بين الجيش والشاباك.. شهادات تكشف معاناة صحفيين غزيين في المعتقلات الإسرائيلية

كشفت منظمة مراسلون بلا حدود عن شهادات موثقة لخمسة صحفيين فلسطينيين من غزة، قالت إنهم تعرّضوا للاعتقال والاستجواب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز وسجون إسرائيلية

كشفت منظمة مراسلون بلا حدود عن شهادات موثقة لخمسة صحفيين فلسطينيين من غزة، قالت إنهم تعرّضوا للاعتقال والاستجواب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز وسجون إسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في وقائع تثير أسئلة جدية حول استهداف الصحفيين أثناء تغطية الحرب.

وبحسب المنظمة، شملت الشهادات صحفيين عرّفوا أنفسهم بوضوح أمام القوات الإسرائيلية، وبعضهم أبرز بطاقته الصحفية، ومع ذلك جرى توقيفهم ونقلهم إلى منشآت احتجاز، بينها قاعدة سديه تيمان العسكرية وسجون عوفر وكتسيوت-النقب ونفحة في بعض الحالات.

شهادات من داخل الاعتقال

أبرزت منظمة مراسلون بلا حدود حالة شادي أبو سيدو، مصور قناة “فلسطين اليوم”، الذي اعتُقل في 18 مارس/آذار 2024 داخل مستشفى الشفاء في غزة، بينما كان يوثق شهادات ضحايا القصف الإسرائيلي. ووفق المنظمة، استمر احتجازه 572 يومًا، تنقّل خلالها بين قاعدة سديه تيمان العسكرية وسجني عوفر وكتسيوت، قبل الإفراج عنه في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وتقول المنظمة إن أبو سيدو خرج من الاعتقال مصابًا بآثار جسدية ونفسية حادة، بينها فقدان البصر في عينه اليمنى، إلى جانب الأرق ونوبات الصرع وفقدان الشهية، وهي إصابات حالت دون عودته إلى ممارسة عمله الصحفي.

كما وثّقت المنظمة شهادة علاء السراج، مصور شركة “عين ميديا” للإنتاج، الذي قال إنه اعتُقل بعد التحقق من هويته الصحفية عند حاجز نتساريم في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبقي محتجزًا حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي لنحو عامين. وأشار السراج إلى أنه فقد منزله وسيارته ومعداته الصحفية التي قدّر قيمتها بأكثر من 50 ألف دولار.

الاعتقال رغم التعريف بالصفة الصحفية

وفق روايات الصحفيين الذين قابلتهم المنظمة، كانت الهوية الصحفية واضحة لحظة الاعتقال. فقد أكد الصحفيون أنهم أبلغوا الجنود الإسرائيليين بطبيعة عملهم، فيما قال ضياء الكحلوت، مدير مكتب “العربي الجديد” في غزة، إنه أبرز بطاقته الصحفية أكثر من مرة عند اعتقاله في بيت لاهيا في ديسمبر/كانون الأول 2023.

وتشير الشهادات إلى أن الاستجوابات تناولت تفاصيل مرتبطة بالعمل الصحفي، مثل المقالات، مصادر المعلومات، العلاقات المهنية، التغطيات الميدانية، والمؤسسات الإعلامية التي يعملون معها.

سديه تيمان.. محطة مركزية في الروايات

تتكرر قاعدة سديه تيمان العسكرية في شهادات الصحفيين بوصفها إحدى المحطات الأولى بعد الاعتقال. وتصف رواياتهم المكان بأنه مساحة للإذلال والحرمان والضرب، حيث كان المعتقلون يُجردون من أسمائهم ويتحولون إلى أرقام.

وتحدث الصحفيون عن التقييد، وتعصيب الأعين، ونقص الطعام والنوم، وترك الإصابات من دون علاج، إلى جانب ظروف احتجاز قاسية تركت آثارًا طويلة المدى على أجسادهم ونفسياتهم.

استجوابات الجيش والشاباك

بحسب مراسلون بلا حدود، خضع عدد من الصحفيين لاستجوابات من جهات إسرائيلية، بينها جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” والاستخبارات العسكرية “أمان”. وتركزت بعض الأسئلة على تغطيتهم الصحفية، ومعرفتهم بصحفيين آخرين، وطبيعة عملهم في شمال غزة، وعلاقاتهم المهنية داخل القطاع.

وتقول المنظمة إن هذا النمط يكشف تعاملًا خاصًا مع الصحفيين، حيث تحولت مهنتهم إلى مادة للاستجواب والضغط، رغم أن القانون الدولي يمنح الصحفيين المدنيين حماية خاصة في مناطق النزاع.

غطاء قانوني لاحتجاز طويل

أشارت المنظمة إلى أن تمديد احتجاز بعض الصحفيين جرى عبر جلسات سريعة أمام محكمة بئر السبع، غالبًا عبر الفيديو أو الهاتف، ومن دون حضور محامين. وارتبط ذلك بتطبيق قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو إطار قانوني تقول منظمات حقوقية إنه يتيح احتجاز معتقلي غزة لفترات طويلة بناءً على معلومات سرية.

وتقول مراسلون بلا حدود إن هذا المسار منح غطاءً قانونيًا لاحتجاز صحفيين مدنيين كانت السلطات الإسرائيلية تعلم بهويتهم المهنية.

وبحسب مراسلون بلا حدود، لا يزال 19 صحفيًا فلسطينيًا رهن الاحتجاز التعسفي لدى السلطات الإسرائيلية، وفق تقريرها المنشور في 19 مايو/أيار 2026. في المقابل، تورد لجنة حماية الصحفيين أرقامًا أوسع؛ إذ قالت في تقريرها الصادر في 19 فبراير/شباط 2026 إنها وثّقت احتجاز 94 صحفيًا فلسطينيًا وعاملًا إعلاميًا واحدًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى يناير/كانون الثاني 2026، بينهم 30 كانوا لا يزالون قيد الاحتجاز حتى 17 فبراير/شباط 2026، ما يعكس اختلافًا في منهجيات الرصد والفترات الزمنية المعتمدة لدى كل منظمة.

وتضع هذه الشهادات ملف اعتقال الصحفيين الفلسطينيين أمام اختبار جديد للمؤسسات الحقوقية والدولية، خاصة مع استمرار المطالبات بضمان حماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتبطة بعملهم المهني.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي