صعد لبنان في مؤشر “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة 25 مرتبة خلال عامين، من المركز 140 عام 2024 إلى 115 بين 180 دولة في أبريل 2026، بدرجة 46.49 من مئة. لكن المؤشر صدر بعد أسابيع من مقتل صحافيين في الجنوب، والأرجح أنه يعكس انتخاب رئيس وتشكيل حكومة وتقدّم قانون الإعلام، لا تحسّن أمان الصحافيين.
وفي تفاصيل المؤشر جاء البعد الاقتصادي الأضعف بدرجة 32.96، أي أن الخطر الأول على الصحافة اللبنانية اليوم مالي قبل أن يكون سياسياً. وتصف المنظمة لبنان بأنه يملك مساحة حقيقية للتعبير، لكن قلة من العائلات وأصحاب الارتباطات السياسية تتحكم في قطاعه الإعلامي. ويمنحه تقرير “فريدم هاوس” لعام 2026 درجة 41 من 100 ويصنّفه “حراً جزئياً”.
فالإعلام في لبنان لم يعمل يوماً كسوق يتنافس فيها المنتجون على الجمهور، بل كبرلمان ثانٍ يُبث على الهواء، لكل زعامة طائفية أو حزبية مقعد فيه، ولكل مقعد جمهوره ومموّله وخطوطه الحمر.
وأعدّ فريق مرصد الإعلام العربي قاعدة رصد تضم 100 مؤسسة ومنصة لبنانية، من التلفزيون والإذاعة والصحف ووكالات الأنباء والمواقع والمنصات المستقلة والقنوات الرقمية، ويعرضها الملحق كاملة. ويتوسع التقرير في أربعة ملفات: سيطرة المال على المؤسسات، والإعلام الديني والطائفي، والصحافة المكتوبة، والإعلام المستقل.
رخص 1996: كيف وُزّعت المقاعد؟
أنهى قانون البث رقم 382 لعام 1994 احتكار الدولة للموجات، لكن الرخص الأولى التي وُزّعت عام 1996 لم تذهب إلى المشاريع الأكفأ مهنياً، بل إلى رؤساء الحكم وأقاربهم وحلفائهم، كما وثّقت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير صدر في أبريل 1997. فذهب تلفزيون “المستقبل” إلى مقربين من رئيس الحكومة رفيق الحريري، وMTV إلى غبريال المر شقيق وزير الداخلية ميشال المر، وNBN إلى محيط رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما احتفظت LBCI بموقعها بحكم الأمر الواقع. ودفعت MTV ثمن موقفها حين أُغلقت بقرار قضائي في سبتمبر 2002 بعد انتخابات فرعية في المتن خاضها غبريال المر ضد السلطة الموالية لدمشق، ولم تعد إلا في أبريل 2009. أما OTV، التي رخّصها مجلس الوزراء في يونيو 2006 للتيار الوطني الحر بعد عودة ميشال عون من المنفى، فكانت آخر محطة كبرى تنضم إلى هذا البرلمان. وبعد اغتيال الحريري عام 2005 انقسمت الخريطة إلى معسكرين: “النهار” و”المستقبل” و”لوريان لو جور” في صف 14 آذار، و”السفير” و”الأخبار” و”المنار” وNBN وOTV في صف 8 آذار، بينما تنقّلت “الجديد” وLBCI بين المواقع.
ومنذ ذلك الحين تتغير الوجوه وتبقى القاعدة نفسها: من يملك المقعد السياسي يملك الموجة، ومن يخسر المقعد أو المموّل يُطفئ الشاشة، كما فعل سعد الحريري حين علّق بث تلفزيون “المستقبل” في 18 سبتمبر 2019.
ووجد “مرصد ملكية وسائل الإعلام”، الذي أطلقته “مراسلون بلا حدود” ومؤسسة سمير قصير عام 2018، أن 29 من أصل 37 وسيلة إعلامية هي الأوسع انتشاراً مملوكة للدولة أو لسياسيين حاليين أو سابقين أو لأحزاب، وهي أعلى نسبة بين 16 دولة شملها المشروع في ذلك الوقت.
وفي تحديثه عام 2024، تبيّن أن المحطات الثماني والصحف العشر التي درسها مرتبطة كلها بجهات سياسية، وأن 43 وزيراً أو نائباً، حالياً أو سابقاً، يملكون حصصاً في الشركات المالكة لها، وأن أياً منها لم يقدّم بيانات مالية كاملة. وأظهر مسح للجمهور أجراه المرصد في فبراير 2024 أن أربع محطات، هي MTV وLBCI و”المنار” و”الجديد”، تستحوذ معاً على نحو 80% من المشاهدة، وأن 65% من المشاركين في المسح لا يستمعون إلى الراديو، و72% لا يقرؤون الصحف الورقية.
الإعلام الرسمي: ملكية الدولة ليست خدمة عامة
تملك الدولة تلفزيون لبنان وإذاعة لبنان والوكالة الوطنية للإعلام، لكن ذلك لا يجعلها إعلام خدمة عامة مستقلاً. فحصة تلفزيون لبنان من المشاهدة لا تتجاوز نحو 1% بحسب مسح 2024، وموازنته السنوية نحو 20 مليار ليرة، أي ما يقارب 223 ألف دولار بسعر صرف منتصف 2025. وفي يوليو 2025 عيّن مجلس الوزراء إليسار نداف جعجع رئيسة لمجلس الإدارة ومديرة عامة، فكانت أول امرأة تتولى قيادة المؤسسة، وقالت لاحقاً إنها اضطرت أحياناً إلى العمل بموازنات صفرية. وحاول وزير الإعلام بول مرقص إنعاش المحطة، فأعاد نشرة الأخبار بالفرنسية في فبراير 2025، واقترح مجلس إدارة جديداً لم يُقرّ، ثم علّق مجلس الوزراء في أبريل 2026 خطة لصرف موظفين فيها من دون إعلان عددهم. وتبقى الوكالة الوطنية للإعلام، التي يعمل فيها نحو 300 موظف، المصدر الأكثر استخداماً للخبر الرسمي في غرف الأخبار الخاصة.
وفي حرب 2026، وبعد قرار الحكومة في 2 مارس 2026 حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله، امتنع تلفزيون لبنان عن النقل المباشر لكلمة الأمين العام للحزب نعيم قاسم، وتلقت المؤسسات الرسمية توجيهاً بعدم بث كلمات قادة الحزب كاملة، وبتجنّب عبارة “المقاومة الإسلامية” إلا في النصوص المنقولة. فتغيّر ما يُقال على الشاشة الرسمية، لكن على شاشة لا يتابعها إلا القليل.
الشاشات التجارية الكبرى: تجارة وسياسة
تتصدر المشهد ثلاث محطات خاصة ليست حزبية، لكنها لا تنفصل عن السياسة. فقد أسست القوات اللبنانية LBCI عام 1985، لكنها صارت اليوم شركة يملك فيها بيار الضاهر وعائلته 46.57% مباشرة، ونحو 50.6% مع الحصص غير المباشرة، ويملك عصام فارس ونجله نحو 20%، بعد سلسلة من التحكيمات مع الأمير الوليد بن طلال انتهت لمصلحة المحطة. وتجمع المحطة البرامج الحوارية، مثل “جدل” لماريو عبود و”عشرين 30″ لألبير كوستانيان، والبرامج الاجتماعية والدراما على قناتها الثانية LB2. وفي مايو 2026 حذفت المحطة فيديو كاريكاتورياً بطلب من النيابة العامة، في الشهر نفسه الذي أصدر فيه حزب الله بياناً اتهم فيه فيديوهاتها بتجاوز حدود الخلاف السياسي.
أما MTV فتملكها عائلة المر ويرأسها ميشال غبريال المر، الذي وسّع مجموعته خلال عامين، فحصل على رخصة صحيفة “نداء الوطن” عام 2024، وأطلق في يوليو 2025 قناة “أنا سوريا” التي تبث من استوديوهات مرتبطة بالمحطة، ثم إذاعة MFM الإخبارية في سبتمبر 2026.
ويرتبط خط MTV بالمعسكر السيادي المعارض لحزب الله، وأبرز برامجها السياسية “صار الوقت” الذي يقدمه مارسيل غانم أسبوعياً منذ أغسطس 2018. لكن التوسع لم يحمِ العاملين، ففي أبريل ومايو 2026 أُبلغ عشرات الموظفين في MTV و”نداء الوطن” بإنهاء عملهم أو بخفض رواتبهم بنسبة تصل إلى 25%، بحجة صعوبات في التمويل.
وتملك عائلة تحسين خياط 58.13% من الجديد، وهي محطة ذات تاريخ يساري ومواقف متقلبة، تقدّم ثلاثة أنواع من المحتوى لا يصح الحكم عليها معاً. الأول صحافة استقصائية حقيقية يمثلها برنامج “يسقط حكم الفاسد” والصحافي رياض قبيسي، الذي أوقف عام 2013 بسبب تحقيقه في فساد الجمارك، وما يزال ملفه معلقاً أمام القضاء العسكري. والثاني تعليق سياسي يتبع مصالح المالك وتحالفاته. والثالث برامج اجتماعية تقوم على الإثارة والجدل مثل “فوق الـ18”. وأدان قاضي المحكمة الخاصة بلبنان عام 2015 كرمى خياط، ابنة المالك والمسؤولة في إدارة الأخبار، بتهمة تحقير المحكمة بعد بث هويات أشخاص قُدّموا على أنهم شهود، ثم برّأتها هيئة الاستئناف في مارس 2016.
الإعلام الحزبي: صوت التنظيم
قناة المنار هي المثال الأوضح على الإعلام الحزبي المباشر في لبنان. تملكها بالكامل “المجموعة اللبنانية للإعلام” التابعة لحزب الله، التي تضم أيضاً إذاعة “النور” وموقع “العهد” الإخباري. وقد صنّفت وزارة الخزانة الأمريكية القناة كياناً إرهابياً عام 2006. ولا تنشر المجموعة حسابات مالية، والمتاح فقط تقدير لمؤسسة “راند” عام 2017 بموازنة تقارب 15 مليون دولار سنوياً. وفي 3 مارس 2026 أصابت غارات إسرائيلية مبنى القناة في حارة حريك، وطالت مقر الإذاعة القريب منه، لكن البث لم يتوقف.
ولكل حزب كبير منبره، وإن اعتمد معظمها على الإذاعة أكثر من التلفزيون. فحركة أمل ومحيط رئيس مجلس النواب نبيه بري حاضرون عبر قناة NBN، التي تملك عائلة حمدان نحو 29.8% منها وأقارب بري نحو 19.7%، وعبر إذاعة “الرسالة”. ويملك التيار الوطني الحر قناة OTV، التي أُطلقت بنموذج “اكتتاب شعبي” شارك فيه أكثر من 7,000 مكتتب.
واكتفت الأحزاب الأصغر بالإذاعة أو الصحيفة. فللقوات اللبنانية إذاعة “لبنان الحر”، ولحزب الكتائب إذاعة “صوت لبنان”، وهي مؤسسة مختلفة عن إذاعة “صوت كل لبنان” المملوكة لآل الخازن رغم تشابه الاسمين. وللحزب الشيوعي إذاعة “صوت الشعب”، وللحزب السوري القومي الاجتماعي جريدة “البناء” اليومية، وللجماعة الإسلامية إذاعة “الفجر” ومجلة “الأمان” الأسبوعية.
أما قناة الميادين فوضعها مختلف، فهي ليست ملكاً لحزب لبناني، بل شبكة إخبارية إقليمية انطلقت من بيروت عام 2012 بإدارة غسان بن جدو. واصطفافها مع “محور المقاومة” ثابت، لكنها تقول إن تمويلها يأتي من رجال أعمال عرب لم تكشف أسماءهم. وقد فقدت ستة من طاقمها منذ 2023، وحظرت إسرائيل عملها في يناير 2026.
الإعلام الديني والطائفي: المذبح والمنبر والشاشة
يفرّق التقرير بين أربعة مفاهيم يجري الخلط بينها كثيراً. فالإعلام الديني ينشر معرفة أو هوية دينية، والإعلام الحزبي يتبع حزباً تنظيمياً أو مالياً، والإعلام ذو القاعدة الطائفية تأتي ملكيته أو جمهوره من طائفة بعينها. أما الخطاب الطائفي فيجعل الانتماء سبباً للتخوين أو الإقصاء، ولا يصح افتراضه لمجرد توفر إحدى الصفات الثلاث الأولى. وقد حظر قانون البث لعام 1994 التحريض الطائفي، لكنه أعطى المجلس الوطني للإعلام صلاحيات استشارية فقط، فبقيت الرقابة بلا أدوات فعلية.
المؤسسات المسيحية: أكبرها قناة “تيلي لوميار”، التي تأسست عام 1991 جمعيةً لا تبغي الربح، وتعمل تحت إشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، وتقول إنها تعتمد على التبرعات وحدها ولا تبث إعلانات تجارية. وأطلقت قناة “نورسات” الفضائية عام 2003، ثم قناة “نوركيدز” للأطفال عام 2014. وإلى جانبها إذاعة “صوت المحبة” التي أطلقتها جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة عام 1984، وقناة “Charity TV” التابعة للجمعية نفسها منذ 2009. وقد دمّر تفجير مقر الإذاعة عام 2005. وتبتعد هذه المؤسسات عن الأخبار السياسية المباشرة.
المؤسسات الشيعية: يصعب هنا الفصل بين الديني والحزبي. فقناة “المنار” وإذاعة “النور” جزء من منظومة حزب الله، وتبثان برامج دينية إلى جانب الخطاب التعبوي. وطالت حرب 2024 قنوات أصغر قريبة منها، مثل قناة “الصراط” وقناة “طه” للأطفال. لكن البيئة الشيعية لا تتكلم بصوت واحد. ففي أغسطس 2025 اتهمت مؤسسة المرجع الراحل محمد حسين فضل الله، التي ترتبط بها قناة “الإيمان”، قناة “المنار” بإعادة إحياء الهجوم عليه، قبل أن يزورها وفد من حزب الله ويطوي الخلاف. ويعارض موقع “جنوبية” الحزب من داخل البيئة نفسها.
المؤسسات السنية والدرزية والأرمنية: البيئة السنية هي الأقل حضوراً في الإعلام الديني الكبير، وأبرز منابرها إذاعة “الفجر” ومجلة “الأمان” التابعتان للجماعة الإسلامية. أما جريدة “الأنباء”، التي تحولت إلى موقع إلكتروني منذ 2012، فهي صوت الحزب التقدمي الاشتراكي وليست مؤسسة دينية درزية. وتجمع الصحف الأرمنية، مثل “أزتاك” و”زارتونك”، وإذاعة “فان”، بين اللغة والهوية والانتماء الحزبي.
الخطاب الطائفي: الخطر الأكبر يأتي من الخطاب الطائفي على الشاشات العامة، لا من القنوات التي تعلن هويتها الدينية. فقد خلصت دراسة لمؤسسة سمير قصير في مارس 2024 إلى أن الجمهور يرى وسائل الإعلام كلها ناقلة لخطاب الكراهية، وأن الطائفة الشيعية تُحمَّل جماعياً مسؤولية أفعال حزب الله. وبعد مقتل باسكال سليمان، المسؤول في القوات اللبنانية، في أبريل 2024، حللت المؤسسة عينة من الرسائل المتداولة، فوجدت أن 62.5% منها تضليل، و20.2% خطاب كراهية، وأن أكثر من نصف المنشورات المتعلقة باللاجئين دعت إلى ترحيل السوريين. ولم يصدر المجلس الوطني للإعلام، بحسب ما رصده الفريق، أي قرار بشأن التحريض الطائفي خلال 2025 و2026.
الإذاعة: الصوت اليومي للزعامات
خسرت الإذاعة جزءاً كبيراً من جمهورها، إذ أظهر مسح مرصد ملكية وسائل الإعلام في فبراير 2024 أن نحو ثلثي اللبنانيين لا يستمعون إليها. لكن قيمتها بقيت عند الأحزاب والعائلات السياسية، لأن تشغيلها أرخص بكثير من التلفزيون، ولأنها تتيح للزعيم مخاطبة أنصاره يومياً. ولذلك يملك أحزاب أو عائلات سياسية معظم الإذاعات الإخبارية، بحسب المرصد.
وفي مقدمة هذه الإذاعات إذاعة لبنان الرسمية، التي بدأت في سبتمبر 2026 بث برامجها بالصوت والصورة من استوديوهاتها. وفي القطاع الخاص، يملك النائب إلياس بو صعب إذاعة “صوت المدى” بالكامل تقريباً، واحتفظ بها بعد إخراجه من التيار الوطني الحر في أبريل 2024، وهو مثال على أن الإذاعة في لبنان تتبع مالكها قبل حزبه. وكانت النائبة السابقة بهية الحريري تملك إذاعة “الشرق” بالكامل تقريباً، قبل أن تنتقل عام 2025 إلى شركة مسجلة في الإمارات. ويخلط كثيرون بين إذاعة “صوت لبنان” التابعة لحزب الكتائب وإذاعة “صوت كل لبنان” المملوكة لآل الخازن، مع أنهما مؤسستان منفصلتان بينهما نزاع قضائي على الاسم.
ودفعت إذاعات الجنوب ثمن الحرب مباشرة. ففي 2 مارس 2026 دمّرت غارة إسرائيلية مبنى إذاعة “صوت الفرح” في صور بالكامل وأتلفت أرشيفها، وبعد نحو شهر قُتلت مذيعتها غادة الدايخ. ويعكس انتقال الترددات تغيراً في النفوذ الخارجي، فحين أوقفت هيئة الإذاعة البريطانية بثها العربي في يناير 2023، انتقل ترددها في لبنان بعد أشهر إلى إذاعة “سبوتنيك” الروسية الناطقة بالعربية.
الصحافة اللبنانية: من ريادة المنطقة إلى أفول الورق
قبل أن تصبح بيروت مدينة الشاشات، كانت عاصمة الصحافة العربية. ففي عام 1858 أصدر خليل الخوري “حديقة الأخبار”، أول صحيفة عربية خاصة في المشرق. وامتد أثر الصحافيين اللبنانيين إلى خارج بلدهم، فأسس الأخوان تقلا صحيفة “الأهرام” في مصر عام 1876، وأطلق جرجي زيدان مجلة “الهلال” عام 1892. وفي القرن العشرين وُلدت المؤسسات التي صنعت سمعة هذه الصحافة: “لوريان” عام 1924، التي اندمجت مع “لو جور” عام 1971، و”النهار” عام 1933، و”الحياة” عام 1946، و”السفير” عام 1974. وفي السبعينيات كانت كل من “النهار” و”السفير” توزع بين 70 و80 ألف نسخة يومياً، وبلغ هذا الدور ذروته عام 1986، حين كشفت مجلة “الشراع” صفقة السلاح الأمريكية السرية مع إيران، التي عُرفت بفضيحة “إيران كونترا”.
ودفعت هذه الصحافة ثمن حريتها من دماء أصحابها، من اغتيال كامل مروة مؤسس “الحياة” عام 1966، وسليم اللوزي صاحب “الحوادث” عام 1980، إلى اغتيال سمير قصير وجبران تويني عام 2005. كما قيّدتها بنية المهنة نفسها، فقد جمّد قانون المطبوعات لعام 1962 منح رخص جديدة، فصارت الرخصة السياسية سلعة نادرة تُباع وتُشترى أو تبقى “نائمة” بلا صدور. ويبلغ عدد هذه الرخص نحو 110، لكن ما يصدر منها يومياً اليوم لا يتجاوز ثماني صحف.
ثم بدأ التراجع. فقد انخفض توزيع “السفير” من أكثر من 50 ألف نسخة عام 2010 إلى أقل من 10 آلاف عام 2016، وفي اليوم الأخير من ذلك العام أصدرت عددها الأخير بعد 42 عاماً. وتوالت الإغلاقات بعدها، فأغلقت “الحياة” مكاتبها في بيروت عام 2018، وتوقفت “الأنوار” ومجلات دار الصياد في العام نفسه. وفي مطلع 2019 أصدرت “المستقبل” عددها الورقي الأخير واكتفت بموقعها الإلكتروني، وتوقفت “ديلي ستار” عن الطباعة في فبراير 2020، ثم أُغلق موقعها في أكتوبر 2021. وفي 2024 مرت صحيفتان بأزمة حادة، فأُغلقت “نداء الوطن” قبل أن تعود بملكية جديدة، وعلّقت “الجمهورية” الطباعة شهراً قبل أن تستأنفها.
وتصدر اليوم ثماني صحف يومية، هي “النهار” و”الأخبار” و”نداء الوطن” و”الديار” و”اللواء” و”الشرق” و”الجمهورية” و”البناء”. وقد أعادت “النهار” إطلاق نفسها عام 2024 بطبعة مصغرة، وتوسعت نحو الخليج عبر منصة “النهار العربي” التي افتتحت مكتباً في دبي عام 2022. وأطلقت “لوريان لو جور” عام 2020 نسخة إنجليزية باسم “لوريان توداي”، معتمدة على دعم القراء. أما “المستقبل” و”السفير” فصارتا جزءاً من الأرشيف.
ولا تزال الصحف الباقية تحمل بصمات ملكيتها السياسية. فـ”النهار” تملك عائلة تويني نحو 42% منها، وتملك عائلة الحريري حصة تقارب 40%. و”الأخبار” يملكها إبراهيم الأمين ويوسف وهبي، وخطها قريب من حزب الله من دون أن يكون الحزب مالكاً لها. و”الديار” لشارل أيوب، و”الجمهورية” لعائلة ميشال إلياس المر، و”اللواء” لعائلة صلاح سلام. أما “الشرق” فيملكها عوني الكعكي، نقيب الصحافة منذ 2015، ما يعكس التداخل بين ملكية الصحف وتمثيل المهنة. وتحافظ الصحافة الأرمنية على استمرارية لافتة، إذ تصدر “أزتاك” منذ 1927 ناطقة باسم حزب الطاشناق.
ومع الوقت انتقل الثقل إلى المواقع الإلكترونية، لكنها ورثت الانقسام نفسه. فموقع “لبنان 24″ لعائلة ميقاتي، و”النشرة” لأرز المر وتميل إلى التيار الوطني الحر، و”ليبانون فايلز” لربيع الهبر، فيما يقف موقعا “أساس ميديا” و”هذا بيروت” في المعسكر السيادي. وبقيت هذه المواقع حتى صدور قانون الإعلام عام 2026 من دون ترخيص، ومن دون إفصاح عن ملكيتها وتمويلها.
ومن أبرز المواقع التي خرجت من رحم الصحافة الورقية موقع “المدن”، الذي انطلق من بيروت مطلع العقد الماضي بوصفه صحيفة إلكترونية لا نسخة رقمية من جريدة مطبوعة، وتولى رئاسة تحريره الصحافي ساطع نور الدين، أحد أبناء مدرسة “السفير”. ويقدّم الموقع نفسه منبراً علمانياً يعارض الاستبداد السياسي والديني، ويركز على لبنان وسوريا وفلسطين، وعُرف بخط ناقد للأحزاب الطائفية وفي مقدمتها حزب الله، وبتغطيته الواسعة للثورة السورية.
الفضاء الرقمي: جمهور على الهاتف ومعارك على المنصات
بحسب تقرير DataReportal لعام 2026، يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في لبنان نحو 5.38 مليون، أي 91.8% من السكان، وصار الهاتف الشاشة الأولى لكثير منهم. لكنه يتجه إلى الترفيه أكثر من الأخبار، فلا توجد أي محطة إخبارية بين القنوات اللبنانية العشرين الأكبر على يوتيوب، وتتجاوز قناة مالك مكتبي الشخصية، بنحو 6 ملايين مشترك، أي قناة إخبارية بمفردها. وفي المقابل ظهرت قنوات سياسية مستقلة بذاتها، مثل “Spot Shot” لميشال قنبور بنحو 719 ألف مشترك، و”بالمباشر” بنحو 238 ألفاً، و”المحطة” القريبة من محور المقاومة بنحو 154 ألفاً.
ولم يعد الفضاء الرقمي مكاناً للنقاش فقط، بل صار ساحة لحملات منظمة. فقد وثّق مختبر DFRLab مع مؤسسة سمير قصير حملة تشهير يُرجّح أنها منسقة، أطلقتها حسابات مؤيدة لحزب الله في نوفمبر 2023، واستهدفت الإعلامية ديما صادق وإعلاميين آخرين بأكثر من 40 ألف رد وإشارة، من دون أن تثبت صلتها بقيادة الحزب.
وفي الاتجاه المعاكس، وثّق الباحث مارك أوين جونز، أستاذ دراسات الإعلام في جامعة نورثويسترن في قطر، بالتعاون مع صحافيين من وكالة فرانس برس، حملة إلكترونية حملت اسم “لبنان لا يريد الحرب” وعملت تحت اسم One Peace Global بين 2023 و2024. وبحسب أرقام فيسبوك التي أوردها التحقيق، أنفقت الحملة 1.2 مليون دولار على الأقل على الإعلانات الممولة، ودُفع بعضها بالعملة الفيتنامية، وبقيت الجهة التي تديرها مجهولة. ثم كشف تحقيق لشبكة “أريج” للصحافة الاستقصائية في أغسطس 2026 شبكة من نحو 30 حساباً منسقاً، نشرت أكثر من ألف منشور على منصة X بين مايو 2025 ومايو 2026، واستخدمت مقاطع مفبركة بالذكاء الاصطناعي، منها مقطع يُظهر الرئيس جوزاف عون يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للترويج لرسالة واحدة هي نزع سلاح حزب الله والسلام مع إسرائيل. ورجّح التحقيق أن تكون هذه الشبكة امتداداً للحملة السابقة، لأنها استخدمت الوسوم نفسها.
المستقلون: صحافة خارج الخريطة الطائفية
لم يولد الإعلام المستقل في لبنان مع الأزمة، لكن الأزمة هي التي صنعت جمهوره. فقد سبقته منصات قليلة، مثل “المفكرة القانونية” التي تأسست في بيروت عام 2009 لمتابعة القضاء والتشريع، و”رصيف22″ التي انطلقت من بيروت عام 2013 منصةً عربية، و”شريكة ولكن” التي بدأت برنامجاً إذاعياً قبل أن تعيد جمعية “في-مايل” إطلاقها منصةً نسوية إلكترونية عام 2015. ثم جاء الانهيار المالي واحتجاجات أكتوبر 2019 وانفجار المرفأ في 4 أغسطس 2020، فبحث جمهور واسع، أغلبه من الشباب، عن رواية لا تمر عبر الزعيم أو المصرف. ومن هنا برزت منصات لا تملكها عائلة ولا يموّلها حزب، وتحدد موقعها من السلطة كلها، لا من طائفة بعينها.
مَن هم، ومَن يموّلهم؟
أبرز هذه المنصات اثنتان. الأولى ميغافون، التي بدأت عام 2017 مبادرة تطوعية لناشطين طلابيين علمانيين، ثم تحولت إلى مؤسسة صحفية محترفة يديرها أحد مؤسسيها جان قصير. وتعتمد المنصة على المنح، وتنشر أسماء مانحيها على موقعها، ومنهم الصندوق الأوروبي للديمقراطية الذي دعمها منذ انطلاقتها، وInternational Media Support، ومؤسسات المجتمع المفتوح، ومؤسسة سمير قصير، ومؤسسات ألمانية ونرويجية. ومنحها الصندوق الدولي لوسائل الإعلام ذات المصلحة العامة (IFPIM) تمويلاً بين يوليو 2024 ويوليو 2026 لم تُعلن قيمته. وبحسب أرقام نشرها الصندوق، يعمل في المنصة 28 موظفاً بدوام كامل، وأنتجت أكثر من 3,400 مادة عام 2025، وتجاوز عدد متابعيها المليون في منتصف 2026.
والثانية درج، التي أطلقها في نوفمبر 2017 الصحافيون عليا إبراهيم وديانا مقلد وحازم الأمين، وتتخصص في التحقيقات الاستقصائية. وقالت المنصة لمعهد رويترز عام 2023 إن نحو 80% من دخلها يأتي من المنح، والباقي من أعمال الإنتاج. ودعمها صندوق IFPIM من 2023 حتى أواخر 2025. واتسع جمهورها خارج لبنان، فارتفع عدد متابعيها في سوريا بنسبة 46% بعد سقوط نظام الأسد.
وإلى جانبهما منصات أصغر بنماذج مختلفة. فمنصة “مصدر عام”، التي ترأس تحريرها لارا بيطار وانطلقت مطلع 2020، تنشر محتواها من دون إعلانات، وتعتمد على المانحين ودعم القراء. وفي مجال التحقق من الأخبار برزت منصة “صواب”، التي انطلقت عام 2022 وانضمت عام 2026 إلى الشبكة الدولية لتقصي الحقائق. ودفعت المنصة ثمن الحرب، إذ أصيبت مدققتها آلاء حيدر سلمان في غارة إسرائيلية على منزل عائلتها في بلدة معركة الجنوبية في 18 مايو 2026، وتوفيت في 14 يونيو بعد أسابيع في الغيبوبة.
ثمن الاستقلال: المحاكم والحملات والمانحون
جاءت كلفة هذا الدور من القضاء أكثر مما جاءت من السوق. فبحسب تقرير لمنظمة “هيفوس” صدر في ديسمبر 2025، رُفعت على “درج” 14 دعوى على الأقل منذ 2023، أغلبها من مصارف وسياسيين، ووصفتها منظمة International Media Support بأنها تحمل كل سمات الدعاوى التي يُراد بها إسكات الصحافة لا كسب القضية. وكسبت “درج” إحدى هذه الدعاوى، التي رفعها المصرفي أنطون صحناوي، بعدما رأت المحكمة أن المصلحة العامة تحمي حق النقد.
وبلغت المواجهة ذروتها في مارس 2025، حين قدّم ثلاثة محامين إخباراً ضد “درج” و”ميغافون” بتهمتي المس بمكانة الدولة المالية وتلقي تمويل خارجي مشبوه، فاستدعت النيابة العامة التمييزية مسؤولي المنصتين في أبريل. ورأى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أن الهدف الأول للحملة كان تأمين تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، وهو ما حدث في 27 مارس 2025، وذكر في تقرير لاحق في ديسمبر 2025 أن صحناوي رعى البرنامج التلفزيوني الذي قاد الحملة. ووقّعت لجنة حماية الصحافيين و59 منظمة أخرى بيان تضامن مع المنصتين، وطالبت منظمة العفو الدولية بإسقاط الإخبار. وفي أبريل 2026 حفظت النيابة العامة التمييزية شكوى مماثلة ضد حملة “كلنا إرادة” لعدم وجود أساس لها. واستمرت الملاحقات، ففي نوفمبر 2025 تلقى جان قصير وسامر فرنجية، رئيس تحرير “ميغافون”، استدعاءين جديدين، أحدهما بناء على شكوى من النائب جبران باسيل، فطعن محاميهما في صلاحية الجهة التي استدعتهما، معتبراً أن القضية من اختصاص محكمة المطبوعات.
وزاد تجميد التمويل الأمريكي مطلع 2025 من هشاشة هذه المنصات. فقد شمل مسح أجرته مؤسسة سمير قصير 18 مؤسسة إعلامية، وتبيّن أن 8 منها تضررت مباشرة. وحذرت المؤسسة من أن تراجع التمويل قد يقلّص التنوع ويمنح المؤسسات الحزبية مساحة أكبر، لأن غياب المانح الغربي لا يعيد الإعلام إلى السوق، بل إلى المال السياسي. ولهذا تجرّب “درج” و”ميغافون” نماذج الاشتراك والإعلانات الرقمية لتخفيف اعتمادهما على المنح.
ويضيف قانون الإعلام الجديد، النافذ منذ 3 سبتمبر 2026، اختباراً جديداً. فهو يعفي المنصات الإلكترونية من الترخيص المسبق، لكنه يلزمها بنشر اسم المالك والمدير المسؤول، وبالإفصاح سنوياً عن مصادر دخلها، بما فيها المنح والهبات، ما يعني أن تمويل المنصات المستقلة سيصبح علنياً بحكم القانون. وهذه فرصة لإثبات شفافيتها، لكنها أيضاً مادة جاهزة لحملات التشكيك في “الإعلام الممول”، التي عادت في 2026 لتطال صحافيين ميدانيين باتهامات الخيانة والأموال المشبوهة، بحسب مؤسسة سمير قصير ويورونيوز. ويبقى السؤال المهم في تقييم هذه المنصات ليس ما إذا كانت تتلقى تمويلاً، بل من يموّلها، وبأي شروط، وهل يستطيع محرروها رفض طلبات الممول.
سيطرة المال: مَن يدفع ثمن الإعلام؟
سوق الإعلان في لبنان صغيرة جداً قياساً بعدد وسائل الإعلام. ولا توجد أرقام مدققة عن حجمها، لكن بحسب رئيس جمعية الإعلان جورج جبور، تجاوزت السوق في ذروتها، مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، 180 مليون دولار، ثم تراجعت مع الأزمة المالية إلى نحو 22 مليوناً عام 2021، قبل أن تتعافى جزئياً إلى نحو 80 مليوناً عام 2025، يذهب جزء كبير منها إلى المنصات العالمية وليس إلى المؤسسات اللبنانية. ولأن سوقاً بهذا الحجم لا تكفي لتمويل عشرات المحطات والصحف، كان جزء كبير من المال الذي دخل الإعلام يشتري موقفاً أو حماية أو ظهوراً، لا مساحة إعلانية فقط. ويمكن تتبع هذا المال عبر أربعة مسارات.

المسار الأول: المصارف
أشارت دراسة نشرتها “مبادرة سياسات الغد” عام 2022 إلى أن المصارف اللبنانية أنفقت نحو 1.17 مليار دولار على الإعلان التلفزيوني بين 2012 و2021، معظمها قبل الانهيار، وأن الإنفاق بلغ ذروته عام 2018 بنحو 215 مليون دولار.
وذهب 97% من هذا المال إلى ست محطات فقط، هي MTV وLBCI و”الجديد” وNBN و”المستقبل” وOTV. ولاحظت الدراسة أن تغطية هذه المحطات للانهيار جاءت متطابقة إلى حد بعيد مع رواية جمعية المصارف، التي حمّلت الدولة وحدها مسؤولية ضياع الودائع. ولم تثبت الدراسة أن الإعلان اشترى هذا الموقف، لكنها سألت: هل تستطيع محطة تعيش من إعلانات المصارف أن تحاسبها؟ وفي التحقيق القضائي الفرنسي بملف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، سُئل رئيس مصرف الموارد مروان خير الدين عن تحويلات من حساب سلامة الشخصي، تراوحت بين 100 و300 مليون ليرة، إلى خمسة إعلاميين ومعلقين، بينهم صاحب جريدة “الديار” شارل أيوب. وورود الاسم في التحقيق لا يعني الإدانة، لكنه يدل على أن التأثير في الإعلام لم يمر دائماً عبر الإعلان المعلن.
المسار الثاني: المصرفي الذي صار لاعباً إعلامياً
يمثل هذا المسار أنطون صحناوي، رئيس مجلس إدارة “سوسيتيه جنرال بنك في لبنان” ومالك أكثر من نصف أسهمه. ويصف معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) مواقع “هنا لبنان” وThis is Beirut وIci Beyrouth بأنها منصاته، ويقول إنه موّل عام 2025 حملة إعلامية على منصتي “درج” و”ميغافون” وحملة “كلنا إرادة”، شاركت فيها تقارير بثتها MTV، وإنه رعى البرنامج الحواري الذي قاد هذه الحملة. ويلجأ صحناوي أيضاً إلى القضاء، فقد رفع دعاوى على صحافيين ومنصات، منها “درج” التي كسبت الدعوى، و”نقد ميديا”، والنائبة بولا يعقوبيان. وفي يوليو 2026 رفضت قاضيتان طلبين منه لوقف نشر سلسلة تحقيقات عنه في “لوريان لو جور”.
المسار الثالث: المال الخارجي
أوضح وثائقه “البرقيات السعودية” التي نشرها موقع “ويكيليكس” عام 2015. فبحسب وكالة أسوشيتد برس، طلبت MTV من الرياض 20 مليون دولار، فأوصت وزارة الخارجية السعودية بخمسة ملايين، ووافق الملك على مليونين تُدفع على أربع دفعات، بشرط أن تواجه المحطة الإعلام المعادي للمملكة. وكشفت برقيات أخرى ضغوطاً على LBC عبر عقود الإعلان. وفي الجهة الأخرى، تأسست “المنار” عام 1991 بتمويل إيراني، فيما تنفي “الميادين” تلقي أي تمويل إيراني، وتقول إن مالكيها رجال أعمال عرب لم تكشف أسماءهم. أما التمويل الغربي، الذي يعتمد عليه الإعلام المستقل خصوصاً، فاهتز حين علّقت الإدارة الأمريكية مساعداتها الخارجية في يناير 2025.
المسار الرابع: المال الانتخابي
في مواسم الانتخابات يتحول وقت البث إلى سلعة. ففي انتخابات 2018 قالت رولا مخايل، مديرة مؤسسة مهارات، إن كلفة “الباقات” الإعلامية وصلت إلى 1.5 مليون دولار للائحة الواحدة. وفي انتخابات 2022 روى المرشح زياد أبي شاكر أن مدير قناة كبرى عرض عليه الظهور ثلاث أو أربع دقائق في برنامج حواري مقابل 25 ألف دولار. وهكذا تعمل الشاشة في موسم الانتخابات بمنطق السوق، فمن يدفع يظهر، ومن لا يملك المال يغيب.
ولا يختفي المال السياسي، بل ينتقل من عائلة إلى أخرى. فقد تقلّصت منظومة الحريري من تلفزيون وصحيفتين وإذاعة إلى أرشيف، بعد انتقال إذاعة “الشرق” عام 2025 إلى شركة مسجلة في الإمارات. وفي المقابل توسعت مجموعة ميشال المر، رئيس MTV، لتشمل صحيفة “نداء الوطن” وقناة “أنا سوريا”. وفي قاعدة رصد التقرير، لا تعلن 62 مؤسسة من أصل 86 مؤسسة عاملة مصادر تمويلها، أي نحو 72%. ويسمي التقرير هذه النسبة “مؤشر العتمة المالية”، وهي المقياس الذي سيُظهر إن كان قانون الإعلام الجديد، الذي يفرض الإفصاح عن مصادر الدخل، سيغيّر شيئاً.
تعدد المنابر وحدود الاستقلال: مَن يملك القرار التحريري؟
تكشف خريطة الإعلام اللبناني عن تعددية واسعة تعمل داخل شبكة متداخلة من المصالح السياسية والمالية، فالأحزاب والعائلات النافذة ورجال الأعمال حاضرون في ملكية مؤسسات مؤثرة وتمويلها، بما يمنحهم قدرة على تحديد أولويات التغطية وحدودها، وتتيح المنافسة بين هذه المنابر مساحات للنقد وكشف التجاوزات، لكنها تجعل مساءلة المالك والممول اختباراً أصعب من مساءلة خصومهما.
وأعادت الأزمة الاقتصادية توزيع النفوذ داخل القطاع، فتوقفت صحف ومحطات، وتراجعت الطباعة، وانتقلت مؤسسات إلى النشر الرقمي، بينما توسعت مجموعات أخرى، وحملت المواقع والمنصات جانباً من علاقات التمويل والاصطفاف التي عرفتها الصحافة والتلفزيون، واستمر حضور الانتماءات الدينية والطائفية بأشكال متعددة، تتراوح بين خدمة جماعاتها ثقافياً واجتماعياً وتوظيف هويتها في الصراع السياسي.
في هذه البيئة، وسعت المنصات المستقلة مساحة تناول قضايا المصارف والودائع والعدالة وحقوق الفئات المهمشة، وقدمت فرصة لمخاطبة الجمهور انطلاقاً من مصالح مشتركة تتجاوز الانتماء الطائفي، غير أن استمرارها يظل مرتبطاً بقدرتها على تنويع إيراداتها، والإفصاح عن شروط الدعم الذي تتلقاه، وحماية غرف الأخبار من تدخل الممولين، وسط ضغوط قضائية ومخاطر أمنية تطاول العاملين في المهنة.
ويضع ذلك شفافية الملكية والتمويل في قلب أي إصلاح للإعلام اللبناني، إلى جانب حماية الصحفيين، والفصل الواضح بين الإعلان والمحتوى التحريري، وبناء إعلام عام يستطيع مساءلة الحكومة التي تموله، فقيمة هذا التنوع تتحدد بما يتيحه للجمهور من معرفة موثوقة وخيارات فعلية، وبقدرة المؤسسات على تطبيق معايير المساءلة نفسها على الحلفاء والخصوم، وعلى أصحاب المال الذين يضمنون استمرارها.
ملحق: قاعدة رصد الإعلام اللبناني
التلفزيون
| الوسيلة | النوع | الملكية/السيطرة | الاصطفاف |
|---|---|---|---|
| تلفزيون لبنان | تلفزيون | الدولة (وزارة الإعلام) | يتبع الحكومة |
| LBCI | تلفزيون | عائلة الضاهر 46.57%، فارس 20% | سيادي معتدل |
| MTV | تلفزيون | غبريال المر وأبناؤه وآخرون | سيادي، معارض لحزب الله |
| الجديد | تلفزيون | عائلة خياط 58.13% | متقلب |
| OTV | تلفزيون | اللبنانية للإعلام وOTV Holding (رئيس المجلس روي الهاشم) | التيار الوطني الحر |
| NBN | تلفزيون | حمدان 29.8%، أقارب بري 19.7% | حركة أمل |
| المنار | تلفزيون | المجموعة اللبنانية للإعلام (حزب الله 100%) | حزب الله |
| تلفزيون المستقبل | تلفزيون (معلّق منذ 2019) | عائلة الحريري 59.14% | تيار المستقبل |
| الميادين | تلفزيون (عربي مقره بيروت) | “رجال أعمال عرب” غير مسمّين | محور المقاومة |
| تيلي لوميار/نورسات | تلفزيون ديني | طوائف وأبرشيات ورهبانيات | الكنيسة الكاثوليكية، بلا أخبار سياسية |
| الصراط | تلفزيون ديني | غير معلن | ديني شيعي |
| طه | تلفزيون أطفال | غير معلن (الصلة بحزب الله غير معلنة) | ديني-تربوي |
| LB2 | تلفزيون | LBCI (قناة ثانية منذ 2016) | ترفيهي بلا أخبار |
| أنا سوريا | تلفزيون سوري يبث من لبنان | مثقفون ورجال أعمال سوريون غير مسمّين، يبث من استوديوهات Studiovision التابعة لـMTV | سوري ما بعد الأسد |
| قناة الإيمان | تلفزيون ديني | مؤسسات فضل الله (غير موثقة قانونياً) | تيار فضل الله |
| OneTV | تلفزيون | مرتبطة بـMTV | ترفيهي |
| Charity TV | تلفزيون ديني | جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة | ديني |
| نوركيدز | تلفزيون أطفال ديني | تيلي لوميار | ديني |
الصحافة المطبوعة ووكالات الأنباء
| الوسيلة | النوع | الملكية/السيطرة | الاصطفاف |
|---|---|---|---|
| النهار | يومية | تويني 42%، الحريري 39.6% | سيادي |
| الأخبار | يومية | إبراهيم الأمين ~43.8%، يوسف وهبي 34.8%، The Sun Press 18.8% | قريبة من حزب الله |
| الديار | يومية | شارل أيوب 98.6% | مؤيدة للنظام السوري سابقاً |
| الجمهورية | يومية | عائلة ميشال إلياس المر 72.3% | سيادي وسطي |
| اللواء | يومية | بنات صلاح سلام 98% | 14 آذار تاريخياً |
| الشرق | يومية | عوني الكعكي | تيار المستقبل |
| لوريان لو جور/لوريان توداي | يومية | إده 38%، الشويري 22.7%، فرعون 15.49% | ليبرالية فرنكوفونية |
| البناء | يومية | الشركة القومية للإعلام (الحزب السوري القومي الاجتماعي) | الحزب السوري القومي الاجتماعي |
| أزتاك | يومية أرمنية | حزب الطاشناق | الطاشناق |
| نداء الوطن | يومية | ميشال غبريال المر (الرخصة منذ 2024) | سيادي |
| السفير | يومية | عائلة سلمان | قومي عربي |
| المستقبل (جريدة) | يومية | الحريري 98% | تيار المستقبل |
| ديلي ستار | يومية إنجليزية | الحريري | سيادي |
| الحياة (بيروت) | يومية | خالد بن سلطان | سعودي |
| الأنوار/دار الصياد | يومية ومجلات | آل فريحة | — |
| الشراع | مجلة | حسن صبرا (المؤسس) | متقلب |
| نادين | مجلة اجتماعية | دار الشرق (عوني الكعكي) | — |
| المسيرة | مجلة | القوات اللبنانية | القوات |
| الأمان | مجلة أسبوعية | الجماعة الإسلامية | الجماعة الإسلامية |
| الوكالة الوطنية للإعلام | وكالة | الدولة | يتبع الحكومة |
| المركزية | وكالة خاصة | غير معلن | — |
| آرارات | صحيفة أرمنية | حزب الهنشاك | الهنشاك |
| زارتونك | صحيفة أرمنية | حزب الرامغافار | الرامغافار |
| Executive | مجلة اقتصادية | News Media (مجموعة صحناوي) | اقتصادي |
الإذاعة
| الوسيلة | النوع | الملكية/السيطرة | الاصطفاف |
|---|---|---|---|
| إذاعة لبنان | إذاعة | الدولة | يتبع الحكومة |
| صوت لبنان 100.3/100.5 | إذاعة | حزب الكتائب | الكتائب |
| صوت كل لبنان 93.3 | إذاعة | الشركة العصرية للإعلام (آل الخازن) | تعلن عدم الارتباط الحزبي |
| النور | إذاعة | المجموعة اللبنانية للإعلام | حزب الله |
| راديو لبنان الحر | إذاعة | مسؤولون في القوات اللبنانية | القوات اللبنانية |
| صوت المدى | إذاعة | إلياس بو صعب عبر شركة المدى | التيار سابقاً |
| راديو الشرق | إذاعة | RO Holding (بهية الحريري ~99.65% حتى 2025) | تيار المستقبل سابقاً |
| صوت الشعب | إذاعة | شيوعيون ويساريون | الحزب الشيوعي |
| إذاعة الفجر | إذاعة | الجماعة الإسلامية | الجماعة الإسلامية |
| صوت المحبة | إذاعة دينية | المرسلون اللبنانيون الموارنة | ديني |
| صوت الفرح | إذاعة | غير معلن (المدير العام علوان شرف الدين) | — |
| الرسالة | إذاعة | حركة أمل | حركة أمل |
| MFM | إذاعة إخبارية | تابعة لـMTV | سيادي |
| One FM | إذاعة | مجموعة MTV | ترفيهي |
| إذاعة فان | إذاعة أرمنية | حزب الطاشناق | الطاشناق |
| Mix FM | إذاعة تجارية | روجيه سعد | ترفيهي |
| Virgin Radio Lebanon | إذاعة تجارية | Levant Media Hub | ترفيهي |
| Radio One | إذاعة تجارية (متوقفة 2020) | أسسها ريمون غاسبار 1983 | ترفيهي |
| سبوتنيك (عربي) | إذاعة أجنبية | الدولة الروسية | روسي |
المواقع الإخبارية
| الوسيلة | النوع | الملكية/السيطرة | الاصطفاف |
|---|---|---|---|
| لبنان 24 | موقع | إنفستكوم/ميقاتي 99.9% (2018) | ميقاتي |
| النشرة | موقع | أرز المر وعائلته | قريب من التيار |
| ليبانون فايلز | موقع | ربيع الهبر 98% | متعدد |
| ليبانون ديبايت | موقع | ميشال قنبور (بحسب المرصد) | غير محسوم |
| صوت بيروت إنترناشونال | موقع ومنصة | جيري ماهر | معادٍ لحزب الله |
| أساس ميديا | موقع رأي | غير معلن (مدير التحرير محمد بركات) | سيادي |
| هذا بيروت | موقع | مرتبط بأنطون صحناوي | سيادي |
| Ici Beyrouth | موقع فرنكوفوني | مرتبط بأنطون صحناوي (TIMEP) | سيادي |
| المدن | موقع | Rainbow Media (قوس قزح) | علماني، ناقد للأحزاب الطائفية |
| 180 بوست | موقع | حسين أيوب | عربي ديمقراطي |
| جنوبية | موقع | علي الأمين | شيعي معارض لحزب الله |
| The961 | موقع إنجليزي | أنطوني ب. قنطرة (المؤسس) | عام |
| العهد | موقع | المجموعة اللبنانية للإعلام | حزب الله |
| tayyar.org | موقع | التيار الوطني الحر | التيار |
| lebanese-forces.com | موقع | القوات اللبنانية | القوات |
| kataeb.org | موقع | الكتائب | الكتائب |
| الأنباء | موقع | الحزب التقدمي الاشتراكي | الاشتراكي |
| هوانا لبنان | موقع محلي | غير معلن (مديره محمد شحادة قُتل 2025) | محلي |
| لبنان الكبير | موقع | غير معلن (رئيس التحرير محمد نمر) | — |
| بيروت تايمز | موقع | غير معلن (رئيس التحرير رياض طوق) | — |
| هنا لبنان | موقع | مرتبط بأنطون صحناوي (TIMEP) | سيادي، قريب من القطاع المصرفي |
| النهار العربي | منصة رقمية | مؤسسة النهار | موجهة إلى الخليج |
| Naharnet | موقع | خاص (المالك غير مسمّى) | يعلن عدم الارتباط الحزبي |
| NOW Lebanon | موقع إنجليزي | New Opinion Workshop | “مستقل لا محايد” |
| السفير العربي | منصة إقليمية | غير معلن | نقدي |
| مهارات نيوز | موقع | مؤسسة مهارات | إعلام وحقوق |
الإعلام المستقل والبديل
| الوسيلة | النوع | الملكية/السيطرة | الاصطفاف |
|---|---|---|---|
| ميغافون | منصة | مؤسسوها (تعاونية صحفية) | مستقل، محاسبي |
| درج | منصة | مؤسسوها | مستقل، استقصائي |
| The Public Source | منصة | غير مفصّل | مستقل، يساري نقدي |
| رصيف22 | منصة إقليمية | Levant Laboratories | مستقل |
| المفكرة القانونية | منصة قانونية | جمعية | حقوقي |
| شريكة ولكن | منصة نسوية | غير مفصّل | نسوي |
| سردة بعد العشا | بودكاست | مقدماه | مستقل |
| Beirut Today | منصة | غير معلن (أسسها ناشطون 2018) | مستقل |
| Spot Shot | قناة يوتيوب | ميشال قنبور | سياسي |
| المحطة | قناة يوتيوب | ليا العزي ورضوان مرتضى وحسن علّيق وآخرون | تعلن أنها مستقلة غير محايدة |
| صواب | منصة تحقق | أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتمويل ألماني | تحقق |
| نقد ميديا | منصة شبابية | غير معلن | مستقل نقدي |
| قناة جاد غصن | قناة يوتيوب | جاد غصن | مستقل |

