في الساعة الثامنة و43 دقيقة من مساء 8 يوليو، أرسلت ميغان ميسرلي، مراسلة “بوليتيكو” المكلَّفة بتغطية رحلة الرئيس الأمريكي، تحديثًا مقتضبًا إلى صحفيي البيت الأبيض: أقلعت الطائرة من أنقرة، وطُلب من المراسلين إبقاء ستائر النوافذ مغلقة.
بدت الرحلة إلى قاعدة ميلدنهال الجوية في بريطانيا عادية؛ لم يزر الرئيس مقصورة الصحفيين، لكنه لا يفعل ذلك في كل رحلة. وبعد الهبوط، وصفت ميسرلي الساعات التي قضتها في الجو بأنها مرت بلا أحداث تُذكر. لم تكن تعرف أن دونالد ترمب لم يكن على الطائرة أصلًا.
ما حدث خلف الستائر
كان ترمب قد صعد أمام الكاميرات إلى طائرة “إير فورس وان” الرئاسية القديمة بعد انتهاء قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، ولوَّح للحاضرين قبل أن يختفي داخلها.
لكن تحقيقًا نشرته “واشنطن بوست” في 10 أغسطس كشف أن المشهد كان جزءًا من خطة تمويه؛ فبعد دقائق من صعوده، خرج ترمب من باب في الجانب الآخر للطائرة داخل شاحنة مخصصة لتموين الرحلات، وانتقل سرًّا إلى طائرة عسكرية أصغر من طراز “سي 32 إيه”.
أقلعت الطائرة الصغيرة إلى بريطانيا وعلى متنها ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث وعدد محدود من المساعدين، بينما واصلت الطائرة الرئاسية القديمة رحلتها حاملةً وزيرَ الخارجية ماركو روبيو ووزيرَ الخزانة سكوت بيسنت وموظفين في البيت الأبيض وطاقمًا صحفيًا من 13 شخصًا.
ظهرت الطائرة على أجهزة التتبع الجوي، ثم استخدمت أثناء الرحلة رمز النداء “إير فورس وان”، رغم أن هذا الرمز يُفترض أن يُطلق على أي طائرة يوجد الرئيس على متنها.
في ميلدنهال، عاد ترمب إلى الطائرة الرئاسية القديمة ثم نزل منها أمام الكاميرات كأنه سافر عليها من أنقرة، وبعد ذلك انتقل الجميع إلى الطائرة الجديدة المُهداة من قطر لاستكمال الرحلة إلى واشنطن.
على متن تلك الرحلة، سأله الصحفيون عن سبب إغلاق الستائر في أنقرة، فقال إن حياته مهددة دائمًا وإنه يحتل المرتبة الأولى على قائمة مستهدفي إيران، ثم أضاف: “لكن إذا ذهبتُ، تذهبون معي، أليس كذلك؟ ربما تريدون يومًا تغيير مهنتكم”. اكتسبت العبارة معنًى مختلفًا بعد انكشاف العملية؛ فقد كان ترمب يعرف وهم لا يعرفون أنه لم يسافر معهم في الجزء الذي استدعى إجراءات الحماية الاستثنائية.
طُعم أم إجراء أمني؟
أفادت “رويترز” بأن جهاز الخدمة السرية تلقَّى معلومات عن احتمال استهداف الطائرة الرئاسية بصاروخ محمول على الكتف، واعتبر التهديدَ جديًا ووشيكًا، مما دفعه إلى تغيير خطة سفر الرئيس في وقت قصير.
لكن مصدرًا آخر مطَّلعًا على التهديد قال إنه لم تكن هناك خطة تنفيذ واضحة لدى الجهات المعادية لترمب، وإنما نية محتملة، وهو ما سمح للطائرات الثلاث بالإقلاع.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تمنع القفز إلى استنتاج لا تُثبته المعلومات المتاحة؛ فلا يوجد دليل علني على أن الإدارة كانت تتوقع هجومًا مؤكدًا ثم قررت التضحية بالصحفيين، كما أن الطائرة حملت عددًا من أرفع مسؤولي الحكومة الأمريكية.
ومع ذلك، وصف مسؤول أمريكي الطائرةَ التي أقلَّت الصحفيين والموظفين بأنها كانت جزءًا من التمويه، بينما لم يُبلَّغ ركابها بأن تهديدًا أمنيًا دفع إلى إخراج الرئيس منها.
قال ترمب لاحقًا إن الطائرة الصغيرة التي سافر عليها ربما كانت أكثر عرضة للخطر، وإنه اتَّبع توجيهات الخدمة السرية والجيش، لكنه لم يقدم دليلًا على تقديره للمخاطر، كما لم يوضح البيت الأبيض لماذا استمرت الرواية المضللة بعد وصول الرئيس إلى مكان آمن.
سابقة كلينتون تكشف ما كان ممكنًا
استخدام طائرات التمويه ليس جديدًا في حماية الرؤساء الأمريكيين، لكن مقارنة ما جرى في أنقرة برحلة بيل كلينتون إلى باكستان عام 2000 تكشف موضع الخلل.
خلال رحلة كلينتون، ناقش المسؤولون الأمنيون خطةً تجعل الصحفيين يعتقدون أن الرئيس يسافر معهم بينما ينتقل إلى طائرة أخرى، لكن جو لوكهارت، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض آنذاك، اعترض قائلًا إنه لا يجوز استخدام الإعلام وسيلةً للتمويه.
عدَّل الفريق الأمني الخطة، وأُبلغت سوزان بيج، التي كانت ترأس رابطة مراسلي البيت الأبيض، مسبقًا بالإجراءات على أساس عدم النشر، ثم كُشفت تفاصيل العملية بعد انتهاء الخطر.
أما في رحلة ترمب، فلم يكن أيٌّ من الصحفيين المسافرين على علم بالخطة، ولم تكشف الإدارة ما حدث بعد وصول الرئيس، بل ظل الأمر مخفيًا لأكثر من شهر حتى نشرته الصحافة.
الفارق هنا ليس بين رئيس استخدم الحيلة وآخر امتنع عنها، وإنما بين إجراء أمني حافظ على وجود الصحافة المستقلة داخل دائرة المعرفة، وخطة جعلت الصحفيين جزءًا منها من دون موافقتهم.
علاقة مضطربة بالصحافة
جاء الكشف بينما كانت إدارة ترمب تخوض مواجهة أخرى مع “نيويورك تايمز” بسبب تقاريرها عن أوجه القصور الأمني في الطائرة الرئاسية المُهداة من قطر.
بعد نشر الصحيفة معلومات عن افتقار الطائرة إلى بعض وسائل الحماية الموجودة في الطائرات الرئاسية القديمة، أصدرت وزارة العدل استدعاءات قضائية بحق عدد من صحفييها سعيًا إلى معرفة مصادر معلوماتهم السرية. قالت الإدارة إن الأمر يتعلق بالتحقيق في تسريب يمس الأمن القومي، بينما رأت الصحيفة في الاستدعاءات محاولةً لترهيب الصحفيين ومصادرهم. واضطرت وزارة العدل لاحقًا إلى سحبها بعد أن شكَّك قاضٍ في قانونيتها وفي لجوء السلطات إلى الصحفيين قبل استنفاد وسائل التحقيق الأخرى.
لهذا لا يمكن فصل واقعة أنقرة عن سؤال أوسع يتعلق بموقع الصحافة داخل إدارة تنظر إلى التسريبات والتغطية الناقدة باعتبارهما تهديدًا ينبغي احتواؤه.
الصحفي ليس جزءًا من جهاز الحماية
ترافق “المجموعة الصحفية” الرئيسَ الأمريكي لتمثل بقية وسائل الإعلام والجمهور، وتسجل تحركاته وتصريحاته في اللحظات العادية والأزمات. وتصف رابطة مراسلي البيت الأبيض هذه التغطية بأنها سجل مستقل للرئاسة لا يجوز أن يعتمد فيه الأمريكيون على رواية مساعدي الرئيس وحدهم.
يُدرك الصحفي الذي يرافق رئيسًا في منطقة مضطربة أنه يقبل قدرًا من المخاطرة، لكنه يوافق على خطر مرتبط بالتغطية لا على أن يصبح عنصرًا سريًّا في خطة أمنية لا يعرف عنها شيئًا. وقد عبَّر مراسل في البيت الأبيض عن هذا الفارق لـ”واشنطن بوست”، مشترطًا حجب هويته، فقال إن مهمته تغطية الرئيس لا حمايته، وإن الصحفيين يخاطرون بسبب طبيعة عملهم لا نيابةً عن الرئيس.
لن تبدو هذه الحجة غريبة على الصحفي العربي الذي طالما وُضعت أمامه “ضرورات الأمن” لتقييد حقه في المعرفة أو مطالبته بالصمت. لكن أهمية واقعة أنقرة لا تكمن في مساواة النظام الأمريكي بأنظمة القمع، بل في إظهار مدى سرعة تآكل الضمانات حين تتحول السرية الأمنية من إجراء مؤقت إلى رواية رسمية مضللة.
لم تُثبت المعلومات المتاحة أن ركاب الطائرة كانوا أمام خطر محقق، لكن الثابت أنهم أُبقوا في الظلام، واستُخدمت الطائرة التي تُقلُّهم جزءًا من عملية التمويه، ثم استمر إخفاء الحقيقة بعد انتهاء الرحلة.
يمكن للضرورة الأمنية أن تبرر تغييرَ الطائرة والطريق، لكنها لا تبرر تحويل الصحفي من شاهد مستقل إلى تفصيل مجهول داخل الخطة، ولا إبقاءَ السجل العام للرئاسة أسيرَ رواية ثبت لاحقًا أنها لم تكن صحيحة.

