مليون و795 ألف قصاصة تقاوم النسيان.. مكتبة الإسكندرية تفتح نافذة على ذاكرة الصحافة المصرية والعربية

مكتبة الإسكندرية تتيح أرشيف الصحافة المصرية والعربية رقمياً

“رغيف الخبز: الأزمة والعبرة” عنوان مقال لفهمي هويدي نشرته “الأهرام” في 18 أبريل 1989، يظهر في فهرس أرشيف الصحافة المصرية الذي تتيحه مكتبة الإسكندرية، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يفتح هذا السجل الصغير بابًا للعودة إلى نقاش قديم، وتتبع اللغة التي كُتب بها، والأسئلة التي شغلت الصحافة وقتها، ومقارنتها بما يشغلها اليوم.

هذه إمكانية واحدة ضمن مشروع يضم، بحسب موقعه الرسمي، أكثر من مليون و795 ألف قصاصة صحفية، مأخوذة من 300 صحيفة مصرية وعربية يومية وأسبوعية، وموزعة على 40 مجالًا موضوعيًا، وتعرض واجهته حصيلة تتجاوز 23 ألف كاتب ومراسل.

وراء هذه الأرقام عمل توثيقي يجمع بين حفظ المادة وتنظيمها وإتاحتها، ويمنح ما نُشر في الصحف عمرًا بحثيًا يتجاوز يوم صدورها، فالخبر الذي قرأه جمهوره بوصفه واقعة يومية يمكن أن يصبح، بعد سنوات، مدخلًا لفهم سياسة عامة أو تحول اجتماعي أو مسار شخصية.

من ملفات القصاصات إلى أرشيف قابل للبحث

بدأ مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية “سيداج” جمع المقالات الصحفية المصرية منذ عام 1976، وفق التعريف الرسمي بالمشروع، وتولى تصنيف المجموعة وفهرستها وإعدادها للنشر الإلكتروني، بينما صممت مكتبة الإسكندرية البنية التكنولوجية اللازمة لرقمنتها، وأنشأت الموقع الذي يتيح تصفحها والبحث فيها.

وتشمل المجموعة مواد بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ويحدد وصف المشروع نطاقها الزمني بالفترة من 1950 إلى 2017، أي إنه أوسع من الفترة المتداولة من 1951 إلى 2014، مع ضرورة التمييز بين تاريخ بدء جمع الأرشيف وتواريخ المواد المحفوظة داخله.

وتكشف هذه الشراكة قيمة العمل الذي يسبق ظهور الوثيقة على الشاشة، إذ يحتاج تحويل القصاصة إلى مصدر يسهل العثور عليه إلى بيانات تعرف بها وتصنيف يربطها بموضوعها، ثم أدوات تقود المستخدم إليها.

وفي أبريل/نيسان 2016، أعلنت مكتبة الإسكندرية احتفالها مع “سيداج” بإتاحة 500 ألف مقال صحفي على الإنترنت، وهي محطة توثق حجمًا سابقًا للمشروع، مقارنة بالحصيلة الأكبر التي يعلنها موقعه حاليًا.

تاريخ المجتمع في أخباره اليومية

تتضح سعة الأرشيف في أبوابه الموضوعية التي تشمل الزراعة والصناعة والاقتصاد والتعليم والصحة والمرأة والعمل والتوظيف والثقافة، إلى جانب السياسة الداخلية والخارجية، وهي مجالات تتيح الاقتراب من تاريخ المجتمع عبر اهتماماته اليومية ومشكلاته المتراكمة.

بالنسبة إلى صحفي يعمل على ملف التعليم، يمكن لهذه المواد أن تساعده في تتبع كيف عُرضت المشكلة في فترات مختلفة، وما الحلول التي اقترحها المسؤولون والكتّاب، وبالنسبة إلى باحث في قضايا العمل، قد تفتح القصاصات طريقًا إلى أسماء ووقائع وأسئلة تحتاج إلى استكمال من مصادر أخرى.

أما صانع الفيلم الوثائقي، فيستطيع التعامل معها بوصفها مادة للبحث في خطاب المرحلة، تساعده على تحديد ما كان منشورًا وقت الحدث، وتمييزه عما أضيف إليه لاحقًا في الشهادات والذكريات.

وتتيح واجهة المشروع مداخل للتصفح بحسب الكاتب والصحيفة والموضوع والزمن، بما يساعد على بناء مسارات متعددة داخل المجموعة، من تتبع كتابة شخص واحد إلى مقارنة معالجة موضوع عبر أكثر من مطبوعة.

قيمة الأرشيف وحدود قراءته

وتظل القراءة الدقيقة جزءًا من الاستفادة من هذا الكنز، فالمشروع يعرّف نفسه باعتباره مجموعة قصاصات ومقالات، ولا يعني حجمه أنه يضم جميع أعداد الصحف أو يقدم تغطية متصلة ومتساوية لكل سنواته.

كذلك فإن العثور على خبر قديم يثبت أن الصحيفة نشرته، لكنه لا يكفي وحده لإثبات صحة كل ما ورد فيه، وتبقى مراجعة المصدر والسياق والمقارنة بوثائق أخرى ضرورية، خصوصًا عند تناول الوقائع المتنازع عليها.

من هنا يستمد جهد مكتبة الإسكندرية و”سيداج” قيمته المستحقة للتقدير، فقد أتاحا مادة يمكن الرجوع إليها وفحصها وإعادة قراءتها، ووضعا بين يدي الصحفي والباحث فرصة لبناء قصة جديدة على أثر موثق، بدل الاكتفاء بذاكرة شفوية أو اقتباس متداول فقد مصدره.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي