واستثماراته في مصر وأوروبا.
ولم يبقَ الحوار في صورة مادة واحدة، بل جرى تفكيكه إلى تسع مواد صحفية على الأقل، تناولت استعداد العبار للاستثمار في رأس الحكمة، وتجربته في صربيا، ونصائحه للشباب، وعلاقته بالموظفين، ورؤيته للسياحة المصرية، ومشروعات المقطم ومراسي، وصولًا إلى عنوان يقول إن “مراسي” أعظم مشروع في العالم.
بعد ثمانية أيام فقط، ظهر المملوك مع العبار في ريغا عاصمة لاتفيا خلال إطلاق مشروع Riga Waterfront التابع لشركة “إيجل هيلز”، ونشر الموقع صورة تجمعهما أثناء حفل الإطلاق.
ثم تحولت الرحلة إلى مواد تحمل لغة تسويقية مباشرة، أبرزها عنوان “مفاجأة العبار في أوروبا، اشترِ بيتًا بمشروع Riga Waterfront واحصل على إقامة مجانية”، وهو عنوان يصعب تمييزه عن نصوص البيع العقاري، خصوصًا أنه لم يحمل تعريفًا واضحًا باعتباره إعلانًا أو محتوى برعاية الشركة.
وفي سبتمبر 2025، ظهر لقاء مصوّر جديد بينهما في القاهرة عقب إطلاق مشروع “مراسي البحر الأحمر”، وتناول نقل تجربة “مراسي” إلى الإمارات وأربع دول أخرى، إلى جانب اقتراح العبار إنشاء صندوق استثماري لتطوير منطقة وسط البلد.
وجاء لقاء “سول” في يوليو 2026 ليكون الحلقة السابعة الموثقة في هذه السلسلة، والأكثر إثارة للأسئلة بسبب توقيته المتزامن مع موجة الانتقادات الموجهة إلى “إعمار” ومشروع “مراسي”.
وقد يكون العدد الحقيقي أكبر، إذ توجد مقابلة نشرها “القاهرة 24” مع العبار في يوليو 2019 عن أسباب اختياره مصر لتنفيذ مشروع “مراسي”، كما توجد تغطية كثيفة لحفل إطلاق مرحلة “سول” في يوليو 2022، لكن المواد المتاحة لا تقدم دليلًا مؤكدًا على أن المملوك كان هو المحاور أو أنه حضر تلك المناسبات بنفسه، ولذلك لم تُحتسب ضمن الرقم النهائي.
لقاء واحد يتحول إلى حملة
لا تقتصر المسألة على تكرار اللقاءات، بل تمتد إلى طريقة إعادة إنتاجها وتوزيعها، فعندما يتحول حوار واحد إلى عدد كبير من الأخبار والمقاطع والعناوين التي تكرر رسائل الشركة، تصبح المنصة أمام ما يشبه حملة محتوى متكاملة، حتى لو لم تحمل المواد شكل الإعلان التقليدي.
يظهر اسم العبار، وصوره، ومشروعاته، وتصريحاته الإيجابية في الموقع وعلى حساباته الاجتماعية، بينما تغيب الأطراف المتضررة، ولا تظهر مراجعة مستقلة للأرقام التي يعلنها، ولا مقارنة بين وعود الشركة وشكاوى العملاء، ولا مساءلة حول العقود والرسوم والقيود.
وفي حالة الأزمة الأخيرة، نشر الموقع تصريحات العبار الاعتذارية والإيجابية، ثم نشر دفاع نجيب ساويرس عنه ووصفه الانتقادات بأنها “حملة مصطنعة”، لكن “مجهر الصحافة” لم يعثر، حتى وقت إعداد هذا التقرير، على معالجة مستقلة ومتكاملة داخل الموقع تمنح أصحاب الشكاوى مساحة مماثلة وتفحص مستنداتهم وعقودهم.
المشكلة هنا ليست في نشر دفاع العبار أو ساويرس، وإنما في غياب الطرف الآخر والتحقق المستقل، لأن الصحافة لا تكتمل بنقل رواية صاحب النفوذ وحده، خصوصًا عندما تكون المؤسسة الإعلامية قد راكمت معه هذا العدد من اللقاءات والرحلات والتغطيات الإيجابية.
إعلان أم صحافة؟
لا توجد معلومات مؤكدة تثبت أن اللقاء كان مدفوعًا، أو أن “إعمار” تحملت تكاليف إنتاجه أو سفر فريقه، كما لا توجد معلومات منشورة عن عقد رعاية أو اتفاق إعلاني بين الشركة و”القاهرة 24″.
لكن غياب الدليل على الدفع لا يلغي السؤال المهني، لأن المادة الإعلانية لا تُعرَّف فقط بطريقة تمويلها، بل أيضًا بوظيفتها وبنيتها: هل تختبر ادعاءات الشركة أم تكررها؟ هل تمنح الجمهور معلومات تساعده على اتخاذ موقف، أم تقدم له صورة مصقولة عن العلامة التجارية؟ هل تواجه الضيف بالانتقادات، أم تساعده على تجاوزها؟
وتنص المادة 27 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 على التزام المؤسسات الصحفية والوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية بالفصل والتمييز بصورة كاملة وواضحة بين المحتوى التحريري أو الإعلامي والمادة الإعلانية.
لا يعني ذلك أن كل لقاء مريح يمثل بالضرورة إعلانًا مدفوعًا، لكنه يعني أن المؤسسة مطالبة بمنع الالتباس لدى الجمهور، فإذا كان المحتوى جزءًا من شراكة تجارية، وجب تعريفه بوضوح، وإذا كان عملًا صحفيًا مستقلًا، فعليه الالتزام بأبسط شروط الصحافة: وضع التصريحات في سياقها، وفحصها، وطرح الأسئلة التي تشغل الجمهور، وإتاحة المجال للأطراف الأخرى.
المسافة التي اختفت
لم تكن المشكلة في ظهور محمود المملوك مع محمد العبار للمرة السابعة، ولا في انتقال اللقاءات من الشيخ زايد إلى مراسي ودبي وريغا والقاهرة، وإنما في أن هذا التكرار لم ينتج معرفة صحفية أعمق أو مساءلة أكثر جدية.
على العكس، كلما تعددت اللقاءات، بدت الأسئلة أكثر راحة، والعناوين أكثر احتفاء، والمسافة بين الصحفي والمصدر أقل وضوحًا.
كان لقاء يوليو 2026 فرصة حقيقية للعبار كي يواجه الشكاوى، ويشرح سياسات شركته، ويقدم المستندات والأرقام، ويجيب عن أسئلة الملاك، وكان يمكن أن يكون انفرادًا صحفيًا مهمًا لـ”القاهرة 24″.
لكن المنصة اختارت صورة أخرى: رجل أعمال يتحدث من داخل مشروعه عن حبه لمصر وجمال مشروعاته، ومحاور لا يكتفي بتجنب الأسئلة الصعبة، بل يساعد أحيانًا في تقديم الإجابات الدعائية.
في الصحافة يمكن استضافة المستثمر والدفاع عن حقه في الرد، ويمكن أيضًا إنتاج محتوى تجاري لصالح شركته، لكن ما لا ينبغي أن يحدث هو تقديم الإعلان بلغة الخبر، ثم مطالبة الجمهور بأن يتعامل معه باعتباره صحافة.

