قلق عالمي متصاعد من المنصات.. والفلسطينيون يرون فائدتها رغم التضليل

قلق عالمي متصاعد من المنصات.. والفلسطينيون يرون فائدتها رغم التضليل

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

يجمع الفلسطينيون المشاركون في مسح جديد لمركز بيو للأبحاث بين نظرة إيجابية إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي وقلق واسع من مخاطرها، فبينما يرى 60% أنها مفيدة للديمقراطية، يعتقد 87% أن الإنترنت والمنصات يسهّلان التلاعب بالناس عبر المعلومات الكاذبة والشائعات، ويقول 73% إنهما يزيدان الانقسام السياسي.

تضع هذه النتائج التجربة الفلسطينية ضمن نقاش أوسع عن منصات تتيح الوصول إلى المعلومات والتعبير عن الرأي، لكنها تثير أيضاً مخاوف متزايدة بشأن تأثيرها في الحياة السياسية، فقد رصد المسح ارتفاعاً في نسبة من يرون وسائل التواصل ضارة بالديمقراطية في معظم البلدان التي تتوافر لها بيانات مقارنة منذ 2022 أو 2023.

واقتصرت العينة الفلسطينية على الضفة الغربية والقدس الشرقية، بعدما تعذر إجراء المسح في قطاع غزة، ولم تشمل الدراسة بلداناً عربية أخرى، وهو ما يجعل النتائج نافذة محدودة على مواقف الجمهور العربي، من دون أن تمثل الفلسطينيين جميعاً أو تسمح بتعميمها على المنطقة.

نُشرت الدراسة في 1 أكتوبر 2026، واستندت إلى إجابات 45,658 بالغاً في 37 دولة ومجتمعاً، جُمعت بين 8 فبراير و13 مايو 2026، وأعدها الباحثون ريتشارد وايك وماريا سميركوفيتش ومويرا فاغان.

حضور فلسطيني واسع على المنصات

سجل المشاركون في الضفة الغربية والقدس الشرقية أعلى نسبة لاستخدام 3 منصات أو أكثر من المنصات الخمس التي تناولها المسح، إذ بلغت 61%، مقابل وسيط عام قدره 36%.

وبلغ استخدام فيسبوك بين المشاركين الفلسطينيين 88%، وسناب شات 50%، وهما أعلى نسبتين لهاتين المنصتين بين المجتمعات المشمولة، فيما قال 72% إنهم يستخدمون تيك توك.

وتوضح هذه الأرقام اتساع استخدام منصات متعددة، لكنها لا تقيس ساعات الاستخدام أو درجة الاعتماد عليها في متابعة الأخبار، ولذلك لا تكفي وحدها لوصف المشاركين الفلسطينيين بأنهم الأكثر اتصالاً بالإنترنت.

أما فوائد المنصات، فتظهر بوضوح في إجابات العينة الفلسطينية، إذ قال 88% إن الإنترنت ووسائل التواصل جعلا الناس أكثر اطلاعاً على الأحداث الجارية، ورأى 62% أنهما منحا الناس قدرة أكبر على إسماع صوتهم في السياسة.

ورغم ارتفاع القلق من التضليل والانقسام، ظل التقييم العام لدور وسائل التواصل في الديمقراطية إيجابياً لدى 60%، مقابل 35% رأوه سلبياً، بما يشير إلى أن الاعتراف بالمخاطر لا يلغي تقدير ما تتيحه المنصات من فرص للمعلومات والتعبير.

ولا تحدد الدراسة أسباب هذه المواقف الفلسطينية، كما لا تختبر أثر الحرب أو سياسات إدارة المحتوى فيها، لذلك تبقى محاولة تفسيرها بهذه العوامل خارج ما تثبته بيانات المسح.

مخاوف عالمية تتزايد

تأتي النتائج الفلسطينية في وقت تتسع فيه الشكوك في الدور السياسي للمنصات خارج الولايات المتحدة، التي ظلت نسبة من يرون وسائل التواصل ضارة بالديمقراطية فيها عند 64%، كما كانت قبل 4 سنوات.

في ألمانيا، ارتفعت هذه النسبة من 41% عام 2022 إلى 61% في المسح الجديد، وفي اليابان من 23% إلى 43%، وفي هولندا من 54% إلى 70%، وهي أعلى نسبة بين البلدان المشمولة، أما إندونيسيا فارتفعت فيها النسبة من 24% عام 2023 إلى 43%.

وسجلت المجر وبولندا زيادات مماثلة، من 22% إلى 42% في الأولى، ومن 15% إلى 35% في الثانية، لكن المركز ينبه إلى انتقال المسح في البلدين من المقابلات المباشرة إلى الهاتف منذ 2024، وهو تغيير يستدعي الحذر عند مقارنة النتائج.

ومع ذلك، لا تعني هذه التحولات أن النظرة السلبية أصبحت الغالبة في جميع البلدان، فقد بلغ وسيط التقييم الإيجابي لدور وسائل التواصل في الديمقراطية 55%، مقابل 35% للتقييم السلبي.

والوسيط هو القيمة التي تقع في منتصف نسب البلدان بعد ترتيبها، وليس نسبة من مجموع المشاركين أو تقديراً لرأي سكان العالم جميعاً.

القلق يتركز في بلدان غنية

وجدت الدراسة أن البلدان السبعة التي رأى فيها نصف المشاركين أو أكثر أن وسائل التواصل أضرت بالديمقراطية تقع جميعها بين البلدان الأغنى في المسح، وهي أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

لكن العلاقة ليست مطلقة، ففي سنغافورة لم تتجاوز نسبة أصحاب التقييم السلبي 22%، ما يوضح أن مستوى الثراء وحده لا يفسر اختلاف المواقف.

وفي المقابل، رأى نحو ثلاثة أرباع المشاركين أو أكثر في غانا وكينيا ونيجيريا والفلبين وتايلاند أن وسائل التواصل أفادت الديمقراطية، ولم تتجاوز نسبة من اعتبروها ضارة في نيجيريا 11%.

وتكشف هذه الفروق أن القلق يتزايد في بلدان عديدة، لكنه يتعايش مع نظرة إيجابية قوية في بلدان أخرى.

المعلومات والتضليل يصلان عبر الوسيلة نفسها

على مستوى المسح، بلغ وسيط من يقولون إن الإنترنت ووسائل التواصل جعلا الناس أكثر اطلاعاً 77%، وبلغ وسيط من يرون أنهما منحا الناس صوتاً مؤثراً في السياسة 60%.

في المقابل، وصل وسيط القائلين إنهما سهّلا التلاعب بالمعلومات الكاذبة إلى 79%، وبلغ وسيط من يرون أنهما زادا الانقسام السياسي 68%.

وفي 29 بلداً، اعتقد ثلث البالغين أو أكثر أن الآثار الأربعة تحدث معاً، وهي نتيجة تساعد على فهم الموقف الفلسطيني أيضاً، فالمشارك يستطيع أن يرى المنصات مفيدة للحصول على المعلومات، ويعتقد في الوقت نفسه أنها تسهّل انتشار الشائعات.

وكان تزايد القلق من الانقسام السياسي واضحاً في عدة بلدان، إذ ارتفعت نسبة من يرون أن الإنترنت والمنصات يعمقانه من 50% إلى 79% في بولندا، ومن 65% إلى 82% في ألمانيا، ومن 52% إلى 69% في فرنسا، ومن 47% إلى 64% في اليابان.

وفي الولايات المتحدة بلغت النسبة 81%، وتقاربت إجابات الجمهوريين والديمقراطيين عند 83% و82% على الترتيب، ما يظهر اتفاقاً واسعاً بين الطرفين بشأن هذا الأثر رغم اختلاف مواقفهما السياسية.

الشباب أكثر تفاؤلاً

يميل الشباب في معظم البلدان إلى تقييم أكثر إيجابية لدور وسائل التواصل في الديمقراطية، ففي بريطانيا رأى 60% من المشاركين بين 18 و34 عاماً أنها مفيدة، مقابل 31% بين من تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر.

وفي تركيا بلغت النسبتان 63% و42%، أما في الولايات المتحدة فلم يتجاوز التقييم الإيجابي 44% بين من تقل أعمارهم عن 35 عاماً.

وتشير الدراسة إلى أن الشباب والأعلى تعليماً يميلون إلى الإقرار بفوائد المنصات ومخاطرها معاً، كما يميل مستخدمو منصات متعددة إلى تقييم دورها بصورة أكثر إيجابية.

في المقابل، كان كبار السن والأقل تعليماً ومن لا يستخدمون المنصات أكثر ميلاً إلى عدم إبداء رأي في الأسئلة المتعلقة بأثرها السياسي، ما يترك جانباً من مواقف هؤلاء أقل وضوحاً في النتائج.

وتقدم العينة الفلسطينية دلالة مهمة للصحافة العربية: انتشار المنصات وتقدير فائدتها لا يعنيان الثقة بكل ما يُنشر عليها، فالجمهور نفسه الذي يرى فيها وسيلة للاطلاع والتعبير يدرك أنها قد تحمل معلومات مضللة وتزيد الخلافات.

لكن المسح يقيس تصورات المشاركين، ولا يثبت أن المنصات سببت تحسناً أو تراجعاً في الديمقراطية، كما أن غياب غزة وبقية البلدان العربية يترك أسئلة مفتوحة بشأن حجم هذه المخاوف في المنطقة، وكيف تختلف من مجتمع إلى آخر.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي