تتجه الأنظار اليوم الثلاثاء، السادس عشر من يونيو، إلى مسرح نقابة الصحفيين المصرية، حيث تقيم النقابة برئاسة خالد البلشي احتفالية «يوم الصحفي المصري» تحت شعار «ثلاثون عامًا على الانتصار في معركة الحرية»، تكريمًا لمجلس النقابة عام ١٩٩٥ الذي قاد المواجهة التاريخية ضد القانون رقم ٩٣ لسنة ١٩٩٥، الذي أطلق عليه الصحفيون وقتها اسم «قانون حماية الفساد». غير أن ما كان يُفترض أن يكون مناسبة جامعة لاستعادة واحدة من أنصع لحظات الجماعة الصحفية، تحوّل في الأيام الأخيرة إلى ساحة سجال حاد، عنوانه الأبرز اسمٌ واحد ضمن قائمة المكرَّمين: صلاح عبدالمقصود، وزير الإعلام في عهد جماعة الإخوان.
تقيم النقابة احتفاليتها اليوم الثلاثاء على مسرحها، إحياءً لذكرى انعقاد الجمعية العمومية في العاشر من يونيو ١٩٩٥، التي استمرت في حالة انعقاد عامًا كاملًا حتى أُلغي القانون المقيِّد وصدر بديله رقم ٩٦ لسنة ١٩٩٦. وتضم قائمة المكرَّمين أعضاء المجلس آنذاك، وعلى رأسهم النقيب الراحل إبراهيم نافع، إلى جانب جلال عيسى ومحمد عبدالقدوس وعلي هاشم ومجدي مهنا وأمينة شفيق وإبراهيم حجازي وحاتم زكريا وحسن الرشيدي ورجائي الميرغني وعبدالعزيز خاطر ويحيى قلاش، فضلًا عن صلاح عبدالمقصود. ويصف البلشي يوم العاشر من يونيو بأنه من أبرز محطات نضال الصحافة المصرية، معتبرًا أن المعركة لم تكن دفاعًا عن امتيازات فئوية، بل عن حق المجتمع كله في المعرفة.
الحملة وزاوية الهجوم
شنّ محمد الباز، رئيس تحرير ومجلس إدارة جريدة «الدستور» والمقرب من الأجهزة الأمنية، هجومًا مباشرًا على القرار عبر صفحته، واصفًا التكريم بأنه «ليس خطأً، بل خطيئة كاملة لا يمكن أن تُغفر». وذهب الباز إلى أن صلاح عبدالمقصود «ليس مجرد عضو في جماعة إرهابية، بل عنصر فاعل الآن في حرب قذرة تقودها الجماعة من الخارج ضد مصر»، معتبرًا أن أعضاء مجلس النقابة حين كرّموه لم يمثّلوا أنفسهم، بل مثّلوا جمعية عمومية ينظر إليه قطاع منها باعتباره رمزًا لمرحلة سوداء في تاريخ الإعلام المصري. وتساءل عمّا إذا كان من المعقول أن «يدوس مجلس النقابة على دماء الشهداء بالأحذية»، في إشارة إلى شهداء المهنة الذين سقطوا في مواجهة الجماعة، مطالبًا باعتذار من المجلس.
لا تُقرأ هذه الأزمة بمعزل عن هوية مَن يقودها. فالباز وعبدالرحيم علي، رئيس مجلس إدارة جريدة «البوابة نيوز»، يُحسبان في الإدراك العام على المحور الإعلامي بأنهما مقربين من الأجهزة الأمنية، خصوصًا في ذروة بثّه تسريبات صوتية لمعارضين عبر برنامجه «الصندوق الأسود». في المقابل، يُنظر إلى مجلس النقابة الحالي برئاسة البلشي باعتباره مجلسًا مستقلًا خاض معارك متصلة دفاعًا عن حقوق الصحفيين والمحبوسين منهم، ولم ينصع للسلطة أو لإرادة الأجهزة. وبهذا تكتسب المعركة بعدًا يتجاوز شخص المكرَّم، لتبدو في أحد وجوهها اشتباكًا بين خطّين متمايزين في تعريف دور النقابة وحدود استقلالها.
ويتقاطع هذا مع خصومة قائمة بالفعل وأكثر مباشرة: فعضوا مجلس النقابة الحاليان محمود كامل وإيمان عوف يواجهان منذ مطلع العام محاكمة أمام محكمة جنح قصر النيل في القضية رقم ١٠٨٤ لسنة ٢٠٢٦، على خلفية بلاغ تقدّم به عبدالرحيم علي يتهمهما فيه بالقذف إلى جانب تسعة من صحفيي «البوابة»، عقب تضامن المجلس مع اعتصام الصحفيين احتجاجًا على تصفية الجريدة والامتناع عن صرف رواتبهم منذ نوفمبر ٢٠٢٥.
رد محمود كامل: «التاريخ لا يُطهَّر وفق الأهواء»
ردّ عضو مجلس النقابة محمود كامل على الباز ردًّا لاذعًا حمل عنوان «لا من دينك ولا من ديني.. الباز هو اللي هيهديني»، مستهلًّا بالتشكيك في فهم خصمه لنص الخبر ذاته. وأوضح كامل أن إعلان النقابة ينصّ صراحةً على أن «تكريم مجلس نقابة الصحفيين عام ١٩٩٥ الذي يضم كل من…»، أي أن التكريم موجَّه إلى المجلس كهيئة، لا إلى أشخاص بأعيانهم، وأن ذكر أن المجلس ضمّ فلانًا هو سرد تاريخي لا شهادة حُسن سير وسلوك.
واعتبر كامل أن الأخطر في خطاب الباز دعوته الصريحة إلى ما سمّاه «تطهير التاريخ»، مؤكدًا أن التاريخ «لا يُطهَّر ولا يُنجَّس وفق الأهواء السياسية، بل يُروى كما حدث». أما استدعاء دماء الشهداء، فرأى كامل أنها «أكبر من أن تتحول إلى أداة للمزايدة، وأطهر من أن تُستخدم ستارًا لإخفاء التدليس».
رد إيمان عوف: «مهما كان الرداء السياسي.. فهو عضو منتخب»
من جهتها، كتبت عضو المجلس إيمان عوف ردًّا عنونته «رسالة للمشطوب وبهاليله»، في إشارة إلى شطب عبدالرحيم علي من جداول النقابة سابقًا. وأكدت عوف أن صلاح عبدالمقصود عضو مجلس منتخب لأكثر من ثلاث مرات، وبالتالي هو اختيار جزء من الجمعية العمومية، وكان عضوًا في مجلس خاض معركة القانون ٩٦، «وبالتالي لا يجوز أبدًا إبعاده عن هذا التاريخ، مثلما لا يُمحى اسم محمد مرسي حين يكتب التاريخ رؤساء مصر بعد ثورة يناير مهما كان الخلاف معه».
ووجّهت عوف انتقادًا مباشرًا لمن وصفته بأنه «مشطوب وتاريخه أسود ومهبَّب»، معتبرةً أن تركيزه على هذه المعركة الخاسرة محاولة لتحويل الأنظار، وأن أعضاء المجلس جميعًا أصحاب مواقف واضحة في مواجهة الجماعة وأعضائها، مذكّرةً بأنها كانت تواجه عبدالمقصود في الشارع حين كان وزيرًا للإعلام، في وقت كان فيه خصمها — على حد قولها — منشغلًا بحكايات وروايات عن اغتيالات لم تثبت يومًا.
يحيى قلاش: «تكريم الجمعية العمومية»
ودخل على خط الأزمة النقيب الأسبق والقيادي النقابي التاريخي يحيى قلاش — وهو نفسه أحد شهود معركة ١٩٩٥ وأحد المكرَّمين — بمنشور حمل عنوان «تكريم الجمعية العمومية». ووجّه قلاش التحية لقرار مجلس النقابة أن يكون الاحتفال هذا العام بالتكريم الرمزي لمجلس «معركة الحرية»، مشددًا على أن البطل الحقيقي لتلك المعركة كان الجمعية العمومية بوعيها ووحدتها والتفافها حول المجلس وهدف واحد.
وأشار قلاش إلى أن ذلك المجلس ضمّ زملاء يعكسون التعدد المؤسسي والجيلي والفكري، ولم يتنابزوا بالألقاب «فلا هذا في الحزب الوطني ولا ذاك يميني أو يساري»، وأمام تماسكهم الاستثنائي «تبخّرت أصوات حاولت شقّ الصف وذهبت ريحهم». واختتم قلاش بتحية للأجيال الجديدة من الشباب، محذّرًا مما سمّاه «ألاعيب بعض المتنطعين الذين لا يدركون أن بضاعتهم باتت فاسدة وروائحها تذكم الأنوف».

