شيفلد الوثائقي ينطلق في دورته الثالثة والثلاثين تحت عنوان «واقع في حركة» وأصوات عربية تتقدّم المشهد

انطلقت الأربعاء في مدينة شيفلد شمالي إنجلترا الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان شيفلد الدولي للأفلام الوثائقية، أبرز محطة وثائقية في المملكة المتحدة وأحد أكبر أسواق المشاريع الوثائقية في العالم

Author

انطلقت الأربعاء في مدينة شيفلد شمالي إنجلترا الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان شيفلد الدولي للأفلام الوثائقية، أبرز محطة وثائقية في المملكة المتحدة وأحد أكبر أسواق المشاريع الوثائقية في العالم، لتتواصل فعالياتها ستة أيام حتى الخامس عشر من يونيو تحت عنوان «واقع في حركة». ويقدّم المهرجان هذا العام أكثر من مئتي عرض، بينها خمسة وأربعون عرضاً عالمياً أول، لأفلام من أربع وستين دولة.

وافتتح الدورة العرض العالمي الأول لفيلم «نحن المكروهون» للمخرج البريطاني ريتش فيلغيت، الذي يلاحق حركة الاحتجاج المناخي «أوقفوا النفط الآن» التي قسمت الرأي العام البريطاني في السنوات الأخيرة. ويسأل الفيلم عن الثمن الذي يدفعه من يتخذ موقفاً في مجتمع يصف نفسه بالديمقراطي، في وقت تشتدّ فيه قيود الحكومات على حق الاحتجاج. وهو اختيار ينسجم مع ما يصفه المدير الفني للمهرجان

حضور عربي لافت في البرنامج والسوق

يتقدّم الحضور العربي هذا العام بثقل ملحوظ، تتصدّره القضية الفلسطينية في أكثر من موقع داخل المهرجان. فإلى جانب العروض العامة، يحتفظ معهد الفيلم الفلسطيني بواجهة خاصة ضمن السوق تُقام في الثالث عشر من يونيو، يقدّم فيها أربعة أفلام وثائقية طويلة قيد الإنجاز أمام صنّاع القرار والمبرمجين والشركاء المحتملين، بالتعاون مع المهرجان ودعم من المجلس الثقافي البريطاني. ومن بين هذه المشاريع «ألوان صابر المختلفة» للمخرجة صفاء خطيب، و«القصة التي كسرناها» التي تتابع صحافية فلسطينية في جامعة كولومبيا تتنازعها معادلة الموضوعية والهوية، و«تفريغ غزة» الذي ينبش أرشيفاً مصوّراً منسياً من أربعينيات غزة.

ولا يقف الحضور الفلسطيني عند المشاريع قيد الإنجاز، إذ يضم البرنامج الرسمي أفلاماً مكتملة تنتظر طريقها إلى الشاشات، في مقدّمتها العرض العالمي الأول لفيلم «دعم الحياة» للمخرج دانييلي روغو، وهو إنتاج بريطاني فلسطيني قطري مشترك يوثّق مجموعة من الأطباء الدوليين يخترقون الحصار المفروض على غزة، ويُعرض ضمن منافسة جائزة تيم هيذرنغتون المخصّصة لصحافة الميدان والنزاع، على أن ينزل الصالات في العاشر من يوليو المقبل. ويرافقه فيلمان آخران هما «طبيب أميركي» و«مشاهد من الذاكرة»، يتناولان من زوايا مختلفة المأساة الإنسانية وامتداداتها.

ولا تغيب سوريا والسودان عن المشهد. فالمخرجة السورية وعد الخطيب، صاحبة «من أجل سما» المرشّح لجائزة الأوسكار، تقدّم عرضها العالمي الأول لفيلمها الأحدث «أغداً ألقاك» بالاشتراك مع وفاء مصطفى، في إنتاج بريطاني سوري ألماني. أما في سوق ميت ماركت، الذي يجمع خمسين مشروعاً مختاراً من أصل ستمئة وثمانية وثلاثين طلباً تمثّل اثنتين وأربعين دولة، فتبرز مشاريع عربية عدة من بينها «مدينة بلا أبواب» بإنتاج سوري قطري بلجيكي مشترك، و«شباب، صيف في غزة»، و«العين المقدسة» بإنتاج سوداني مصري كندي، إلى جانب مشروع «أن نجعل الأشياء تنمو» للمخرجة ياسمين فضّة. كما يحضر ملف الحرب السودانية عبر مشروع «السودان، الحرب الخفية».

تأسّس مهرجان شيفلد الوثائقي عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين، ورسّخ على مدى أكثر من ثلاثة عقود موقعه باعتباره أحد أهم المنصات العالمية للفيلم غير الروائي، يجمع بين كونه عرساً جماهيرياً وسوقاً صناعية تستقطب كل يونيو مئات المخرجين والمنتجين وجهات التمويل والبثّ من مختلف أنحاء العالم. ويتجاوز المهرجان في برمجته حدود الفيلم التقليدي ليشمل التلفزيون والبودكاست والوسائط الغامرة والواقع الافتراضي والفنون، انطلاقاً من قيم يعلنها أصحابه صراحة: الإبداع والتعاطف والحرية والشمول والنزعة الأممية.

ويشكّل سوق ميت ماركت، الذي يحتفل هذا العام بعقده الثاني، أحد أعمدة المهرجان الصناعية، إذ ربط على مدى عشرين عاماً آلاف العلاقات التمويلية وأسهم في إطلاق مسارات أفلام بلغت لاحقاً مهرجانات كان وصندانس ونالت ترشيحات للأوسكار والإيمي. وتُدرج فيه قنوات وجهات بثّ كبرى بوصفها صانعة قرار، من بينها بي بي سي ستوريفيل، وآرتي، ودويتشه فيله، ونتفليكس، وقناة الجزيرة الوثائقية.

وتزخر الدورة الحالية بأسماء وازنة في برنامجها العام، من ميريام مارغوليس وكريس باكهام ومكسين بيك ضيفة الشرف، إلى أندريا أرنولد، فضلاً عن احتفال خاص بالذكرى المئوية لميلاد المخرج والمستكشف السير ديفيد أتينبارا. وبين ثيمات النشاط والمقاومة والمناخ والذاكرة التاريخية والذكاء الاصطناعي وحرية الصحافة، يقدّم شيفلد نفسه هذا العام بوصفه مرآة لعالم لا يكفّ عن التحوّل، يختبر فيه الفيلم الوثائقي قدرته على مساءلة الواقع لا على توثيقه فحسب.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي