كيف تحوّل غرف الأخبار منتجي المقابلات من صانعٍ محتمل للسبق إلى موظف يطارد الأسماء قبل دقائق من الهواء؟

كيف تهمل غرف الأخبار صحفيي المقابلات صانعي السبق الصحفي؟

في خريف عام 2019، جلس الأمير أندرو أمام كاميرا برنامج “نيوزنايت” في هيئة الإذاعة البريطانية، ليجيب عن علاقته بجيفري إبستين، فخرجت من قصر باكنغهام واحدة من أكثر المقابلات إحراجاً في تاريخ العائلة المالكة.

بقي في ذاكرة الجمهور وجه المذيعة إميلي مايتليس، هادئاً وحاداً، في مواجهة إجابات أمير ظنّ أن المقابلة قد تساعده، فإذا بها تزيد أزمته اتساعاً، لكن خلف الكاميرا كانت هناك صحفية أخرى، لا يعرفها معظم المشاهدين، اسمها سام مكاليستر.

أمضت مكاليستر عشر سنوات في “نيوزنايت” تبحث عن الضيوف، وتطرق الأبواب المغلقة، وتتفاوض مع شخصيات لا تريد الظهور أو تريد الظهور بشروطها، وهي التي لعبت الدور الأساسي في إقناع الأمير بإجراء المقابلة.

حين قدّمت نتفليكس فيلم “سكوب” عام 2024، مستندة إلى مذكرات مكاليستر، لم تحكِ قصة الأسئلة التي سمعها الجمهور فقط، بل قصة الأسابيع التي سبقتها، قصة الوصول إلى الرجل الذي ستُطرح عليه هذه الأسئلة أصلاً.

فعل الفيلم شيئاً نادراً في ثقافتنا المهنية: أخرج صحفي المقابلات من ظلمة الكواليس ووضعه في قلب الكادر.

ولو وقعت القصة في غرف أخبار عربية كثيرة، لبقيت سام مكاليستر اسماً مجهولاً في نهاية التتر، إن ظهر اسمها من الأساس.

البطل الذي لا يظهر

سمّه قسم الإعداد، أو الحجز، أو “الإنترفيو ديسك”، فالاسم يختلف من مؤسسة إلى أخرى، لكن الظلم يكاد يكون واحداً.

هذا قسم يعيش طوال يومه خلف هواتف لا تهدأ، ورسائل تبقى معلقة، ووعود قد تتبخر قبل الهواء، ومفاوضات يمكن أن تنهار بسبب كلمة زائدة أو شرط لم ينتبه إليه أحد، ومع ذلك لا يظهر من كل هذا العمل على الشاشة سوى اسم الضيف.

إذا نجحت المقابلة، قيل إن منتج النشرة صنع فقرة قوية، وإن المذيع أدار حواراً لامعاً، وربما قيل إن القناة حققت سبقاً، أما الشخص الذي وجد الضيف وأقنعه واحتفظ به حتى لحظة الهواء، فينسحب بهدوء إلى الظل الذي جاء منه.

لكن إذا اعتذر الضيف، أو أغلق هاتفه، أو قرر في اللحظة الأخيرة ألا يظهر، يتغير اتجاه الضوء فجأة، ويهبط السؤال غاضباً على مكتب المقابلات: أين الضيف؟

هكذا يعمل صحفي المقابلات داخل معادلة شديدة القسوة: نجاحه ملك للنشرة، وفشله ملك له وحده.

“أحضر لي فلاناً”

تبدأ المشكلة عادة بجملة قصيرة تصل من منتج النشرة أو رئيس التحرير: “أحضر لي فلاناً”.

لا معلومات كافية عن الفقرة، ولا شرح لزاويتها، ولا حديث عن السؤال الذي يُراد من الضيف أن يجيب عنه، هناك اسم اختاره شخص آخر، وعلى صحفي المقابلات أن يعثر على رقمه، ويتصل به، ثم يضعه على الهواء.

ليس في طلب اسم محدد خطأ دائماً، فبعض القصص تحتاج إلى مسؤول بعينه، أو شاهد لا يمكن تعويضه، لكن المشكلة تبدأ حين ينتهي التفكير التحريري كله عند الاسم، وحين يصبح صحفي المقابلات مجرد يد تنفذ اختياراً لم يشارك في صنعه.

هناك فرق كبير بين أن تقول له: “أحضر فلاناً”، وأن تسأله: “من أفضل شخص يمكنه أن يشرح هذه القضية؟”.

في الحالة الأولى، أنت تحتاج إلى دفتر أرقام، وفي الثانية تحتاج إلى صحفي يعرف الملف، ويفهم خريطته، ويميّز بين من يملك المعلومة ومن يملك فقط الرغبة في الظهور.

لكن هذا السؤال نادراً ما يُطرح في الوقت المناسب، فكثيراً ما تتذكر النشرة حاجتها إلى ضيف قبل الهواء بدقائق، بعد أن تكون الفقرة قد وُضعت، والعنوان قد كُتب، والمحاور قد استقرت، ثم يُطلب من قسم المقابلات أن يجد شخصاً يناسب كل ذلك على الفور.

عندها لا يعود السؤال: من هو الضيف الأفضل؟

يصبح السؤال ببساطة: من سيرد على الهاتف؟

وهنا يتحول القسم إلى خط إسعاف، ويتحول الصحفي إلى “عامل تحويلة”، ينقل الرغبة من مكتب المنتج إلى هاتف الضيف، من دون أن يملك حق السؤال عمّا إذا كان هذا الضيف مناسباً، أو كان هناك اسم أفضل، أو كانت المقابلة نفسها تحتاج إلى زاوية أخرى.

ضيف بأي ثمن

لكن صورة الصحفي المظلوم لا تعفي قسم المقابلات من مسؤوليته، فالضغط المستمر، والتغطيات المفتوحة، والخوف من ظهور المذيع أمام كرسي فارغ، تدفع بعض الصحفيين إلى البحث عن أي اسم يمكنه ملء الشاشة، وهنا تبدأ التنازلات التي تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تضرب صدقية المقابلة كلها.

قد يتحول صحفي متابع لملف ما إلى “باحث متخصص”، أو يُستدعى أكاديمي للحديث في موضوع بعيد عن مجال دراسته، أو يُضاف لقب “الدكتور” إلى اسم ضيف من دون أن يسأل أحد: دكتور في ماذا، ومن أي جامعة، وهل يحمل هذه الدرجة فعلاً؟

على الشاشة، قد لا تستغرق الصفة سوى ثانيتين أسفل صورة الضيف، لكنها تقول للجمهور: استضفنا هذا الشخص لأنه يعرف، ولهذا لا تكون المبالغة في الصفة مجاملة عابرة، بل تضليلاً للمشاهد، حتى لو لم يقصده أحد.

المطلوب هنا ليس تحقيقاً أمنياً مع كل ضيف، وإنما الحد الأدنى من العمل الصحفي: مراجعة سيرته، والعودة إلى موقع المؤسسة التي يعمل فيها، وفحص تخصصه وأعماله السابقة، والتحقق من مؤهلاته عبر الجامعة أو الجهة التي منحته إياها، بدلاً من نسخ الوصف الذي كتبه عن نفسه على حساباته.

القسم الذي يريد أن يُعامل بوصفه شريكاً تحريرياً، عليه أيضاً أن يتصرف كشريك يتحقق ويسأل ويرفض، لا كوسيط يمرر الأسماء إلى الشاشة.

المقابلة التي لا يحضّرها أحد

المشكلة الأعمق أن المقابلة في غرف أخبار كثيرة تُعامل كأنها طلب منفصل عن بقية النشرة: المنتج يختار الموضوع، والمذيع يعد أسئلته، وقسم المقابلات يحضر الضيف، ثم يلتقي الجميع للمرة الأولى تقريباً على الهواء.

لا يعرف صحفي المقابلات أحياناً ما الذي سيُسأل عنه الضيف، ولا يعرف المذيع ما دار خلال التفاوض، ولا يعرف المنتج إن كان الضيف يملك فعلاً ما يضيفه إلى الفقرة، وكل طرف يؤدي مهمته منفرداً ثم ينتظر أن تصنع الشاشة الانسجام المفقود.

الأصل أن يجلس هؤلاء قبل المقابلة، ولو لدقائق، فصحفي المقابلات ليس مجرد صاحب الرقم، بل هو غالباً أول من تحدث مطولاً مع الضيف، وعرف ما لديه، وما لا يعرفه، وما يتحمس لقوله، وما يحاول الابتعاد عنه.

هذه المعرفة جزء من إعداد المقابلة، وإهدارها يعني أن تبدأ غرفة الأخبار من الصفر لحظة دخول الضيف إلى الاستوديو.

ويشمل التحضير الضيف نفسه أيضاً، لا بتلقينه الإجابات أو تسريب الأسئلة إليه، وإنما بإخباره بطبيعة الفقرة ومدتها وحدود الموضوع، فإذا كان أمامه ثلاث دقائق عرف أنه يحتاج إلى الدخول مباشرة في فكرته، وإذا كان الحوار أطول جاء مستعداً بما يكفي.

ضيف لا يعرف كم سيبقى على الهواء، ومذيع لا يعرف ما يملكه ضيفه، ومنتج لم يناقش الفقرة مع من أحضرها، هذه ليست مقابلة أُعدّت، بل مصادفة تنتظر أن تنجح.

أين يُصنع السبق؟

يعيدنا ذلك إلى “سكوب”، فالمقابلة التي هزّت القصر لم تُصنع حين أضاءت الكاميرا، ولم تبدأ بسؤال إميلي مايتليس الأول.

بدأت قبل ذلك بأسابيع، عندما قرأت سام مكاليستر الطرف الآخر جيداً، وفهمت دوافعه، وبنت الثقة مع محيطه، وظلت تدفع الباب قليلاً في كل مرة حتى فُتح.

هذه هي وظيفة صحفي المقابلات في معناها الحقيقي: ألا ينتظر قائمة الأسماء، بل يشارك في صنعها، وألا يبحث فقط عمّن يقبل الظهور، بل عمّن يستحق أن يظهر، وألا يُستدعى في نهاية دورة الإنتاج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل يدخل في بدايتها ليقترح ويبحث ويتفاوض.

ما دامت غرف الأخبار تنظر إلى قسم المقابلات باعتباره خط طوارئ، سيبقى صانع السبق مجهولاً، وسيظل المنتج يطلب اسماً، والمذيع ينتظر ضيفاً، والصحفي في المنتصف يبدّل الخطوط مثل عامل تحويلة قديم.

والسؤال الحقيقي ليس لماذا لا نصنع مقابلات من وزن مقابلة الأمير أندرو، بل كم مقابلة مهمة أضعناها، لأن الصحفي الذي كان يستطيع الوصول إليها لم نطلب منه أن يفكر، بل طلبنا منه فقط أن يتصل؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي