هل تحمي التشريعات اليمنية الصحافة أم تقيّدها؟

قال-التشريعات-والصحافة-في-اليمن

Author

  • محمد سلطان الأديمي

    صحفي يمني، تخرّج في الصحافة والإعلام من جامعة العلوم الحديثة بصنعاء. يكتب لعدد من المواقع المحلية والعربية، وعمل في التوثيق الإعلامي لمشاريع إنسانية مع منظمات دولية. يهتم بالصحافة الإنسانية والاستقصائية.

لا تُقاس حرية الصحافة بعدد القوانين التي تتحدث عنها، بل بقدرة الصحفي على ممارسة عمله دون خوف، وبمدى التزام المؤسسات بتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية. وفي اليمن، تبدو المسافة بين النص القانوني والواقع العملي واسعة، خصوصًا في ظل الحرب والانقسام السياسي وتعدد السلطات وتراجع المؤسسات الرقابية والقضائية.

من وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في وجود قوانين تنظم العمل الصحفي فحسب، وإنما في كيفية تطبيقها، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية سمعة الأفراد وصون حق المجتمع في المعرفة. فالقانون الذي لا يحمي الصحفي من التعسف، ولا يحمي المواطن من التشهير، يفقد جزءًا مهمًا من وظيفته الأساسية.

ينظم قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990 جانبًا من العمل الصحفي في اليمن، إلى جانب قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 والتشريعات الأخرى ذات الصلة. لكن المشهد الإعلامي تغير كثيرًا منذ صدور هذه القوانين؛ إذ لم تعد الصحافة محصورة في الصحف المطبوعة، بل أصبحت المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي تنقل الأخبار إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.

وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع التشريعات القائمة مواكبة هذا التحول، وهل يجري تطبيقها بما يضمن حرية الصحافة ويحمي الحقوق في الوقت نفسه؟

لنتصور أن صحفيًا حصل على وثائق تشير إلى وجود فساد في إحدى المؤسسات العامة، وبدأ التحقيق في القضية. في هذه الحالة، من المفترض أن يجد طريقًا واضحًا للتحقق من المعلومات، والحصول على رد الجهة المعنية، ثم نشر ما تدعمه الأدلة. لكن ماذا لو واجه تهديدات بسبب تحقيقه، أو وجد نفسه متهمًا لمجرد أنه فتح ملفًا يحرج مسؤولًا نافذًا؟

في المقابل، ماذا لو نشر موقع إخباري اتهامات بحق شخص دون وثائق أو أدلة كافية، وألحق ذلك ضررًا بسمعته؟ هنا أيضًا يجب ألا تتحول حرية الصحافة إلى مبرر للإساءة إلى الآخرين. فالصحفي مسؤول عن التحقق من معلوماته، والمتضرر له الحق في اللجوء إلى الوسائل القانونية المتاحة.

هذا المثال يوضح أن القضية ليست صراعًا بين الصحفي والقانون، بل بين تطبيق يحمي الحقوق وتطبيق قد يُساء استخدامه. فالنقد المبني على معلومات موثوقة يختلف عن اختلاق الاتهامات، والخطأ الصحفي الذي يُصحح يختلف عن نشر معلومات مضللة مع العلم بعدم صحتها.

وتزداد الإشكالية تعقيدًا في ظل الحرب اليمنية. فقد أصبح الصحفي يعمل في بيئة تتعدد فيها الجهات المسيطرة، وتختلف فيها ممارسات التعامل مع الإعلام، بينما تتراجع قدرة المؤسسات على توفير الحماية القانونية بصورة متكافئة. وقد يواجه الصحفي مخاطر بسبب تقرير عن انتهاك أو قضية فساد، في حين يستطيع آخر استخدام المنبر الإعلامي لتصفية حسابات سياسية أو شخصية.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن ينص القانون على الحقوق والحريات؛ بل يجب أن تكون هناك ضمانات عملية تمنع التهديد والاحتجاز التعسفي، وتكفل حق الدفاع والمحاكمة العادلة، وتضمن ألا تتحول الإجراءات القانونية إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة. كما ينبغي أن يخضع الجميع للقانون، بصرف النظر عن مواقعهم أو نفوذهم.

أما في العالم الرقمي، فقد أصبحت المسؤولية أكثر تعقيدًا. فصورة مفبركة أو تسجيل صوتي مولّد بالذكاء الاصطناعي قد ينتشر على نطاق واسع قبل أن تتاح فرصة التحقق منه. وإذا نشر موقع إخباري هذه المادة باعتبارها حقيقة، فقد يسيء إلى شخص أو يضلل الرأي العام. لذلك، فإن سرعة النشر لا ينبغي أن تتقدم على دقة المعلومة، وعلى المؤسسات الإعلامية التحقق من المواد الرقمية قبل اعتمادها.

أعتقد أن إصلاح هذا الواقع يبدأ بمراجعة التشريعات الإعلامية وتحديثها بما يواكب الصحافة الإلكترونية، مع وضع قواعد واضحة للمسؤولية عن المحتوى الرقمي، وتعزيز حق الرد والتصحيح، وضمان التناسب بين المخالفة والعقوبة. كما أن تدريب الصحفيين على التحقق من المعلومات وأخلاقيات المهنة لا يقل أهمية عن تطوير القانون نفسه.

خلاصة القول، إن اليمن لا يحتاج إلى قوانين تُكتب على الورق فحسب، بل إلى عدالة تُمارس على أرض الواقع. فحرية الصحافة ليست امتيازًا يُمنح للصحفي متى رضي عنه صاحب النفوذ، وليست حصانة تسمح له بالتشهير بالآخرين؛ إنها حق عام تقابله مسؤولية مهنية وقانونية.

وعندما يستطيع الصحفي كشف الفساد دون خوف، ويستطيع المواطن حماية سمعته دون أن تُصادر حرية التعبير، عندها فقط يمكن القول إن القانون يؤدي وظيفته الحقيقية. أما بقاء النصوص دون تطبيق عادل، فسيظل الفارق بين ما تقوله القوانين وما يعيشه الناس أكبر من أن تخفيه أي مادة تشريعية.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي