كيف توظّف غرف الأخبار الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار: تجارب رويترز وإندبندنت

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

تستخدم مؤسسات إعلامية، بينها “رويترز” و”إندبندنت” و”ريتش”، أدوات ذكاء اصطناعي لفحص الوثائق الطويلة، واسترجاع التغطيات السابقة، واقتراح العناوين، وتجهيز المواد للنشر، في محاولة لتقليل الوقت الذي تستغرقه المهام المتكررة وإتاحة مساحة أكبر للعمل الصحفي، وفق تقرير نشرته مجلة “برس غازيت” المتخصصة في صناعة الإعلام.

واستعرض التقرير تجارب عرضها مسؤولو المؤسسات خلال فعالية عن اتجاهات مستقبل الإعلام في لندن، وأظهرت المداخلات أن الاستفادة من هذه الأدوات ترتبط بتحديد مصادر المعلومات المسموح لها باستخدامها، ومراجعة مخرجاتها، ووضع قواعد واضحة لمسؤولية الصحفي والإفصاح للجمهور.

الأرشيف مصدر للسياق أثناء الأخبار العاجلة

قال الرئيس التنفيذي لـ”إندبندنت”، كريستيان بروتون، إن المؤسسة طوّرت أدوات داخلية تستفيد من أرشيفها الممتد 40 عامًا، عبر إتاحة البحث في المقالات والصور بحسب المعنى، بدل الاعتماد على تطابق الكلمات المفتاحية وحده.

وتتيح إحدى الأدوات تنبيه الصحفي إلى أن المؤسسة تناولت الموضوع سابقًا، وعرض ما نشرته والسياق الذي يمكن إضافته إلى التغطية الجديدة، مع ترك قرار استخدامه للمحرر، وقال بروتون إن ذلك يساعد على تقديم مواد أكثر عمقًا حتى عندما يعمل الصحفيون بسرعة لمتابعة الأخبار العاجلة.

وتستخدم المؤسسة أدوات أخرى لإضافة الوسوم وبيانات تحسين الظهور في محركات البحث، وهي مهام قال بروتون إن أتمتتها أتاحت موارد لتحقيقات مطوّلة، مشيرًا إلى تحقيق صوتي أعده محرر الشؤون العالمية سام كايلي عن القوات الخاصة البريطانية.

وكانت “إندبندنت” قد أطلقت مطلع 2025 منصة “بوليتن”، التي تنشر نسخًا مختصرة من مقالاتها باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحت إشراف محررين، وأكد بروتون أن الأدوات الداخلية تعمل ضمن ضوابط تحدد مصادر المعلومات التي يمكنها الاستناد إليها، مع استمرار الرقابة التحريرية البشرية.

وقال إن المحررين الذين يستخدمون هذه الأدوات بالكامل أصبحوا أكثر “إنتاجية اقتصادية” بست مرات مقارنة بمن لا يستخدمونها، لكن التقرير لم يعرض منهجية احتساب هذا المؤشر أو تفاصيله، ولذلك لا يتيح الرقم وحده قياس أثر الأدوات في جودة التغطية أو دقتها.

تفصيل في الصفحة 33 يتحول إلى خبر محلي

وفي مجموعة “ريتش”، عرض مسؤول المحتوى ديفيد هيغرسون تجربة استخدام أداة “مانتيس سكرايب” لفحص وثيقة تخطيط عمراني من 35 صفحة، تتناول هدم مطحنة وإقامة وحدات صناعية مكانها.

والتقطت الأداة إشارة في الصفحة 33 إلى أن المشروع يشمل هدم مقهى عند مدخل الموقع، ثم أبرزتها في مسودة خبر من 10 فقرات، وبحسب هيغرسون، علمت المرأة التي تدير المقهى بالأمر بعد نشر الخبر على صفحة المؤسسة المحلية في “فيسبوك”.

ويبرز المثال قدرة الأدوات على لفت الانتباه إلى تفاصيل ذات أثر مباشر على الجمهور داخل وثائق طويلة، مع بقاء الحاجة إلى فحص النص الأصلي والتحقق من الوضع الفعلي للمشروع واستكمال المقابلات قبل اعتماد التغطية.

وقال هيغرسون إن المجموعة تستخدم أدوات لمراجعة جداول أعمال المجالس المحلية واستخراج نقاط تستحق المتابعة، كما تستخدم “مانتيس سكرايب” لإعداد مسودات أولية من الوثائق وإعادة صياغة القصة لتناسب مواقع المجموعة وأسواقها المحلية المختلفة.

وشدد على أن الصحفي يتحكم في ما يُنشر، وأن المؤسسة تحدد الأدوات المسموح باستخدامها، وتطلب من الصحفيين إبلاغ مسؤوليهم المباشرين بكيفية الاستعانة بها.

وتجمع منصة داخلية أخرى، تحمل اسم “لونشباد”، أدوات النشر والذكاء الاصطناعي والصور وتحليلات الأداء في بيئة واحدة، وتتيح طرح أسئلة عن مؤشرات القراءة، وتعرض بيانات صحفية مرتبطة باهتمامات الصحفي واقتراحات لموضوعات يمكن متابعتها.

متى تُفصح المؤسسة عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟

قدّم المحرر التنفيذي في “رويترز”، نيك تاترسال، تمييزًا بين استخدام الأدوات لمساعدة الصحفي في عمل قائم، واستخدامها لإنتاج محتوى لم يكن سيُنتج من دونها.

ففي اقتراح العناوين أو استخراج معلومات ذات قيمة خبرية من المواد المصدرية، يبقى قرار النشر والمسؤولية عن المحتوى لدى الصحفي، ويُسجّل استخدام الأداة داخليًا من دون إبلاغ القراء به، وفق تاترسال.

أما الاستخدامات التي وصفها بأنها “تأسيسية”، وتحدث في نطاق محدود جدًا، فتُفصح عنها الوكالة للجمهور، ومن أمثلتها الترجمة الآلية التي تتيح نشر أخبار تقارير الأرباح الفصلية بلغات متعددة بسرعة، كما تُبلغ مستخدمي منصاتها عندما يستمعون إلى مادة بصوت اصطناعي مولّد بالذكاء الاصطناعي.

وقالت ماري بيرينغ، نائبة رئيس إدارة المنتجات في شركة أنظمة النشر “ستيبو دي إكس”، إن قواعد الإفصاح عن المساعدة الآلية في المقالات المكتوبة لا تزال تتشكل، بينما رأت أن الحاجة إلى توضيح الطبيعة الاصطناعية للصور والفيديو أكثر وضوحًا، وأشارت إلى العمل على معايير لبيانات منشأ المحتوى تظل مصاحبة له أثناء تداوله.

البحث في مصادر محددة بدل الاسترجاع المفتوح

وعرضت “رويترز” خدمة تتيح ربط محتواها بأنظمة الذكاء الاصطناعي لدى المؤسسات المشتركة، بحيث تتمكن هذه الأنظمة من البحث باللغة الطبيعية في الأخبار المباشرة والأرشيف واسترجاع المواد ذات الصلة.

وأوضح تاترسال أن الصحفي الذي يكتب خبرًا عاجلًا يمكن أن يعمل بالتوازي مع نظام يبحث في مواد الوكالة عن الصور والفيديو والبيانات والرسوم المرتبطة بالموضوع، لتجهيزها للنظر فيها أثناء الإنتاج.

وتستهدف الخدمة، بحسب تاترسال، إتاحة معلومات موثوقة ومتحقق منها للأنظمة التي تنفذ مهام متعددة داخل غرف الأخبار، وهو توجه يربط فائدة الأداة بجودة المصادر التي تسترجع منها المعلومات.

علاقة الجمهور تتجاوز عدد الزيارات

وفي النشر المتخصص، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة “متروبوليس”، روبرت مار، إن المجموعة أطلقت 10 تطبيقات جديدة و7 نشرات بريدية يقودها صحفيون، استجابة لتراجع حركة الزيارات إلى المواقع.

وأضاف أنها لم تعد تعتمد النقرات المؤدية من النشرات إلى الموقع مؤشرًا لتقييمها، بل تركز على نوعية الجمهور، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص توصيات المحتوى داخل الرسائل البريدية وتسهيل البحث والإنتاج المرتبطين بالفعاليات.

وبحسب مار، استقبل روبوت المحادثة الداخلي “ميسو”، الذي عُمّم على منصات المجموعة، 1.5 مليون سؤال من القراء خلال عامين، في تجربة لاستخدام المحتوى المنشور للإجابة عن احتياجات الجمهور مباشرة، إلى جانب عرضه في صورته التقليدية كمقالات.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي