لم تكن الصحافة العربية، ولا العالمية، لتتوقع حجم الزلزال الذي أعاد رسم ملامحها خلال العقدين الأخيرين. كانت غرف الأخبار التقليدية مكتفيةً بنقل الحدث وتغطيته كما يجري — لحظةً بلحظة — حتى انفتح المشهد منذ تسعينيات القرن الماضي على موجة مغايرة: الصحافة الاستقصائية. تلك التي حوّلت الصحفي من مجرد ناقل للخبر إلى محقق فيه، وأفرزت جيلاً كاملاً من الوحدات والمنصات المكرّسة للكشف عن الفساد والسياسات التي تُدار في الخفاء.
في العالم العربي، كان لمنظمة «أريج» — إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، التي تأسست عام ٢٠٠٥ — وما تبعها من وحدات تحقيق نشأت داخل القنوات الكبرى، دور محوري في إعادة تعريف المهنة من أساسها.
لكن العقد الأخير جاء بما لم تكن الصحافة الاستقصائية مؤهلة لمواجهته وحدها. انفجر حجم المعلومات المتدفقة على منصات التواصل الاجتماعي، وبات كل مستخدم ناشراً محتملاً، وتآكلت حواجز التحقق المسبق التي كانت تنظّم النشر في الإعلام التقليدي وتحكمه. أمام هذا كله، لم يكن ثمة بد من ولادة جيل صحفي جديد، هو جيل التحقق من المعلومات أو ما يُعرف بـ Fact-Checking. لا يبحث هذا الجيل عن الفساد المطمور كما تفعل الصحافة الاستقصائية، بل ينكبّ على ما هو معلن ومتداول أصلاً، يُخضعه لاختبارات الصحة والسياق والمصدر. ثمة فارق جوهري في السؤال الذي يطرحه كل منهما: الصحافة الاستقصائية تسأل «ما الذي يُخفى عنّا؟»، أما التحقق فيسأل: «ما الذي يُقال لنا، وهل هو صحيح؟». ومع توسّع هذا الدور وتمدّده، بات يمكن وصف هذا الجيل بـ«السلطة الخامسة» — امتداداً لما عُرفت به الصحافة التقليدية تاريخياً بوصفها «السلطة الرابعة» — غير أن السلطة الخامسة لا تكتفي بمراقبة الفاعلين السياسيين، بل تمتدّ لتراقب الإعلام ذاته ومنصات التواصل وكلَّ مَن يُنتج خطاباً عاماً، فتُقدّم للجمهور أداةً إضافية للتمييز بين ما يُنشر وما يصحّ تصديقه.
في المنطقة العربية تتقاطع عوامل لا تجتمع في كثير من المناطق الأخرى: استقطاب سياسي حاد، أزمات تتعاقب دون هوادة، جمهور رقمي آخذ في الاتساع، وضعف نسبي في محو الأمية الإعلامية. كل هذا يُعلي من قيمة مشاريع التحقق ويجعلها أكثر إلحاحاً. بيد أنها تواجه في الوقت نفسه تحديات من طراز خاص، بيئات قانونية مقيّدة، وأنظمة سياسية مكتظّة بالحساسيات، فضلاً عن ضغط لا يهدأ لتحقيق سرعة تُقارب سرعة انتشار المعلومات المضللة، دون أن تُفضي هذه السرعة إلى التفريط في صرامة المنهجية. وهو ما باتت الأكاديميا تُسمّيه «اضطراب المعلومات» وفق تصنيف واردل وديراكشان الذي صاغاه عام ٢٠١٧.
يرسم هذا التقرير صورة بانورامية للمشهد في النصف الأول من عام ٢٠٢٦، مستنداً إلى البيانات المعلنة على المنصات الرسمية والدراسات المنشورة، مع إقرار واضح بأنه لا يدّعي الإحاطة الشاملة أو الحصر.
رسم الخريطة
ما يكشفه هذا التقرير يتجاوز الأرقام المجردة: عشرات المبادرات النشطة في مجال التحقق من المعلومات بالعربية، تتباين في أحجامها ومناهجها ونطاق اشتغالها.
دراسة الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) التابعة لأريج، التي أُنجزت بين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥ تحت إشراف جامعة ستيلينبوش وبدعم من مركز أبحاث التنمية الدولية الكندي (IDRC)، تُحصي وحدها ما لا يقل عن ٢٣ مؤسسة ومبادرة عربية متخصصة في تدقيق المعلومات، موزعة على عشر دول: الأردن، والعراق، والمغرب، وتونس، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، وليبيا، ومصر، واليمن. وفي مرحلة من مراحل المسح، شمل العمل الميداني ٧٧ مدققاً ومدققة يمثلون هذه المؤسسات — وهو رقم يكشف أن البنية الفعلية لهذا المشهد أكثر تشعباً وتعقيداً مما تُظهره الواجهات الرسمية.
وفي مسحنا لإنتاج هذا التقرير، رصدنا ما لا يقل عن ٦٢ منصة ومبادرة عربية للتحقق من المعلومات، تتقدمها تونس بست منصات، ثم مصر ولبنان بخمس لكل منهما، يليها الأردن وسوريا وفلسطين وليبيا والعراق واليمن بأربع منصات لكل منها، فالجزائر بثلاث، فالمغرب باثنتين، مع حضور للسودان وللعواصم الإقليمية وللمنصات العاملة من المنفى. وقد كشف هذا المسح أن البنية الإقليمية أكثر امتداداً مما رصدته الأدبيات السابقة، وأن ثمة منصات صغيرة تعمل في بيئات حرب وأزمات لا تزال البيانات المتاحة عنها شحيحة جداً
ثمة نقطة بداية يُجمع عليها المهتمون بهذا الحقل. مبادرة «مرسي ميتر» المصرية، التي وُلدت في أعقاب ثورة يناير لمتابعة أداء أول مئة يوم من رئاسة محمد مرسي، تُعدّ على الأرجح أقدم المبادرات الممنهجة للتحقق من المعلومات في المنطقة العربية. وقد توقّف الباحث عبد الرحمن فقيدا عند هذه المبادرة تحديداً في دراسته «التحقق السياسي من المعلومات في الشرق الأوسط» المنشورة في دورية Open Information Science عام ٢٠٢١، وقرأها بوصفها اللبنة الأولى لجيل التحقق العربي بمعناه الحديث، وعلامة على اللحظة التي قرر فيها فاعلون عرب أن يبنوا أدواتهم الخاصة لمساءلة السلطة والمعلومات الرسمية.
من زاوية مختلفة، رسمت الباحثة شيرين قدواني ملامح هذا الجيل الناشئ في دراستها «منهجية التحقق من الأخبار الزائفة المتعلقة بجائحة كوفيد-١٩ في مواقع تدقيق الحقائق العربية»، الصادرة في دورية Arab Media & Society عام ٢٠٢١. خلصت قدواني إلى أن عدداً من منصات التحقق أنتج نمطاً صحفياً جديداً في البيئة الرقمية، يقوده فاعلون قادمون من خارج الوسط الصحفي التقليدي، يمارسون دوراً يشبه دور حُرّاس البوابات في الإعلام الكلاسيكي، لكنهم ليسوا نسخة منه.
ولا يأتي هذا التنوع في الخلفيات مفاجئاً حين يُوضَع في سياقه العالمي. فقيدا نفسه ينقل عن Stencel (٢٠١٦) أن أقل من نصف مدققي المعلومات على المستوى الدولي يحملون خلفية صحفية تقليدية، في مقابل نحو ٩٠٪ في الولايات المتحدة وحدها. والمنطقة العربية تقع في هذا التوتر: طابع مختلط يجمع الصحفيين بالمتخصصين في التقنية والباحثين والناشطين، في مزيج لا تُشبه تجربته تجربة أي منطقة أخرى تماماً.
جغرافيا منصات التحقق
يكشف التوزيع الجغرافي عن تمركز لافت في عدد لا يتجاوز حفنة من الدول.
الأردن يحتل الموقع الأبرز على هذه الخريطة، إذ يجمع بين منصة فتبينوا التي نشأت عام ٢٠١٤ ومرصد أكيد في العام ذاته، فضلاً عن الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) التابعة لمنظمة إعلاميين من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).
وتأتي مصر خطوة خلفه، بمنصتَي صحيح مصر ومتصدقش، وإلى جانبهما منصة «تفنيد» التي يديرها الصحفي المصري حسام الوكيل من تركيا، معتمداً على فريق عربي متعدد الجنسيات يعمل من خارج البلاد، وتتخصص في تدقيق التصريحات والبيانات الرسمية عبر أدوات الصحافة مفتوحة المصادر.
وسبقت هذه المنصات كلَّها تجربةُ «ده بجد»، التي تُعدّ من أوائل المبادرات المصرية المستقلة المكرّسة لتدقيق محتوى منصات التواصل الاجتماعي. وفي ركن مختلف من المشهد المصري، تنشط منصة «أخبار ميتر» (AkhbarMeter) التي أسسها د. هيثم عاطف عام ٢٠١٤ ويقع مقرها بين القاهرة وبرلين، وتحمل لقب أول منصة في مصر وشمال أفريقيا تنال اعتماد الشبكة الدولية للتحقق من المعلومات IFCN، وذلك في أكتوبر ٢٠٢٣. ما يميّز «أخبار ميتر» أنها ليست مدقّق ادعاءات بالمعنى التقليدي، بل مرصد إعلامي يُقيّم مصداقية المؤسسات الإخبارية ككل بمنهجية موثقة.
سوريا حاضرة في المشهد رغم غيابها الجغرافي؛ منصة «تأكد» تواصل عملها لكن من خارج حدودها.
في قطر، تنتمي وكالة سند إلى شبكة الجزيرة، وتنشط إلى جانبها منصة مسبار وبرنامجها التلفزيوني المرتبطان بالتلفزيون العربي ومجموعة فضاءات ميديا، إضافةً إلى منصة إيكاد.
وفي مسار بحثي تقني مختلف، تعمل أداة «تنبيه» (Tanbih) التي طوّرها معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) بالشراكة مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) منذ عام ٢٠١٨، وهي تختلف عن المنصات السابقة في كونها أداة ذكاء اصطناعي تحلّل مصداقية المنابر الإعلامية ومستويات الدعاية والتحيّز السياسي والتأطير، لا الادعاءات الفردية.
أما المشهد الفلسطيني فيستحق وقفة. منصة «تحقق» تصاعد حضورها بوضوح، خاصة بعد فوزها — رفقة «صواب» اللبنانية و«مسبار» — بأول دورة من جائزة الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) في ديسمبر ٢٠٢٤، تقديراً لمشروع مشترك تصدّى للتضليل إبان الحرب على غزة وجنوب لبنان.
وإلى جانبها تعمل منصة «كاشف»، المعتمدة دولياً ضمن IFCN، التابعة للمرصد الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية. هذا الحضور المزدوج يُحوّل فلسطين من مجرد موضوع يُتحقق منه إلى مركز إنتاج متحقق فاعل، مُعترف به إقليمياً ودولياً.
لبنانياً، تمثّل «صواب» النموذج المؤسسي الأوضح في تدقيق الشأن اللبناني، وقد اكتسبت اعترافاً إقليمياً حقيقياً من خلال مشاركتها في المشروع الفائز بجائزة AFCN ٢٠٢٤. هذا التموضع الجديد يُعيد رسم مكانة لبنان على خريطة التحقق العربي، بعد سنوات عانى فيها من شُح في الحضور المؤسسي المتخصص.
في العراق، تواصل منصة «التقنية من أجل السلام» نشاطها معتمَدةً دولياً ضمن الشبكة الدولية للتحقق من المعلومات (IFCN). وقد رصد التحديث الأخير منصة «صحيح العراق» ضمن شركاء «مجتمع التحقق العربي»، في مؤشّر على نشاط أوسع لم تكن الأدبيات السابقة قد التقطته.
يتشكّل مشهد المغرب العربي بخطوط متباينة: «غربال» في المغرب، و«الجزائر تشيك» (Algeria Check) في الجزائر.
ويُضيف التحديث في الجزائر مبادرات مدنية أخرى رصدتها الأبحاث الحديثة، من بينها «هيئة مكافحة الإشاعات الإلكترونية» التي تعود إلى عام ٢٠١٢، وصفحة «فايك نيوز دي زد» التي انطلقت عام ٢٠١٩.
أما تونس فتلفت النظر بكثافتها؛ إذ تنشط فيها «تونس تتحرى» التابعة لنقابة الصحفيين التونسيين، وتنضم إليها منصة «فالصو» (Falso)، وكذلك «الكتيبة» الاستقصائية التي تجمع في عملها بين التحقيق الصحفي وتدقيق المعلومات قبل نشرها، إلى جانب منصات أحدث كـ«تراست نيوز» (٢٠٢٠) ذات الطابع التربوي.
في المقابل، يبقى اليمن ودول الخليج — عدا قطر — خارج دائرة المنصات المستقلة المتخصصة إلى حدٍّ بعيد، على الرغم من وجود جهود حكومية متفرقة لمكافحة الإشاعات. ففي السعودية، تعمل منصة «هيئة مكافحة الشائعات» التابعة للجهاز الرسمي، وهو ما يجعل تصنيفها كمنصة تحقق مستقلة محل تساؤل مهني.
غير أن التحديث الأخير كشف عن منصات صغيرة تعمل في بيئة الحرب اليمنية، بينها «إتريك ٢٤» و«يوب يوب» المُدرَجتان ضمن شركاء «مجتمع التحقق العربي»، إلى جانب «نورني» الليبية و«ترو بلاتفورم» السورية، وهي منصات لا تزال البيانات المتاحة عنها محدودة وتستوجب توثيقاً ميدانياً مستقلاً.
كيف صعدت أمواج التحقق
ثمة ثلاث موجات كبرى يمكن رصدها في مسيرة التحقق من المعلومات بالعالم العربي، وكل موجة تحمل طابعها الخاص.
الموجة الأولى امتدت بين ٢٠١٤ و٢٠١٦، وكانت بحق مرحلة التأسيس والبداية. فتبينوا وأكيد أطلقا في ٢٠١٤، وجاء تأكد بعدهما بعامين. وقبل هذا كله، كانت ثمة إرهاصات أولى في أعقاب الربيع العربي، أبرزها «مرسي ميتر» في مصر. غير أن المشهد آنذاك لم يكن يعدو تجارب متفرقة، يقف خلفها أفراد أو مجموعات جامعية بإمكانات شحيحة.
ثم جاءت الموجة الثانية بين ٢٠١٨ و٢٠٢٠ لتضخ دماء جديدة في هذا الحقل. متصدقش (٢٠١٨)، ومسبار (٢٠١٩)، وتوسع صفحات التحقق في وكالة الأنباء الفرنسية بالعربية في العام نفسه، وصولاً إلى تأسيس الشبكة العربية لمدققي المعلومات عام ٢٠٢٠.
ما الذي حرّك هذه الموجة؟ حدثان رئيسيان: موجة الانتخابات والاستفتاءات التي اجتاحت عدة دول عربية، ثم جائحة كوفيد-١٩ التي فتحت الباب على مصراعيه أمام التحقق من المعلومات الصحية، وكان الطلب عليه هائلاً.
أما الموجة الثالثة، الممتدة من ٢٠٢١ حتى اليوم، فهي الأكثر نضجاً. المجال بات يكتسب طابعاً مؤسسياً واضحاً، ودخلت على الخط شراكات مع منصات التواصل الاجتماعي مثل ”ميتا“، وباتت أدوات الذكاء الاصطناعي حاضرة في المشهد.
تأكد نالت اعتماد الشبكة الدولية للتحقق من المعلومات IFCN في مارس ٢٠٢٢، وفي ٢٠٢٤–٢٠٢٥ انطلق مشروع «مسار» بتمويل من ميتا، بهدف بناء مساعد دردشة ذكي باللغة العربية يخدم تسع مؤسسات أعضاء في الشبكة العربية لمدققي المعلومات.
الشبكتان الإقليميتان: من التنسيق المهني إلى البنية التحتية البحثية
في غضون السنوات الخمس الماضية، نشأ في المشهد العربي لتدقيق المعلومات كيانان تنسيقيان يكمل أحدهما الآخر، ويشكّلان معاً ما يمكن تسميته بالعمود الفقري غير المرئي لهذا القطاع: الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN)، ومجتمع التحقق العربي (Arabi Facts Hub – AFH). والتشابه في الأسماء مضلّل بعض الشيء، إذ يسير الكيانان على مسارين مختلفين تماماً، لكنهما متلازمان ومتكاملان لا متداخلان.
الشبكة العربية لمدققي المعلومات أطلقتها منظمة «أريج» عام ٢٠٢٠، حين كانت موجة المعلومات المضللة في ذروتها مع انتشار جائحة كوفيد-١٩. تعمل بوصفها مظلة مهنية جامعة، وتضم — بحسب ما يُعلنه موقعها الرسمي حتى عام ٢٠٢٥ — أكثر من ثلاثين مؤسسة ومبادرة، ويتجاوز عدد المدققين والمدققات المنتسبين إليها ثلاثمئة شخص، تمتد رسائلهم مجتمعةً لتبلغ أكثر من ستة ملايين متابع في المنطقة.
ما تفعله الشبكة في جوهره هو ثلاثة أشياء: تبني قدرات مؤسساتها عبر التدريب الإقليمي، وتدعم استدامتها المالية والتشغيلية من خلال مشاريع موجّهة كمشروع «صح» الذي أسند دعمه لتسع مؤسسات أعضاء، ومشروع «مسار» الممول من ميتا للفترة ٢٠٢٤–٢٠٢٥ الذي خرج بمساعد دردشة ذكي عبر واتساب وماسنجر، وتُنتج موارد مهنية ملموسة كأدلة التحقق قبل النشر وبعده، وكتيبات ضمان الجودة، وأدلة الأمان الرقمي. وفي السياق ذاته، أطلقت الشبكة برنامجاً بحثياً ممتداً على ثلاث سنوات من ٢٠٢٣ حتى ٢٠٢٥، في إطار مشروع «الجنوب العالمي» بإشراف جامعة ستيلينبوش ودعم مركز أبحاث التنمية الدولية الكندي (IDRC)، وهو بحق من أضخم المساعي البحثية المنظَّمة التي شهدها القطاع في تاريخه.
مجتمع التحقق العربي قصة مغايرة. هو منظمة غير ربحية، لكن اهتمامها يتجه نحو التقنية والبحث أكثر من التنسيق المهني. تدرس المنظمة ظاهرة الأخبار الزائفة في الفضاء الرقمي العربي وتسعى إلى تطوير أدوات تكنولوجية للكشف عنها، عبر بناء قاعدة بيانات مفتوحة تجمع مخرجات منصات التحقق المختلفة وفق معايير تقنية موحّدة، مع توظيف خوارزميات معالجة اللغة الطبيعية والتعلم الآلي لفهم أنماط انتشار التضليل وتحديد الفئات الأكثر استهدافاً. ومن الشراكات التي تستحق الإشارة اتفاقية التعاون التي أبرمها مع جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL)، بهدف دمج التربية الإعلامية بشكل رسمي في المسارات الجامعية.
حالة مسبار: من موقع إلى برنامج تلفزيوني
مسبار حالة تستأهل وقفة مختلفة، لأن وضعها في المشهد العربي لا يشبه غيرها. المنصة مملوكة لشركة «فضاءات ميديا»، مجموعة إعلامية قطرية أسست نفسها عام ٢٠١٢، وتضم تحت مظلتها شبكة التلفزيون العربي وصحيفة العربي الجديد وتلفزيون سوريا.
القصة بدأت في الفترة الواقعة بين أواخر ٢٠١٩ ومطلع ٢٠٢٠، حين أطلت مسبار على الساحة كموقع تحقق إلكتروني مستقل في إدارته اليومية. في تلك الأثناء كان التلفزيون العربي يبثّ بالتوازي برنامجاً أسبوعياً للتحقق من الأخبار يحمل اسم «بوليغراف»، الذي فاز عام ٢٠٢٢ بجائزة أفضل برنامج تلفزيوني لرصد الشائعات ودحضها. ثم جاء القرار الذي أعاد رسم الخريطة: دمجت مجموعة فضاءات ميديا بين المنصة الإلكترونية والبرنامج التلفزيوني تحت هوية واحدة، وانتقل الاسم على الشاشة من «بوليغراف» إلى «مسبار». باتت النتيجة كياناً متكاملاً يشمل موقعاً إلكترونياً ومنصات تواصل اجتماعي وبرنامجاً تلفزيونياً أسبوعياً — يُوازن هذا النموذج بين استقلالية تحريرية يومية وانتشار جماهيري عريض عبر الشاشة.
جهود فردية
إلى جانب المنصات المؤسسية، يتشكّل رافد موازٍ لا يقل أهمية، يغذّيه صحفيون منفردون يعملون عبر صفحاتهم الشخصية أو مشاريعهم المستقلة. لا بنى تنظيمية تسندهم، ولا تمويل مؤسسي يحميهم، لكنهم مع ذلك يرفعون منسوب التدقيق العام، ويمثّلون أحياناً مصدر السبق الذي تُفيد منه المنصات الكبرى لاحقاً.
حسام الهندي ومبادرة التحقق بالعربي
الصحفي المصري حسام الهندي، مؤسس مبادرة «التحقق بالعربي»، نموذج لافت يصعب تجاهله حين يُستحضر مشهد المدقق الفرد في العالم العربي. نال الهندي عام ٢٠٢٥ المركز الثاني في فئة «أفضل تحقق من المعلومات لمدقق محترف» ضمن جوائز التحقق الأفريقية التي تُنظّمها منظمة Africa Check، وهي من أعرق الجوائز المتخصصة في هذا الميدان على المستوى القاري.
الجائزة جاءت تقديراً لتحقق نشره الهندي في يوليو ٢٠٢٤، استعان فيه بأدوات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) لفحص شهادة الدكتوراه التي ادّعى وزير التربية والتعليم المصري آنذاك، محمد عبد اللطيف، الحصول عليها، وأثبتها في سيرته الذاتية الرسمية. خلص التحقق إلى أن الجهة التي أصدرت الشهادة، المعروفة بـ«Cardiff City University» في الولايات المتحدة، لا تُصنَّف مؤسسةً معتمدة في منظومة التعليم العالي، ولا يوجد لها سجل أكاديمي معترف به.
محمود غزويل وصفحة «كاذب مش كاذب»
من البارزين أيضاً في خانة الجهود الفردية: الصحفي محمود غزويل، صاحب صفحة «كاذب مش كاذب» المعنية بتدقيق المعلومات والتصريحات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما يُفرّق تجربته عن سائر المبادرات الفردية هي تحولها للنطاق المسموع ، إذ يُنتج مقاطع تحقق صوتية تُبَثّ عبر إذاعة محلية في لبنان، في خطوة تُمثّل توسّعاً نوعياً نادراً في وسائط التحقق العربي التي اعتادت التمركز في الفضاء الرقمي النصي والمرئي.
المنهجيات والمعايير
تتعدد المقاربات التي تعتمدها المنصات العربية في تحديد ما يستحق التحقق، وتتفاوت أولوياتها بحسب طبيعة كل منصة وسياقها. الأوسع انتشاراً هو الرصد المنهجي لمنصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيسبوك وإكس وتيك توك. إلى جانب ذلك، تستقبل بعض المنصات طلبات مباشرة من الجمهور عبر قنواتها الرسمية — وهذا خيار متاح لدى تأكد وفتبينوا ومسبار.
وحين تندلع أحداث كبرى كالانتخابات أو الكوارث أو الأزمات الإقليمية، تتحول هذه المنصات إلى وضع الاستجابة الفورية.
غير أن لكل منصة بصمتها الخاصة ,صحيح مصر تتخصص في تدقيق تصريحات المسؤولين والسياسيين وصُنّاع القرار، وتأكد تتمحور حول الشأن السوري تحديداً، فيما تنتهج وكالة سند مساراً أشمل يرتكز على المحتوى البصري والمواد مفتوحة المصدر (OSINT) بما يُعين على تغطية الأحداث.
وقد أسهمت دراسة عبد الرحمن الشامي الصادرة في مجلة الجزيرة للدراسات عام ٢٠٢٣، والموسومة بـ«دور المنصات العربية للتحقق من الأخبار في مكافحة التضليل الإعلامي وتأثيراته السياسية»، في رسم صورة كمية دقيقة لطبيعة هذا الإنتاج. تتبّع الشامي عمل ثلاث منصات هي هيئة مكافحة الشائعات السعودية وفتبينوا ومسبار، خلال شهرَي نوفمبر وديسمبر ٢٠٢٢ — وهي الفترة التي شهدت كأس العالم في قطر. جاءت النتائج كاشفة: المحتوى الرياضي تصدّر قائمة المواد التي خضعت للتدقيق، وكانت قطر الأكثر استهدافاً بالأخبار الزائفة في تلك المرحلة، وتصدّرت الفيديوهات وسائط نشر التضليل، تلتها الصور، فيما حلّت فيسبوك في المرتبة الأولى بين المنصات الأكثر رواجاً لهذا النوع من المحتوى.
ثمة زاوية أخرى أضاءها عبد الرحمن فقيدا في دراسته «التحقق السياسي من المعلومات في الشرق الأوسط: ما الأخبار التي يمكن التحقق منها في العالم العربي؟»، إذ أخضع ما يقارب خمسة آلاف تحقق منشور على صفحات ست منصات عربية كبرى للتحليل المعمّق. خرج بخلاصة لافتة: المحتوى الإنساني والاجتماعي يهيمن على أولويات هذه المنصات، في حين تتراجع تغطية تصريحات الحكام ورؤساء الحكومات تراجعاً ملحوظاً. ويُفسّر فقيدا هذا التوجه بالضغوط التي تفرضها البيئة السياسية والقانونية، مما يدفع المنصات إلى رقابة ذاتية صامتة في انتقاء ما تُدقّقه.
على صعيد التصنيف، تكاد تتوحد المنصات العربية حول نظام متدرج يتجاوز ثنائية «صحيح/خاطئ» الجامدة.
النظام الأكثر شيوعاً يتوزع على خمس درجات: صحيح، صحيح جزئياً، مضلل، خاطئ، مفبرك. وبعض المنصات تتجاوز هذا الإطار لتضيف تصنيفات أدق من قبيل «بلا سياق» و«ساخر» و«غير قابل للتحقق». هذا التدرج في حد ذاته علامة نضج، يعكس إدراكاً متقدماً بأن التضليل لا يأتي دائماً في صورة كذب صريح.
الأدوات والمنهجيات التقنية
وكالة سند تمثّل حالةً لافتة في هذا المجال؛ فهي توظّف أدوات OSINT بمستوى يصعب تجاهله، من تحليل صور الأقمار الصناعية إلى البيانات الملاحية البحرية والجوية، وكلها تصبّ في نهاية المطاف في إعداد تقاريرها. والأكثر إثارةً للاهتمام أنها طوّرت نظاماً داخلياً يربط تطبيق واتساب بقواعد بيانات مصادر موثوقة مباشرةً، بحيث يستطيع صحفيو شبكة الجزيرة الوصول إلى أدوات الفحص الأساسية عبر كلمات مفتاحية بسيطة — كل هذا ضمن ما باتت تسمّيه الوكالة نموذج «التحقق الاستباقي» قبل أن يُنشر أي شيء.
أما إيكاد فطريقتها مختلفة نوعاً ما. تتركّز فلسفتها على استخبارات المصادر المفتوحة بشكل شبه كامل: ترصد إشارات الاستجابة للطائرات والسفن، وتشتغل على تحليل الصور الفضائية والظلال، وتُحدّد المواقع جغرافياً بدقة. ووفق ما هو منشور على قنواتها الرسمية، تمكّنت من تتبّع طائرات استطلاع أمريكية فوق مضيق هرمز، ورصدت أساطيل الظل الإيرانية البحرية، ووثّقت مواقع انتشار قوات الدعم السريع في السودان، فضلاً عن توثيقات نشرها جنود من حساباتهم الشخصية في قطاع غزة. ولعل رقم واحد وأربعين ألف مشترك على قناتها في يوتيوب يقول الكثير عن حجم الاهتمام الذي تستقطبه.
قصة مسبار تسير في اتجاه آخر تماماً. راهنت المنصة على بناء قاعدة بيانات ضخمة تجاوزت ستمائة ألف مادة إخبارية، جرى تصنيفها يدوياً أولاً، ثم طُبّقت عليها خوارزميات التعلّم الآلي وفق أسلوب «الإشراف الضعيف»، بهدف تطوير أنظمة تكشف الأخبار الزائفة بالعربية بشكل آلي. وفي السياق ذاته، طوّرت منصة تأكد روبوت دردشة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يعمل عبر واتساب — جاء ذلك استجابةً لتدفّق هائل من الشائعات اجتاح الفضاء الرقمي في أعقاب سقوط النظام السوري في ديسمبر ٢٠٢٤.
الاعتماد الدولي
عضوية الشبكة الدولية للتحقق من المعلومات (IFCN) التابعة لمعهد بوينتر تُعدّ بحق المعيار الذهبي في هذا المجال. بحلول منتصف عام ٢٠٢٤، باتت الشبكة تحتضن قرابة مئة وسبعين مؤسسة عضواً من مختلف أنحاء العالم، وكل واحدة منها تمر بتقييم سنوي مستقل يقيسها بخمسة مبادئ راسخة: الحياد وعدم التحيز، والشفافية في المصادر، وفي التمويل والتنظيم، وفي المنهجية المتبعة، فضلاً عن سياسة مفتوحة للتصحيح.
أما المشهد العربي في الفترة الممتدة بين ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، فيبدو مثيراً للاهتمام. القائمة المعتمدة ضمن IFCN تضم منصات عربية بارزة: فتبينوا الأردنية التي تحمل لقب الأقدم بين نظيراتها المستقلة في نيل هذا الاعتماد، وتأكد السورية التي انضمت في مارس ٢٠٢٢، إلى جانب التقنية من أجل السلام العراقية وكاشف الفلسطينية، فضلاً عن «أخبار ميتر» المصرية التي انضمت في أكتوبر ٢٠٢٣ بوصفها أول منظمة في مصر وشمال أفريقيا تنال هذا الاعتماد. ويُضاف إلى ذلك الأقسام العربية للوكالات الدولية المعتمدة عبر مؤسساتها الأم، كوكالة AFP. وما يجعل هذه العضوية ذات ثقل حقيقي أنها شرط لا تنازل عنه للشراكة مع منصات ميتا في برنامج التحقق من جهات خارجية — وهذا وحده يكفي لإدراك قيمتها. غير أن متطلبات الشفافية والحوكمة المرتبطة بالحصول عليها تبقى عقبة حقيقية تقف في وجه كثير من المبادرات العربية الناشئة التي تسعى إلى الانضمام.
نماذج التمويل
تمثل قضية التمويل الاختبار الأصعب أمام المنصات العربية للتحقق من المعلومات، وتتنوع نماذج التمويل في المنطقة بين أربعة أنماط رئيسية
النموذج الأول: المنح الدولية والصناديق المتخصصة
هذا النموذج هو الأكثر انتشاراً في وسط المنصات المستقلة، وربما الأكثر إثارةً للجدل في الوقت نفسه. منصات كتأكد وفتبينوا ومتصدقش وصحيح مصر تعتمد في تمويلها على منح تأتيها من مؤسسات دولية: هيئات تنمية، ومؤسسات إعلامية أوروبية وأمريكية، وصناديق مخصصة لدعم الديمقراطية. ما يُحسب لهذا النموذج أنه يمنح هذه المنصات قدراً من الاستقلالية في مواجهة الضغوط المحلية. غير أن ثمة ثمناً يُدفع: الاتهامات التي لا تنقطع بـ«التبعية للأجندات الأجنبية»، وهو سلاح خطابي تُشهره السلطات والإعلام الموالي لها متى أرادت النيل من مصداقية هذه المنصات.
على صعيد التمويل المتخصص، يبرز صندوق SUSTAIN التابع للشبكة الدولية للتحقق من المعلومات بوصفه مصدراً مرناً وفعلياً. في دورة ٢٠٢٥–٢٠٢٦ قدّم منحاً تشغيلية بلغت ثلاثين ألف دولار لمنظمات معتمدة في مناطق عدة، من بينها الشرق الأوسط، وكانت التقنية من أجل السلام العراقية ضمن المستفيدين. أما معهد بوينتر فيسلك مساراً مختلفاً، إذ يُتيح برامج «مطابقة التبرعات» بمبالغ تصل إلى خمسين ألف دولار. وفي بيئات النزاع تحديداً، يتدخل «الصندوق الأوروبي للديمقراطية» بدعم مباشر لمنصات بعينها، ومنها منصة تأكد التي يقودها الصحفي السوري أحمد بريمو.
لكن المشهد لا يقف عند هذه المصادر التقليدية. ثمة نوع آخر من التمويل بدأ يُرسّخ حضوره خلال السنوات الأخيرة: التمويل البحثي المتخصص. النموذج الأبرز هنا هو دعم مركز أبحاث التنمية الدولية الكندي (IDRC) لبرنامج «الجنوب العالمي»، الذي نفّذته الشبكة العربية لمدققي المعلومات تحت إشراف جامعة ستيلينبوش بين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥. هذا النوع من التمويل محدود عددياً، لكن قيمته تكمن في شيء آخر: إنه يُتيح للمنصات أن تنتج معرفة بحثية منهجية عن البيئة المعلوماتية العربية، وهو ما يتخطى بكثير حدود الإنتاج اليومي الميداني.
النموذج الثاني: شراكات منصات التواصل (وتراجعها)
منذ عام ٢٠١٩، تحوّل هذا النموذج إلى رافد تمويلي لا يُستهان به، وذلك عبر برنامج التحقق من جهات خارجية الذي أطلقته ميتا (Facebook Third-Party Fact-Checking Program). ومن أبرز الشراكات التي نشأت في هذا السياق: فتبينوا، الشريك في تسع عشرة دولة منذ ٢٠٢٠، وتأكد، فضلاً عن مشروع «مسار» الذي تموّله ميتا وتنفّذه الشبكة العربية لمدققي المعلومات، والممتد من أكتوبر ٢٠٢٤ حتى سبتمبر ٢٠٢٥ — وهو في جوهره استمرار لهذا المسار التمويلي ذاته.
غير أن المشهد بدأ يتبدّل. في يناير ٢٠٢٥، أعلنت ميتا انسحابها التدريجي من البرنامج داخل الولايات المتحدة، مُفضّلةً الاستعاضة عنه بنموذج «الملاحظات المجتمعية» (Community Notes) القائم على مساهمات المستخدمين أنفسهم، على غرار ما تعتمده منصة إكس. الانسحاب حتى الآن أمريكي النطاق، لكن القلق الحقيقي يكمن في السؤال الذي يُؤرّق المهنيين: إلى أي مدى قد يتمدد هذا التحول ليطال بقية العالم؟ إن حدث ذلك، فإن جزءاً محورياً من تمويل عدد من المنصات العربية المعتمدة سيجد نفسه على المحك، وستكون أمامها فرصة ضيقة لإعادة بناء نموذج عملها من الأساس. ما الخيارات المتاحة؟ ثمة ثلاثة سيناريوهات تتردد في النقاشات الداخلية للقطاع: التحول نحو الاشتراكات المدفوعة، والتوسع في استقطاب المنح المؤسسية، والبحث عن شراكات بديلة مع منصات أصغر حجماً. ومهما تكن الخيارات، يبقى هذا التحوّل هو الضربة التمويلية الأعنف التي يواجهها القطاع منذ ٢٠١٩.
النموذج الثالث: التمويل المؤسسي الأكاديمي
منصة «أكيد» الأردنية نموذج يستحق التأمل هنا؛ إذ تُنفّذه معهد الإعلام الأردني بدعم من برنامج التمكين الديمقراطي التابع لصندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية. المعادلة التي يُقدّمها هذا النموذج ليست بسيطة: استقرار مالي مريح في مقابل هامش أضيق حين يتعلق الأمر بالملفات السياسية الحساسة.
وفي السياق الأكاديمي ذاته، وإن من زاوية مختلفة تماماً، تعمل أداة «تنبيه» (Tanbih) القطرية بتمويل مؤسسي بحثي مشترك من معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وهو نموذج يفتح الباب أمام الجمع بين الاستقلالية المالية والإنتاج التقني المتقدم.
النموذج الرابع: التمويل المؤسسي الإعلامي
هنا نتحدث عن المنصات التي تعمل داخل بيوت إعلامية كبرى: وكالة سند التي تُموّلها قناة الجزيرة مباشرةً، ومسبار المنبثق من رحم التلفزيون العربي وشركة فضاءات ميديا. ما يمنحه هذا النموذج موارد وافرة وأدوات تقنية متقدمةالتأثير والوصول
ثمة تفاوت لافت في أرقام الوصول بين منصات التحقق العربية، وما تكشفه البيانات المعلنة على حسابات هذه المنصات حتى مطلع ٢٠٢٦ يستحق الوقوف عنده. مسبار تتصدر المشهد بفارق واضح: أكثر من ٢٫٢ مليون متابع على فيسبوك، و٢٩٣ ألفاً على إكس، و١٣٥ ألفاً على إنستجرام. على المستوى المصري، تأتي متصدقش بـ١٫٢ مليون متابع على فيسبوك، وصحيح مصر بـ١٫١ مليون على المنصة ذاتها إضافةً إلى ٢٠٥ آلاف على إكس.
في المقابل، تحتفظ منصات كفتبينوا بحضور أكثر تواضعاً — نحو ١٧ ألف متابع على فيسبوك — وهو رقم لا يعكس وزنها المهني الحقيقي ولا عضويتها في IFCN.
والحقيقة أن الأثر المهني للمنصة لا يسير بالضرورة في الاتجاه ذاته مع حجم جمهورها؛ هذه معادلة يجدر أخذها بعين الاعتبار. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام مجتمعةً أقل بكثير مما تملكه قنوات الأخبار التقليدية وحسابات المؤثرين، الذين يُشكّلون هم أنفسهم في أحيان كثيرة مصدراً رئيسياً لتوليد التضليل وانتشاره.
وعلى صعيد الإنتاج، تُشير دراسة الشامي المنشورة في مجلة الجزيرة للدراسات عام ٢٠٢٣ إلى أن مسبار وحدها أنتجت ٣٧٣ تحققاً في مدة شهرين فقط، هما نوفمبر وديسمبر ٢٠٢٢، أي ما يتجاوز ست تحققات في اليوم الواحد — وتيرة لافتة بأي مقياس.
حرب غزة كاختبار حقيقي
جاءت تغطية حرب غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ لتكون الاختبار العملي الأكبر الذي واجهته منصات التحقق العربية حتى الآن. دراسة تحليلية نُشرت عام ٢٠٢٥ في المنصة الجزائرية للمجلات العلمية (ASJP – CERIST)، تتبّعت تغطية ثلاث منصات رئيسية، فكشفت أن مسبار استحوذت على ٦٠٫٩٨٪ من إجمالي المواد التي جرى التحقق منها خلال فترة الرصد.
تلتها منصة كاشف — المرصد الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية — بحصة ٢٥٫٨٢٪، ثم مرصد تحقق — المرصد الفلسطيني لتدقيق المعلومات والتربية الإعلامية — بـ١٣٫٢٠٪. أما على مستوى التوزيع الموضوعي، فقد سيطرت المواد السياسية والعسكرية على نحو ٣٨٫٣٠٪ من إجمالي العمل التحققي، وهو ما يُفسَّر بتوجيه الموارد نحو السرديات التي قد تُوظَّف لتبرير استهداف المدنيين أو تزييف الوقائع الميدانية وأعداد الخسائر.
تأثير منصات التحقق
ثمة حالات بعينها أثبتت فيها المنصات العربية قدرتها على التأثير الفعلي، إذ دفعت وسائل إعلام دولية كبرى إلى إضافة سياقات نقدية أو تصحيح معلومات نشرتها، وذلك استناداً إلى أدلة قاطعة بُنيت على التحديد الجغرافي وتحليل الظلال ومراجعة الفيديوهات إطاراً بإطار. ووكالة سند تحديداً كانت نموذجاً لافتاً في تفنيد سرديات النزاع، من خلال تحليلات الأقمار الصناعية وتتبع البيانات الملاحية — وهو ما يُجسّد القيمة الفعلية لنموذج التكامل الكامل بين وحدة التحقق وغرفة الأخبار.
ويتقاطع هذا مع ما انتهت إليه الباحثة شيرين قدواني في دراستها “منهجية التحقق من الأخبار الزائفة المتعلقة بجائحة (كوفيد-١٩) في مواقع تدقيق الحقائق”، حين وصفت هذه المنصات بأنها باتت تضطلع بدور «جماعات الضغط» في الفضاء الرقمي، قادرةً على إجبار مؤسسات وأفراد على تصحيح ما نشروه أو الاعتذار عنه. دور لم يكن الجمهور العربي ليحلم بوجوده قبل صعود هذا الجيل من الفاعلين الرقميين.
بعيداً عن غزة، يظل قياس التأثير العام أمراً عسيراً إذا أُفردناه عن مقاييس الوصول، غير أن ثمة مؤشرات يمكن رصدها:
أولاً، حالات التراجع الموثقة: ثمة أمثلة فعلية على مؤسسات إعلامية ومسؤولين تراجعوا عن تصريحات أو نشروا تصحيحات في أعقاب تحققات نشرتها هذه المنصات، وإن كانت لا تُشكّل بعد ظاهرة منهجية.
ثانياً، الاستشهاد في الإعلام التقليدي: صارت بعض القنوات والصحف العربية تستند إلى تحققات هذه المنصات في تقاريرها، ولا سيما في الموضوعات الصحية والعلمية حيث تخف الحساسية السياسية.
ثالثاً، التأثير على السياسات: في تجربة صحيح مصر، لم يمر عملها في تدقيق التصريحات دون ردود فعل رسمية — إذ أُحيلت المنصة إلى النائب العام بناءً على شكوى من المجلس الأعلى للإعلام. وهو اختبار صعب بلا شك، لكنه يكشف بصورة عكسية عن الوزن الذي بدأت تكتسبه هذه المنصات في الفضاء العام.
رابعاً، التأثير في الحوكمة الرقمية: عبر شراكات ميتا، أسهمت مخرجات التحقق في خفض ترتيب المنشورات الزائفة خوارزمياً ووضع ملصقات تحذيرية عليها. انتقال نوعي بحق للقطاع، وإن كان مستقبله مرهوناً بمسار شراكات المنصات، الذي بات يدخل مرحلة تراجع واضحة.
غرف الأخبار.. كيف تُوظَّف منصات التحقق فعلياً؟
لو راقبت المشهد الإعلامي العربي عن كثب، ستلاحظ شيئاً لافتاً: منصات التحقق موجودة، لكن توظيفها في العمل اليومي لغرف الأخبار يبقى هشاً وانتقائياً. وعلى امتداد هذا المشهد، تبرز ثلاثة أنماط متباينة تحكم العلاقة بين القنوات وهذه المنصات.
أولها التكامل الكامل، وهو الاستثناء لا القاعدة. نموذج وكالة سند داخل شبكة الجزيرة، ومنصة مسبار ووحدة التحقق ضمن التلفزيون العربي — في هاتين الحالتين لا تعمل وحدات التحقق على الهامش، بل تنخرط في صلب العملية التحريرية، وتصل تحقيقاتها إلى المحررين بصورة منتظمة. لكن حتى هنا ثمة تحفظ مهم: وتيرة الأخبار العاجلة والتغطيات المتسارعة تتجاوز في الغالب ما تستطيع هاتان المنصتان مجاراته.
والنمط الثاني أشبه بالاستشهاد العَرَضي — يظهر هنا وهناك، لا أكثر. بعض القنوات والصحف تستند أحياناً إلى تحققات المنصات المستقلة، لا سيما في مواضيع الصحة والعلوم والرياضة. إلا أن هذه الاستشهادات تبقى رهينة مبادرة المحرر الفردي ومزاجه، لا نتاج سياسة تحريرية واضحة ومؤسسية.
أما النمط الثالث، وهو الأكثر انتشاراً، فيمكن تسميته تجاهلاً عملياً. كثير من القنوات والمؤسسات الإعلامية لا تستثمر هذه المنصات بأي شكل ممنهج، حتى حين تكون مواردها متاحة مجاناً وفي متناول اليد. هذا هو السائد عربياً.
وربما يضع ما رصدته دراسة الشبكة العربية لمدققي المعلومات بين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥ يدنا على جذر المشكلة الحقيقية. استبيان شمل ٩٥ صحفياً ومحرراً ورئيس تحرير في عشر دول عربية كشف عن تشوش مفاهيمي صريح: ثمة من يخلط بين تدقيق المعلومات قبل النشر والتدقيق اللغوي البحت. والأكثر من ذلك، أن معظم المشاركين وصفوا المنهجية المتبعة في مؤسساتهم بأنها «غير واضحة، وغير محددة، وغير موثقة رسمياً». الأمر إذن أعمق من مجرد تجاهل لمنصات خارجية — إنه فجوة مفاهيمية راسخة داخل غرف الأخبار العربية نفسها.
التحديات
ثمة تحديات بنيوية ضاغطة تواجهها منصات التحقق العربية، تتداخل فيها الأبعاد المالية والقانونية والتقنية والمجتمعية بطريقة يصعب فك اشتباكها. وأشدها وطأةً على الإطلاق هو أزمة التمويل المتقطع، حيث تعيش معظم هذه المنصات على وقع المنح التي قد تتوقف دون سابق إنذار. أما نموذج الشراكة مع ميتا، فيربط المصير بقرارات شركة واحدة لا يمكن استشراف توجهاتها. واختفاء عدد من المبادرات الناشئة خلال السنوات الأخيرة ليس مجرد إحصاء بارد، بل هو دليل حي على أن الاستدامة لا تزال أمنية أكثر مما هي واقع.
ولا يقل التحدي الأمني والقانوني ثقلاً عن سابقه. العمل في بيئات قانونية مقيدة يعرّض المدققين للملاحقة، وما تعرضت له «صحيح مصر» من إحالة إلى النائب العام بشكوى من المجلس الأعلى للإعلام ليس استثناءً بل نموذج يكشف طبيعة المشهد. كثير من المنصات التي تتناول الشأن السوري آثرت العمل من خارج البلاد قبل الإطاحة ببشار الأسد، هرباً من مخاطر لا تُحسب.
في مصر وسواها، تعيش منصات التحقق تحت رقابة ضمنية قابلة للتحول إلى صريحة في أي لحظة. هذا الوضع يضع كل تحقيق منشور تحت احتمال دائم للتقاضي، وكثيراً ما يدفع المنصات إلى رقابة ذاتية تضيّق من نطاق عملها وموضوعاته. ويتفاقم الأمر في غياب أي تشريعات حامية في معظم الدول العربية؛ لا قوانين تُعرّف الإطار المهني لعمل المدققين، ولا ضمانات تحمي ممارساتهم، بينما تُوظَّف قوانين النشر الإلكتروني والجرائم المعلوماتية لملاحقتهم.
وما كان يُقال عن الرقابة الذاتية يوماً على سبيل الانطباع العام، بات اليوم موثقاً بأرقام لا تحتمل الجدل. دراسة «التحقق السياسي من المعلومات في الشرق الأوسط: ما الأخبار التي يمكن التحقق منها في العالم العربي؟» للباحث عبدالرحمن فقيدا، التي حللت خمسة آلاف تحقق منشور على ست منصات عربية، انتهت إلى أن مؤسسات التحقق في المنطقة نادراً ما تتجرأ على تصريحات الحكام أو تفنّدها، وأن بوصلتها التحريرية تميل نحو الموضوعات الإنسانية الأقل إشكالية. وتؤكد هذه الصورة من زاوية مغايرة دراسة الشبكة العربية لمدققي المعلومات للفترة بين ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، التي توصلت إلى أن المدققين العرب أنفسهم يضعون «مساءلة السياسيين والشخصيات العامة» في ذيل أولوياتهم، بعد التربية الإعلامية وتصحيح المعلومات. هذا التطابق بين سلوك المنصات وقناعات العاملين فيها يكشف أن المسألة ليست أزمة أفراد، بل هي إشكالية بنيوية ضاربة الجذور في طبيعة البيئة السياسية والقانونية المحيطة.
غير أن منصتي «صحيح مصر» و«متصدق» المصريتين تشكّلان استثناءً لافتاً على هذه القاعدة، إذ تواظبان على متابعة تصريحات المسؤولين المصريين عن كثب.
إلى جانب الضغوط المالية والقانونية، ثمة تحدٍّ آخر لا يقل وطأةً: أزمة الثقة والتحيز المُفترض. فالاتهامات بالانحياز السياسي لا تتوقف، وتتقاذفها أطراف متعددة بحسب طبيعة كل تحقق وسياقه. بل إن المنصة الواحدة قد تجد نفسها في الأسبوع ذاته متهمةً من المعارضة بأنها تحابي السلطة، ومن السلطة بأنها تخدم المعارضة. الاستقطاب السياسي الحاد في المنطقة يحوّل الموضوعية المهنية — في نظر جمهور مشحون — إلى انحياز متخفٍّ في ثوب الحياد. ويتفاقم هذا كله بضعف ثقافة الشفافية المؤسسية؛ فليست كل المنصات تنشر منهجياتها أو مصادر تمويلها بشكل كامل ومنتظم، فتخسر بذلك واحدة من أقوى أوراقها أمام جمهور لا يحتاج إلى مزيد من الأسباب ليشكك.
على الصعيد التقني، تبدو المعادلة غير متكافئة من البداية. سرعة انتشار المعلومات المضللة تتجاوز بمراحل ما يمكن لأي فريق بشري أن يواكبه.
والأرقام هنا صادمة: دراسة فوسوغي وزملائه (Vosoughi et al.) التي نُشرت في دورية Science عام ٢٠١٨، وحللت ما يزيد على ١٢٦ ألف قصة إخبارية على منصة إكس بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠١٧، أثبتت أن الأخبار الكاذبة تصل إلى ١٥٠٠ شخص بسرعة تفوق نظيرتها الصحيحة بنحو ست مرات.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليُعقّد المشهد أكثر. فـ«التزييف العميق» تحديداً لم ينقل المعركة فحسب، بل بدّل ملعبها كلياً: من دحض نص أو كشف تلاعب في صورة، إلى مواجهة تستلزم أدوات تحقق بيومترية وبرمجية بالغة التعقيد، تتجاوز طاقة أغلب المنصات العربية المستقلة. في المقابل، يستطيع منتجو المحتوى المزيف — من جيوش إلكترونية وغيرها — الإنتاج بتكلفة تكاد تكون صفراً.
لكن حتى حين يُنجز التحقق وينشر، تبرز مشكلة من نوع مختلف: هل يصل إلى من يحتاجه؟ وهل يُقبَل أصلاً؟ كثير من المستخدمين يتمسكون بالمعلومة الأولى التي تقع عليها أعينهم، بصرف النظر عما يأتي لاحقاً من دحض أو تصحيح. وهذا ما يُعرف بـ«الانحياز التأكيدي»: نزوع الفرد إلى قبول ما يتوافق مع قناعاته المسبقة، ورفض ما يخالفها بغض النظر عن ثقل الأدلة. وهو انحياز يزداد رسوخاً في غياب ثقافة نقدية واسعة تعلّم الناس كيف يُفرقون بين مصدر ومصدر.
جهودة لمساندة الصحفيين
في مواجهة هذه الفجوة تحديداً، بدأت تظهر جهود لافتة. أبرزها شراكة «مجتمع التحقق العربي» مع جامعة العلوم والآداب اللبنانية لتدريب طلاب الصحافة على أدوات التحقق الرقمي، إلى جانب إصدار الشبكة العربية لمدققي المعلومات دليلاً دراسياً قابلاً للدمج في المناهج الجامعية. مبادرات تصغر ربما قياساً بحجم التحدي، لكنها تُمثّل بذرة حقيقية نحو ترسيخ التربية الإعلامية في المسارات الأكاديمية العربية.
في نهاية المطاف، ما يرسمه هذا التقرير هو صورة مشهد عربي للتحقق من المعلومات لم يكتمل بعد — نشط ومتشعب في آنٍ معاً، لكنه يفتقر إلى التماسك. طموح بكل تأكيد، غير أن هشاشة بنيوية حقيقية تتربص به. ينتج كمّاً لافتاً من التحققات، بينما يظل الأثر الفعلي هدفاً يسعى إليه أكثر مما يحققه.
ومع ذلك، لا يصح أن تطغى هذه الإشكاليات على بشائر حقيقية تستحق الوقوف عندها. فظهور شبكات إقليمية مهنية كـAFCN ومجتمع التحقق العربي، وحصول عدد من المنصات على اعتمادات IFCN، وما شهدناه من تطور ملموس في أدوات الذكاء الاصطناعي الموظّفة لخدمة التحقق — هذا كله ليس تفصيلاً هامشياً. يُضاف إليه توسع برامج التدريب التي أتاحتها أريج لآلاف الصحفيين عبر المنطقة، وكلها مجتمعةً تُشير إلى نضج يسير وإن كان يسير ببطء.
ثمة أيضاً دلالة مؤسسية لا يجوز تجاهلها في دخول قنوات إخبارية كبرى إلى هذا الميدان عبر وحدات متخصصة، وسند ومسبار خير مثال على ذلك. هذا التحول يعكس اعترافاً حقيقياً بأن التحقق لم يعد رفاهية صحفية، بل بات — أو يكاد — ركيزةً من ركائز العمل الإعلامي الذي لا غنى عنه.

