تشارك ثلاثة صناديق سيادية عربية بنحو أربعة وعشرين مليار دولار في تمويل استحواذ شركة باراماونت سكايدانس على مجموعة وارنر براذرز ديسكفري، المالكة لشبكة سي إن إن، في صفقة تبلغ قيمتها مئة وأحد عشر مليار دولار، تُعَدّ من أضخم عمليات الدمج في تاريخ صناعة الإعلام الأميركية، وتجعل من رأس المال الخليجي لاعباً رئيسياً في قلب هوليوود وفي ملكية واحدة من أبرز الشبكات الإخبارية في العالم.
والصناديق المشاركة هي صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز قطر للاستثمار، وشركة لِمَاد القابضة في أبوظبي، وقد انضمت إلى مستثمرين أميركيين في مقدمتهم مجموعة ريد بيرد وشركة ليون تري، وفق ما أفصحت عنه باراماونت في ملف قدّمته إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في أبريل الماضي. وكشفت الشركة أن المستثمرين الأجانب سيمتلكون حصة قدرها تسعة وأربعون ونصف في المئة من رأس مال الكيان المدمج، تستحوذ دول الخليج الثلاث وحدها على نحو ثمانية وثلاثين ونصف في المئة منها، فيما يُعَدّ صندوق الاستثمارات العامة السعودي أكبر مساهم منفرد بنحو عشرة مليارات دولار.
وصُمّمت الصفقة بحيث تأتي مساهمة الصناديق العربية على شكل حصص ملكية بلا حقوق تصويت، أي من دون مقاعد في مجلس الإدارة أو صلاحيات في الحوكمة، وهو ترتيب يحدّ من المخاوف المتعلقة بالنفوذ الأجنبي، ويُعفي الصفقة من اشتراط موافقة لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة. وأكدت باراماونت أن السيطرة الكاملة على الشركة المدمجة ستبقى في يد عائلة ديفيد إليسون، الرئيس التنفيذي لباراماونت سكايدانس، وشركة ريد بيرد كابيتال بارتنرز الأميركية.
غير أن مصير سي إن إن تحديداً يتصدر النقاش داخل الأوساط الإعلامية الأميركية، إذ ستؤول القناة بعد إتمام الدمج إلى سيطرة إليسون، الذي تربطه علاقة وثيقة بالرئيس دونالد ترامب، وهو ما أثار قلق العاملين في الشبكة من اتجاهين رئيسيين: أولهما احتمال خفض أعداد الموظفين في إطار وفورات قدّرتها باراماونت بأكثر من ستة مليارات دولار، وثانيهما التوجه التحريري المقبل للقناة.
وتعزّزت هذه المخاوف بتقارير أفادت بأن باري وايس، رئيسة تحرير قناة سي بي إس نيوز، قد تتولى الإشراف على العمليات التحريرية في سي إن إن وسي بي إس معاً بعد إتمام الصفقة، علماً بأن وايس وصلت إلى باراماونت حين اشترت الشركة موقعها المحافظ “ذا فري برس” مقابل مئة وخمسين مليون دولار في أكتوبر الماضي، وأثار أداؤها على رأس سي بي إس نيوز سلسلة من الأزمات التحريرية، بينها إقالة قيادة برنامج ستين دقيقة وعدد من مراسليه البارزين.
وحاول إليسون تهدئة المخاوف بالتعهد علناً بالحفاظ على الاستقلالية التحريرية لقناتي سي بي إس نيوز وسي إن إن بعد إتمام الاستحواذ، غير أن منتقدين يرون أن تركّز هذا القدر من القوة الإعلامية في يد مالك واحد قريب من السلطة، مدعوم بتمويل سيادي أجنبي ضخم، يطرح أسئلة جوهرية حول استقلالية الإعلام وتعدديته، خصوصاً أن الكيان المدمج سيضم إلى جانب سي إن إن مؤسسات ذات وزن عالمي مثل سي بي إس نيوز وإتش بي أو واستوديوهات وارنر وباراماونت بيكتشرز.
وعلى الصعيد التنظيمي، فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقاً في التمويل الخليجي بموجب لائحة الدعم الأجنبي، وحدّدت الرابع عشر من يوليو موعداً مبدئياً لإتمام المراجعة، إلى جانب تحقيق موازٍ بموجب قواعد الدمج المعتادة ينتهي في السابع من يوليو، فيما فتحت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية تحقيقاً خاصاً بها. وكان قسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأميركية قد أجاز الصفقة دون أي شروط، وهو قرار انتقدته السيناتورة إليزابيث وارن بشدة، ودعت المدعين العامين في الولايات إلى التحرك لوقف الدمج.

