منذ أن أحكم الحوثيون سيطرتهم على العاصمة، تغيّر وجه الحياة السياسية والمدنية فيها، لم تعد صنعاء مجرد عاصمةٍ تعاني من آثار الحرب، بل أصبحت مساحةً تتقلص فيها عامًا بعد عام مساحات التعبير المستقل، بحسب تقارير حقوقية وثّقت اعتقالات تعسفية واستهدافًا لصحفيين وناشطين ومحامين، إضافة إلى السيطرة على مؤسسات إعلامية وفرض قيود على العمل الصحفي
وفي مايو 2025، أفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات الحوثية أصدرت قرارًا يمنع وسائل الإعلام وصنّاع المحتوى من التصوير أو إجراء المقابلات الميدانية في صنعاء دون تصريح مسبق من وزارة الإعلام التابعة لها
وفي العام نفسه، وثّقت المنظمة اعتقال محامٍ وناشط حقوقي على خلفية منشورات مرتبطة بذكرى 26 سبتمبر، كما وثّقت اعتقالات طالت أشخاصًا احتفلوا بالمناسبة أو نشروا عنها
هنا تصبح الكلمة فعلًا يحتاج إلى شجاعة، ويصبح المنشور على شاشة الهاتف أكثر من مجرد حروف، وتتحول الصورة التي يضعها الإنسان في حسابه إلى موقفٍ قد يجرّ عليه الاستدعاء أو الاعتقال، وحين يصل الخوف إلى هذه المرحلة، لا يعود الصمت اختيارًا كاملًا؛ يصبح الصمت أحيانًا وسيلةً للبقاء
والأشد قسوةً أن صنعاء، المدينة التي كانت تضج بالصحف والمنابر والأصوات المختلفة، شهدت منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة عمليات استيلاء على عدد كبير من المؤسسات الإعلامية أو إغلاق لها، وفق توثيق هيومن رايتس ووتش، التي قالت إن صحفيين وعاملين في الإعلام تعرضوا للاعتقال والإخفاء والمضايقة، وإن كثيرًا ممن بقوا في اليمن اضطروا إلى الحد من كتاباتهم لتجنب الاستهداف
لكن الحرية ليست ترفًا سياسيًا يمكن الاستغناء عنه حين تضيق الظروف، الحرية هي أن يكون للإنسان حق السؤال، وحق الاختلاف، وحق الاعتراض، وحق أن يرى وطنه بصورةٍ مختلفة عن الصورة التي تريد السلطة أن يراه بها، والدولة التي لا تحتمل السؤال تتحول، بمرور الوقت، إلى مكانٍ يخشى فيه المواطن من كلمته قبل أن يخشى من خصمه
صنعاء اليوم تحمل مفارقة موجعة: مدينةٌ عريقة بتاريخها، واسعةٌ في ذاكرتها، لكنها تضيق على أصوات أبنائها حين يختلفون، وفي كل مرة يُسكت فيها صحفي، أو يُعتقل ناشط بسبب تعبير سلمي، أو يُغلق منبر إعلامي، لا يخسر الشخص وحده؛ يخسر المجتمع نافذةً أخرى كان يمكن أن يرى من خلالها نفسه!

