الأعلى للإعلام المصري يعترف بـ”حاج عرفة” ولا يعرف “مدى مصر” و”المنصة”

الأعلى للإعلام المصري يعترف بـ"حاج عرفة" ولا يعرف "مدى مصر" و"المنصة"

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

وافق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، برئاسة خالد عبد العزيز، على منح تراخيص جديدة لمنصة “ديزني بلس” العالمية و13 موقعًا إلكترونيًا، بينها “حاج عرفة” و”كونتكت كارز” و”إيجيبت أوتوموتيف”، إلى جانب تطبيق “رع تشات”، وتوفيق أوضاع ثلاث صحف، في قرار أعاد طرح تساؤلات بشأن معايير منح التراخيص، بينما لا تزال مؤسسات صحفية مستقلة، في مقدمتها “مدى مصر” و”المنصة” و”فكر تاني”، تواجه الرفض أو الانتظار لسنوات للحصول على الترخيص نفسه.

وجاء القرار، الصادر في 20 أكتوبر 2026، ليشمل مواقع “يوليو” و”خلف الحدث” و”العاصمة” و”زائد” و”مصر مباشر” و”بوابة العمال” و”منبر التحرير” و”الأرض” و”الجمهورية التعليمية”، إلى جانب المواقع التجارية والخدمية، فضلًا عن توفيق أوضاع صحف “المصري اليوم” و”العروبة” و”اليوم”.

وقال المجلس إن الموافقات جاءت بعد مراجعة الملفات والتأكد من استيفاء الشروط القانونية والمهنية، معتبرًا أنها تعكس حرصه على “تعزيز حرية الرأي والتعبير” و”ترسيخ مبادئ التعددية والتنوع”.

لكن المفارقة أن المجلس الذي يعلن توسيع المجال الإعلامي بمنح تراخيص لمواقع وتطبيقات ترفيهية وتجارية، لا يزال عاجزًا عن حسم طلبات مؤسسات صحفية مستقلة تعمل منذ سنوات، وتنتج تحقيقات وتقارير إخبارية، وتواجه بسبب غياب الترخيص أوضاعًا قانونية غير مستقرة، وصلت في بعض الحالات إلى التحقيقات القضائية.

“المنصة”.. ثماني سنوات في انتظار الترخيص

تُعد تجربة موقع “المنصة” من أبرز الأمثلة على طول إجراءات الترخيص، إذ تقدمت المؤسسة بطلبها الأول في أكتوبر 2018، استجابة لدعوة المجلس المواقع الإلكترونية إلى تقنين أوضاعها، ثم أعادت التقديم في أغسطس 2020 عقب صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الصحافة والإعلام.

وبحسب شهادة رئيسة تحرير الموقع نورا يونس، التي وثقتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير في دراسة صدرت في يوليو 2026، لم تتلق المؤسسة قرارًا نهائيًا بالقبول أو الرفض، رغم مرور ما يقرب من ثماني سنوات على طلبها الأول.

وخلال هذه الفترة، واصل المجلس إصدار قوائم متتابعة بالمواقع والتطبيقات التي حصلت على تراخيص، بينما بقي طلب “المنصة” معلقًا دون إعلان أسباب واضحة لاستمرار الانتظار.

“مدى مصر”.. رفض الترخيص ثم الملاحقة بسببه

أما “مدى مصر”، فتقدمت بطلب الترخيص في أكتوبر 2018، ثم أعادت تقديمه في أغسطس 2020، قبل أن يتحول النزاع إلى القضاء الإداري، الذي أيد في مايو 2023 رفض منح الموقع الترخيص، استنادًا إلى مسائل تتعلق بالمستندات والكيان القانوني.

وأكدت المؤسسة أنها قدمت خلال نظر الدعوى مستندات تتعلق بالملاحظات المثارة بشأن ملفها، لكن محاولاتها لم تنته بالحصول على الترخيص.

ولم تتوقف تبعات هذا الرفض عند حرمان المؤسسة من الاعتراف القانوني، إذ أصبح تشغيل الموقع دون ترخيص ضمن الاتهامات التي واجهتها رئيسة التحرير لينا عطا الله في تحقيقات خلال سبتمبر 2023 وفبراير 2024 وأغسطس 2025.

وفي 19 أكتوبر 2026، أعلنت “مدى مصر” استدعاء عطا الله مجددًا للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في قضية جديدة، دون أن يثبت ارتباط الاستدعاء الأخير بملف الترخيص.

وتكشف هذه الحالة كيف يمكن أن يتحول رفض الترخيص من قرار إداري إلى مصدر تهديد قانوني لاستمرار العمل الصحفي، حتى حين تكون المؤسسة قد حاولت الحصول عليه عبر القنوات الرسمية.

“فكر تاني” و”مصر 360″.. طلبات معلقة ورفض قابل للطعن

لم تكن تجربتا “مدى مصر” و”المنصة” استثنائيتين، ففي سبتمبر 2024 أخطر المجلس شركة “فري ثينك ميديا”، المالكة لموقع “فكر تاني”، برفض طلب الترخيص، بعد أكثر من عام على تقديمه وسداد الرسوم المقررة.

وبرر المجلس قراره بعدم وضوح السياسة الإعلانية ومصادر التمويل وخطة تأمين الأجهزة والمعدات، بينما اعترضت إدارة الموقع على المبررات، مؤكدة أنها لم تُمنح فرصة كافية لمعالجة الملاحظات قبل صدور القرار.

وتقدمت المؤسسة بتظلم في أكتوبر 2024، وأُبلغت لاحقًا بأنه قيد الفحص، دون توافر معلومات مؤكدة عن قرار نهائي حسم التظلم.

وفي حالة “مصر 360″، تقدم الموقع بطلب للترخيص قبل تعرضه للحجب في يونيو 2023 بأكثر من ستة أشهر، وفق تصريحات مؤسسه حسين بهجت، ولم يكن قد حصل على قرار نهائي بشأن الطلب حتى يونيو 2026، بحسب إفادات وثقتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

وفي المقابل، حصل موقع “السلطة الرابعة” على الترخيص في يناير 2026، بعد مسار طويل شهد تعرضه للحجب عام 2023، وهي حالة تؤكد أن تعثر الترخيص لا ينتهي دائمًا بالرفض، لكنها تبرز كذلك تفاوت المدد التي تستغرقها المؤسسات لتسوية أوضاعها.

من يحق له دخول المجال الإعلامي؟

بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، يخضع إنشاء وإدارة المواقع الإلكترونية لنظام الترخيص المسبق، وتبلغ رسوم ترخيص الموقع 50 ألف جنيه، فيما تنص اللائحة التنفيذية على إصدار القرار خلال 90 يومًا من تقديم الطلب مستوفيًا جميع المستندات والبيانات المطلوبة.

غير أن تجارب المؤسسات المستقلة تكشف أن هذه المدد قد تمتد عمليًا إلى سنوات، مع صعوبة معرفة أسباب استمرار تعليق الطلبات، في ظل غياب سجل رسمي شامل يوضح أعداد الطلبات المرفوضة والمعلقة، وأسباب الرفض، والمدة التي استغرقها فحص كل ملف.

ولا يثبت ذلك وحده أن المجلس يرفض الترخيص بسبب المواقف التحريرية للمؤسسات، فهناك شروط قانونية وإدارية يتعين استيفاؤها، لكن غياب الشفافية بشأن تطبيق هذه الشروط يثير تساؤلات مشروعة عن تكافؤ الفرص بين المؤسسات الإعلامية.

كما أن منح ترخيص لمنصة ترفيهية أو موقع تجاري ليس في ذاته موضع اعتراض، وإنما تكمن المفارقة في إعلان المجلس هذه الموافقات باعتبارها دليلًا على التعددية، بينما تبقى مواقع صحفية مستقلة معروفة خارج مظلة الترخيص أو في انتظار قرار بشأنه.

فالتعددية الإعلامية لا تُقاس بعدد المواقع والتطبيقات الحاصلة على الموافقة، وإنما بقدرة المؤسسات ذات التوجهات التحريرية المختلفة على العمل في بيئة قانونية عادلة، وبخضوع الجميع للمعايير والإجراءات ذاتها.

وهنا يعود السؤال الذي يطرحه قرار المجلس الأخير: كيف يجد “حاج عرفة” مكانه في قائمة المؤسسات المرخصة، بينما تنتظر “المنصة” منذ 2018، وتواجه “مدى مصر” تبعات رفض ترخيصها؟ وهل يعكس اتساع قوائم التراخيص اتساعًا حقيقيًا في المجال الصحفي، أم مجرد زيادة في عدد المواقع والتطبيقات التي يسمح لها المجلس بالعمل؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي