أصدرت الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN) دليلاً تدريبياً متخصصاً يقود الصحفيين خطوة بخطوة في استخدام برنامج QGIS مفتوح المصدر لتحليل البيانات الجغرافية ورسم الخرائط، وذلك في نسخة عربية نُشرت على منصة الشبكة.
ويكمن جوهر قيمة الدليل في أنه يخاطب من لا خبرة سابقة لديهم ببرامج رسم الخرائط، دون أن يُهمل من يملكون تلك المهارات، إذ يَعِد بأن يبني على ما لديهم من خبرة. وينطلق من فكرة محورية مفادها أن الصحفي لا يحتاج إلى إتقان مئات الأزرار والخيارات في البرنامج، بل تكفيه معرفة نحو عشرة منها لإنجاز معظم الأعمال الاستقصائية التي تتطلب رسم الخرائط، وهو ما يخفض حاجز الدخول إلى أداة طالما اتُّهمت بحدّة منحنى التعلّم فيها.
ويُبرز الدليل أن البرنامج مجاني وواسع الاستخدام ويحظى بمجتمع مستخدمين قوي، وهي خصائص تجعله بديلاً عملياً عن البرمجيات التجارية باهظة الثمن مثل ArcGIS. ومن خلال سلسلة تمارين تطبيقية مبنية على بيانات حكومية ودولية حقيقية، ينقل الدليل القارئ من أساسيات تثبيت البرنامج واستيراد الخرائط إلى عمليات تحليل متقدمة لا يمكن إنجازها إلا عبر برمجيات الخرائط، من قبيل ربط البيانات وحساب المساحات وكشف مناطق التداخل.
وتتوزع التمارين على نماذج استقصائية واقعية تكشف القدرة التحليلية للأداة، فمن خريطة سكان العالم الصادرة عن الأمم المتحدة يتعلم القارئ قراءة الأنماط الديموغرافية مثل الكثافة السكانية ومعدلات وفيات الرضّع، ومن بيانات إطلاق نار نفّذها ضباط شرطة نيويورك على المارّة الأبرياء على مدى أكثر من عقد، يكتشف كيف تتركّز الحوادث في الأحياء ذات النسبة الأعلى من السكان من أصول أفريقية أمريكية، وهي ملاحظة تفتح باب التساؤل والتحقيق. أما النموذج الأكثر تعقيداً فيتناول تحقيقاً نشره مركز بوليتزر مطلع عام 2025 حول مناجم مقترحة في كولومبيا، يرسم كيفية تداخل امتيازات التعدين مع غابات مطيرة محمية وأراضٍ للسكان الأصليين، بما يتيح للصحفي قياس حجم الأثر إحصائياً ومساءلة الحكومة وشركة التعدين بالأرقام.
ويتكئ الدليل على أمثلة صحفية بارزة استخدمت الخرائط أداةً للكشف، من بينها تحقيق منصة “بيلينغكات” عن اختفاء أشجار غزة بوصفه مؤشراً على أزمة إنسانية، وتحقيقا شبكة “إن بي سي نيوز” عن صلات عائلة سياسية أمريكية نافذة بمناجم النحاس في الغابات الكولومبية، وعن نسيج يُروَّج له بوصفه صديقاً للبيئة بينما تروي الغابة المطيرة رواية مغايرة.
وما يدفع الصحفيين إلى الإفادة من هذا الدليل هو أنه يحوّل الخرائط من مجرد صور توضيحية إلى أدوات لاكتشاف القصص وكشف الأنماط الخفية في كميات ضخمة من البيانات، في حقول متنوعة تشمل الجريمة والبيئة والديموغرافيا وتوثيق جرائم الحرب. كما أن المهارات الواردة فيه قابلة للنقل إلى أدوات رسم خرائط أخرى، ما يجعل قيمته تتجاوز البرنامج الواحد إلى منهج في التفكير التحليلي المكاني.
والدليل من تأليف الصحفيَّين آندي ليرين وكوك سير كوانغ كينغ، وآندي ليرين محرر التحقيقات في منصة “مونغاباي” ومحرر ومراسل استقصائي سابق في صحيفة “نيويورك تايمز” وشبكة “إن بي سي نيوز”. أما كوك سير كوانغ كينغ فصحفي رقمي ومدرّب في صحافة البيانات ومستشار إعلامي.
وتأتي هذه الأداة في سياق تحوّل أوسع شهدته الصحافة الاستقصائية خلال العقد الأخير، إذ صارت المصادر المفتوحة (OSINT) — أي المعلومات المتاحة علناً من صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبّع السفن والطائرات ومنشورات وسائل التواصل والسجلات الحكومية — ركيزة أساسية في كشف ما تسعى الحكومات والشركات إلى إخفائه. وقد أتاحت هذه المقاربة للصحفيين والباحثين الوصول إلى أدوات كانت حكراً على أجهزة الاستخبارات، بفضل انخفاض كلفتها وحاجز الدخول إليها، بما حوّل الوقائع من روايات شفهية يصعب التحقق منها إلى أدلة موثّقة قابلة للعرض، بل وللاستناد إليها في المحاكم الدولية أحياناً.
وتحتل الخرائط وصور الأقمار الصناعية موقع القلب من هذا التحول، لأنها تمنح التحقيق بُعداً مكانياً يحوّل الأرقام المجرّدة إلى أنماط مرئية. فحين يتعذّر على المراسل الوصول إلى منطقة نزاع أو موقع كارثة، تصبح الأقمار الصناعية شاهداً صامتاً يرصد التغيّرات على الأرض.
رابط الدليل: من هنا.

