توصلت الحكومة المصرية إلى اتفاق لتسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام “ماسبيرو” لدى بنك الاستثمار القومي، بعد أزمة مالية تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي.
وشهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في 26 أغسطس 2026، توقيع الاتفاق بين وزير المالية أحمد كجوك، ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ورئيس مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي أحمد رستم، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني.
وبحسب البيانات الحكومية، أسقط الاتفاق فوائد وغرامات تأخير بقيمة 51.4 مليار جنيه، لتستقر المديونية بعد التسوية عند 88.3 مليار جنيه، ما يعني أن إجمالي الالتزام قبل الإعفاء بلغ نحو 139.7 مليار جنيه.
ووصف المسلماني الاتفاق بأنه ينهي “أكبر أزمة في تاريخ الإعلام المصري”، معتبرًا أن التخلص من عبء المديونية سيساعد الهيئة على الاقتراب من الاستدامة المالية وتنفيذ خطط تطوير قنواتها وإذاعاتها.
كيف تراكمت الديون؟
لم تنشأ المديونية في عهد الهيئة الوطنية للإعلام، التي تأسست عام 2016، وإنما ورثتها عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون السابق، نتيجة قروض قديمة حصل عليها من بنك الاستثمار القومي لتمويل مشروعات وتوسعات إعلامية، من بينها المساهمة في تأسيس مدينة الإنتاج الإعلامي وشركة الأقمار الصناعية “نايل سات”.
وفي يناير 2021، أعلنت الهيئة أن ديونها لدى البنك بلغت نحو 42.6 مليار جنيه، وأن الجزء الأكبر منها يعود إلى فوائد تراكمت على القروض القديمة، لكن البيانات المنشورة بشأن التسوية الأخيرة لم تقدم كشفًا تفصيليًا يوضح تطور المديونية من الرقم المعلن عام 2021 إلى نحو 139.7 مليار جنيه قبل إسقاط الفوائد والغرامات.
وتزامن تراكم الديون مع ارتفاع نفقات تشغيل الهيئة واتساع جهازها الوظيفي، إذ قال رئيسها السابق حسين زين عام 2022 إن عدد العاملين في ماسبيرو بلغ نحو 31 ألف موظف، في وقت واجه فيه التلفزيون الرسمي منافسة متزايدة من القنوات الخاصة والمنصات الرقمية.
تسوية بالأصول لا بالسداد النقدي
لا تقوم التسوية على دفع قيمة المديونية نقدًا، بل على نقل أصول بين جهات حكومية، إذ تقضي بنقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل تابعًا للهيئة، تضم أراضي ومباني، إلى بنك الاستثمار القومي بقيمة 18.06 مليار جنيه.
وتوفر الدولة أراضي من أملاكها لسداد القيمة المتبقية، مع وقف احتساب غرامات تأخير جديدة منذ الأول من يوليو 2026 وحتى اكتمال إجراءات التسوية.
وقالت وزارة التخطيط إن الاتفاق لم يمس الأصول التي تحقق عائدًا للهيئة، كما أدى إلى فك الرهن عن أسهمها في شركتي “نايل سات” و”مدينة الإنتاج الإعلامي”، بعدما ظلت مرهونة لمصلحة بنك الاستثمار القومي بسبب الديون.
وتندرج تسوية ماسبيرو ضمن مسار حكومي أوسع لفك التشابكات المالية بين البنك وعدد من الجهات العامة، وصلت قيمة الاتفاقات المعلنة فيه إلى 294.1 مليار جنيه.
إغلاق الدين لا يحسم أزمة ماسبيرو
تجري التسوية بين مؤسستين مملوكتين للدولة، ولذلك تمثل في جانب أساسي منها إعادة ترتيب للديون والأصول داخل القطاع الحكومي، أكثر من كونها سدادًا لدائن خارجي.
كما لم تتضمن البيانات المنشورة قائمة بالأصول الأربعة والأربعين أو مواقعها، ولم توضح طريقة تقييمها أو تفاصيل الأراضي الحكومية التي ستُستخدم لسداد بقية المديونية.
وكان المسلماني قد أعلن إعداد خطة لتطوير ماسبيرو في 42 صفحة تشمل الجوانب الفنية والمالية والإدارية، لكن الخطة لم تُنشر كاملة حتى الآن، ما يجعل الحكم على أثر التسوية مرتبطًا بما ستكشفه الهيئة عن نموذجها التشغيلي وخطط زيادة الإيرادات وضبط النفقات ومنع تراكم ديون جديدة.

