من وارسو إلى دبي وتل أبيب: من يقف وراء منصة «الصوت الجديد للشرق الأوسط»؟

من وارسو إلى دبي وتل أبيب: قراءة في خلفيات منصة «الصوت الجديد للشرق الأوسط»

في الساعة 12:45 من ظهيرة 24 أكتوبر 2025 بتوقيت غرينتش، دفع حساب « ميدل إيست 24 » (Middle East 24 – ME24) على منصة «إكس» خبراً مثيراً إلى جمهوره: الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والإمارات و16 دولة أخرى «في المراحل النهائية» من اتفاق يمنح أرض الصومال اعترافاً رسمياً. نسب الحساب الخبر إلى «مصادر إعلامية أفريقية» قال إنها أبلغته به.

غير أن تتبّع أصل القصة، كما وثّقه مارك أوين جونز، الأستاذ المتخصص في دراسات التضليل الرقمي في جامعة نورث وسترن في قطر، قاد إلى مصدر من طراز آخر: حساب ينتحل صفة عضو في الكونغرس الأميركي لا وجود له أصلاً، تسنده صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي. لا نائب بهذا الاسم في الكونغرس، ولا صدر عن أيٍّ من العواصم العشرين ما يسند الرواية — لكن الخبر كان قد أتمّ دورته الكاملة: من حساب مزيف، إلى «مصادر أفريقية» بلا اسم، إلى منصة تقدّم نفسها للعالم بوصفها «الصوت الجديد للشرق الأوسط».

من يتكلم، إذن، حين يتكلم هذا «الصوت الجديد»؟ ومن يملكه، ومن يموّله، وماذا يريد من العالم العربي تحديداً؟ تلك أسئلة هذا التقرير.

تستند هذه القراءة إلى ما وثّقته تحقيقات صحفية أوروبية وأميركية — أبرزها تحقيق أعدّه إيفان لاسلو ناج لمجلة «فيزغراد إنسايت» وأعادت نشره «مراجعة كولومبيا للصحافة»، وتحقيق موسّع لمنصة الصحافة الاستقصائية «في سكوير» — إضافة إلى قراءة مباشرة لبيانات الحساب ومنشوراته. وتنتهي إلى إجابة من ثلاث طبقات: فالمنصة وليدة شبكة «فيزغراد 24» البولندية ذات السجل الموثق في التضليل؛ وقيادتها المعلنة تجمع ناشطاً إسرائيلياً–أميركياً في مشروع التطبيع الإسرائيلي–الخليجي إلى صحفي باكستاني فُصل من تلفزيون بلاده الرسمي بسبب زيارته إسرائيل؛ وخطها التحريري تجاه القضايا العربية يتقاطع بانتظام مع أولويات المحور الإسرائيلي–الخليجي: عداءً لإيران، وهجوماً على قطر و«الجزيرة»، وترويجاً للتطبيع، واشتباكاً انتقائياً بملفات السودان والقرن الأفريقي.

بطاقة الحساب: الأرقام قبل الرواية

أُنشئ الحساب في مايو 2025، وظل نحو أربعة أشهر في طور التحضير قبل أن تُطلق المنصة رسمياً في الأسبوع الأول من سبتمبر 2025، بحسب تحقيق «فيزغراد إنسايت». وفي 30 سبتمبر 2025 كان قد تجاوز 19,000 متابع؛ وبحلول 19 يوليو 2026 بلغ نحو 59,000 متابع — أي أكثر من ثلاثة أمثال ما كان عليه قبل نحو عشرة أشهر. وفي المدة نفسها راكم الحساب نحو 26,000 منشور، بمعدل يقارب 60 منشوراً في اليوم وسطياً منذ إنشائه — وهو إيقاع لا تنتجه غرفة أخبار تقليدية، بل ماكينة تجميع وإعادة صياغة تعمل بلا توقف. وفي المقابل لا يتابع الحساب سوى 37 حساباً: نموذج بثٍّ صرف، يتكلم ولا يُصغي.

وتكتمل البطاقة بسطر التعريف الذي يختصر القصة أكثر مما قد يرغب أصحابها: «الصوت الجديد للشرق الأوسط — نجمع الأخبار والسياسة والاتجاهات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونُنسّقها. بالشراكة مع فيزغراد 24». الإحالة إلى «فيزغراد 24» ليست استنتاج محققين؛ إنها معلنة في واجهة الحساب نفسها. احتفظ بهذه المعلومة؛ فستتضح دلالتها بعد قليل.

اختبار الهوية: ما تقوله المنصة عن نفسها

تقدّم المنصة نفسها، عبر موقع «ميدإيست جورنال» الذي يحيل إليه الحساب، بوصفها عمل «فريق متفانٍ من المتطوعين»، وتقول صفحتها التعريفية إن هوية أعضاء هيئة التحرير تُحفظ سرّيةً عمداً، وإن خبرتهم المجتمعة تبلغ 50 عاماً في التغطية الإخبارية، وإن المنصة «مملوكة ملكية مستقلة ولا تجمع أموالاً من أي جهة خارجية». وتذهب صفحة التبرعات أبعد من ذلك في تعريف المهمة: «لا إرثَ إعلام تقليدي. لا أجندات مانحين. لا اعتذارات. فقط الحقيقة والوضوح، ومهمةُ إعادة تشكيل الطريقة التي يرى بها العالم الشرقَ الأوسط — قبل فوات الأوان».

حين تستنسخ «فيزغراد 24» نفسها شرق أوسطياً

لفهم الوليد لا بد من فهم الأم. تأسس حساب «فيزغراد 24» (Visegrád 24) في يناير 2020 مجهولَ الهوية، قبل أن تكشف منصة الصحافة الاستقصائية البولندية «أوكو برس» عام 2022 هويةَ القائمين عليه، وفي مقدمتهم ستيفان تومبسون، خبير العلاقات العامة البريطاني–البولندي من أصول جنوب أفريقية، الذي لم يقرّ علناً بدوره إلا في مارس 2024، وآدم ستارجينسكي الآتي من الإعلام اليميني البولندي. صعد الحساب صعوداً صاروخياً مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم وجد في حرب غزة بعد 7 أكتوبر 2023 وقوداً جديداً، حتى صار يعرّف نفسه بأنه «الحساب الأكثر تأثيراً في العداء لحماس»، بجمهور بلغ 1.4 مليون متابع على «إكس» وسبعة مليارات انطباع سنوي بحسب أرقامه المعلنة ذاتياً.

غير أن هذا الصعود حمل معه سجلاً موثقاً من الأخبار الزائفة والمضللة: من قصة تبرع ليوناردو دي كابريو المختلقة لأوكرانيا، إلى مقاطع مصورة منسوبة إلى غير سياقها في تغطية الحربين الأوكرانية والغزّية، وهو ما دفع تحقيقات بولندية وأوروبية إلى وصف الحساب بأنه «مركز دعاية وتضليل». أما التمويل، فقد وثّقت التقارير الاستقصائية منحتين على الأقل من المال العام البولندي عام 2022: منحة بقيمة 1.4 مليون زلوتي (نحو 300 ألف يورو) من مكتب رئيس الوزراء البولندي لمؤسسة «أكشن لايف» عن مشروع يحمل اسم «فيزغراد 24» بذريعة مواجهة التضليل الروسي، ومنحة أخرى بنحو 110 آلاف زلوتي (نحو 24 ألف يورو) لحملة «أصدقاء بولندا» قدّمت فواتيرها شركة إنتاج يملكها تومبسون وشقيقه. وفي المقابل، نفى تومبسون في حديث إلى «جويش إنسايدر» في يناير 2024 تلقّي الحساب تمويلاً حكومياً، وقال إن طلب منحة تقدّم به قد رُفض — نفيٌ يقابله ما نشرته التحقيقات من وثائق، والحكم بينهما متروك للقارئ مع ثبات الوقائع المنشورة.

في سبتمبر 2025، قررت هذه الشبكة أن تستنسخ نفسها شرق أوسطياً. ولم تُخفِ النية: صفحة التبرعات الخاصة بـ«ميدل إيست 24» تقول حرفياً إن المنصة الجديدة «ستستخدم الاستراتيجية المجرَّبة نفسها» التي صنعت صعود «فيزغراد 24». قلّما قدّم مشروع إعلامي وصفاً لنفسه أدقّ من هذا — ومن هنا تُقرأ الأرقام في الشكل الآتي: الوليد ما يزال قزماً قياساً إلى الأم، لكنه يعمل بالوصفة ذاتها التي حوّلت الأم من حساب مجهول إلى قوة تأطير عالمية في أقل من أربع سنوات.

اختبار البنية: من بنسلفانيا إلى دبي

خلف الواجهتين معاً بنية قانونية واحدة: مؤسسة «إنترماريوم»، منظمة غير ربحية معفاة ضريبياً مسجلة في ولاية بنسلفانيا الأميركية منذ عام 2022، تدير المنصتين، بإيرادات سنوية معلنة تقل عن 50 ألف دولار — رقم يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب، إذ لا يفسّر وحده كلفة تشغيل شبكة بهذا الاتساع والإيقاع. ومن مؤسسيها، إلى جانب تومبسون، دومينيك أندجيتشوك، رأسمالي مغامر بولندي–أميركي أدار المؤسسة بين فبراير 2023 وفبراير 2025، ثم قدّم في يوليو 2025 أوراقاً رسمية بصفته رئيساً تنفيذياً وأمين صندوق، بحسب تحقيق «في سكوير».

أما الرأس التحريري فيقود المشروعَ دان فيفرمان، كاتب وباحث إسرائيلي–أميركي خدم ضابطاً في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ويحمل رتبة ضابط احتياط فيها، بحسب سيرته المعلنة، ويشغل في الوقت نفسه موقع الرئيس المشارك لمنظمة «شراكة» (Sharaka)، المنظمة التي أُسست في ديسمبر 2020 غداة «اتفاقات أبراهام» لتعزيز العلاقات الإسرائيلية–الخليجية، ولها فروع عاملة في إسرائيل والبحرين والإمارات.

وقد امتنع فيفرمان عن التعليق حين وجّه إليه معدّ تحقيق «فيزغراد إنسايت» أسئلته. وفي المجلس الاستشاري يجلس أحمد قريشي، الصحفي الباكستاني الذي فصله تلفزيون بلاده الرسمي في نهاية مايو 2022 بعد مشاركته في وفد نظمته «شراكة» نفسها إلى إسرائيل. ولم يُخفِ قريشي طبيعة المشروع حين سُئل عن غياب الأسماء: «كثيرون منا منشغلون بأعمال أخرى»، قال، مضيفاً عبارة تصلح خلاصةً للتقرير كله: «نحن نتطوع بجهدنا للمساعدة في صياغة الأخبار على نحو يخدم مصلحتنا» — وأن الفريق الآخذ في التوسع «مقيم في معظمه في دبي».

وأما «غرفة الأخبار» فلا وجود لها بالمعنى المتعارف عليه: لا أسماء محررين معلنة، ومقالات الموقع — نحو 10 مقالات يومياً — تصدر بتوقيع تقني واحد لا يحيل إلى إنسان.

اختبار المحتوى: خمس جبهات عربية

يبقى الاختبار الأصدق: ماذا تنشر المنصة فعلاً عن العالم العربي؟ قراءة منشورات الحساب على مدى عشرة أشهر تكشف خريطة أولويات ثابتة تنتظم في خمس جبهات.

الجبهة الأولى إيران، وهي العدو المركزي في سردية المنصة: من عناوين من قبيل «هذا هو الثمن الذي يدفعه العالم اليوم لاسترضاء إيران»، إلى تحقيقات موقعها عن «حملة الخليج عالية المخاطر ضد شبكات الرادار البشري الإيرانية» — تأطير يتطابق مع سردية أمنية إسرائيلية–خليجية ترى المنطقة ساحة مواجهة مع طهران قبل أي شيء آخر.

والجبهة الثانية قطر وشبكة «الجزيرة» والتلفزيون العربي، والصحفيين العاملين في قطر، حيث تعاملهم المنصة خصماً تحريرياً معلناً: توصّف «الجزيرة» بأنها «بروباغندا»، وتحتفي بكل مادة عن «النفوذ القطري» في الإعلام والجامعات الغربية.

والجبهة الثالثة مصر وجماعة الإخوان المسلمين؛ ومن نماذجها منشور في فبراير 2026 ينسب إلى «قادة في الجماعة» اتهام أحزاب مصرية بتلقي تمويل أجنبي لإنتاج دراما تلفزيونية — خبر بلا مصدر مسمى ولا إمكانية تحقق، يستثمر عداءً قائماً بين القاهرة والجماعة.

والجبهة الرابعة السودان والقرن الأفريقي، وهنا يظهر الانتقاء في أوضح صوره: عناوين من قبيل «حليف في الناتو يسلّح المجلس العسكري في السودان والغرب يغضّ الطرف» و«فضيحة المساعدات الأميركية في السودان: 850 مليون دولار واقتصاد الحرب» تصوّب على بورتسودان وحلفائها، فيما تغيب المساءلة المقابلة لأطراف الحرب الأخرى وداعميها الإقليميين.

وتتفرع من الجبهة نفسها حملة أرض الصومال التي افتُتح بها هذا التقرير: فبعد خبر «الدول العشرين» المبني على حساب مزيف في أكتوبر 2025، واصل الحساب السلسلة بمنشور في نوفمبر 2025 عن إسرائيل «المستعدة لإعادة الاعتراف»، وآخر في ديسمبر 2025 عن جنوب السودان «على وشك» الاعتراف، إلى مقالات رأي دفاعاً عن سمعة أرض الصومال — تكرارٌ يوحي بحملة ترويج لا بتغطية. أما الجبهة الخامسة فهي التطبيع بوصفه الأفق الجامع: إذ يظهر فيفرمان على قناة «الحرة» بصفته مؤسساً مشاركاً للمنصة، معلقاً على محادثات سورية–إسرائيلية محتملة، فتتحول المنصة من ناقل للخبر إلى فاعل فيه.

هذه الجبهات الخمس ليست تغطية محايدة صادف أنها تُغضب طرفاً دون آخر؛ إنها خريطة أولويات متسقة تتطابق مع أجندة المحور الذي ينتمي إليه القائمون على المنصة بنيةً وأشخاصاً. ويزيد الالتباسَ التباسُ التسمية: فقد لاحظ جونز أن الهوية البصرية للمنصة تحاكي «ميدل إيست آي» (Middle East Eye)، الموقع البريطاني المعروف بخطه الناقد لإسرائيل، فيما يستعير الاسم لاحقة «24» من عائلة «فرانس 24» و«فيزغراد 24» — التباس يخدم منصةً وظيفتُها إعادة التأطير أكثر مما يخدم قارئاً يبحث عن مصدر خبره.

صوت أم صدى؟

في سبتمبر 2025 وعدت المنصة جمهورها بـ«إعادة تشكيل الطريقة التي يرى بها العالم الشرق الأوسط». بعد أقل من عام، تبدو الجملة دقيقة في كل شيء إلا فاعلها المضمر: فالذي يعيد التشكيل ليس «صوتاً جديداً» نبت من المنطقة، بل شبكة اكتملت أضلاعها بين وارسو وبنسلفانيا وتل أبيب ودبي، وجرّبت وصفتها أولاً في أوكرانيا وغزة قبل أن تديرها نحو الخليج والسودان والقرن الأفريقي. وحين يكون «الصوت الجديد للشرق الأوسط» مسجلاً في بنسلفانيا، ومداراً من وارسو، وموجهاً من تل أبيب ودبي، فإن السؤال الذي يبقى للقارئ العربي ليس ما إذا كان الصوت جديداً حقاً — بل ما إذا كان صوتاً أصلاً، أم صدى.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي