بعد الترند… كيف تتعامل الصحافة مع القصة؟

مقال على الهاتف

Author

  • قصي الساحوري

    صحفي وإعلامي أردني، خرّيج الصحافة والإعلام من جامعة الشرق الأوسط في عمّان. بدأ مسيرته متدرّبًا في إعداد التقارير الإخبارية في شبكة الجزيرة الإعلامية، ثم شغل منصب مسؤول التواصل الاجتماعي في منظمة دعم القادة الشباب. يعمل حاليًا مديرًا لحسابات العملاء في مجال الإعلام والاتصال، وله فيلم قصير بأسلوب وثائقي عن أثر الإعلام في الحياة السياسية في الأردن.

في البداية، ماذا يحدث عندما يصبح الخبر ترندًا؟

في البداية، تبدأ وسائل الإعلام في تغطية الخبر خلال ساعات قليلة، ثم يصبح الموضوع في كل مكان. لكن حين يتحول الخبر إلى ترند، لا يعني ذلك أن القصة أصبحت واضحة؛ بل في كثير من الأحيان يحدث العكس تمامًا. كلما زاد انتشار الخبر، زادت حوله المعلومات والتفسيرات والتكهنات، وأصبح من الصعب أحيانًا معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الروايات التي صنعها الجمهور.

من «ماذا حدث؟» إلى «ماذا نعرف فعلًا؟»

في اللحظات الأولى، يكون السؤال الأساسي هو: ماذا حدث؟ لكن بعد أن ينتشر الخبر، تنتقل الصحافة إلى أسئلة أعمق: هل كل ما نعرفه صحيح؟ ماذا ينقصنا؟ لماذا حدث ذلك؟ وما الذي يعنيه بالنسبة إلى الناس؟ وهذه النقلة هي التي تفرّق بين صحافة تلاحق الترند، وصحافة تستفيد منه لتقديم القصة المكتملة.

عندما يصبح الجميع مراسلين

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تغييرًا في طريقة وصول الأخبار إلى الجمهور. في الماضي، كان الصحفي أو المؤسسة الإعلامية غالبًا نقطة العبور الأساسية بين الحدث والجمهور. أما اليوم، فقد يكون الشخص الموجود في مكان الحدث هو أول من ينشر صورة أو فيديو أو معلومة، وقد ينشر شخص آخر إشاعة أو خبرًا سمعه من شخص ثالث.

ميزة المحتوى الذي يصنعه الجمهور وحدوده

يحمل هذا الأمر جانبًا إيجابيًا؛ فالمحتوى الذي يصنعه الجمهور يمكن أن يساعد الصحفيين في الوصول إلى معلومات وصور من أماكن لا يوجد فيها مراسلون. لكن سرعة النشر لا تعني دقة المعلومات.

قد تكون الصورة حقيقية، لكنها من حدث قديم. وقد يكون الفيديو مصورًا في المكان نفسه، لكن في توقيت آخر. وقد يكون الشخص الذي نشر المعلومة شاهدًا على جزء من القصة فقط، ثم يأتي آخر ليضيف تفسيرًا، ويأتي ثالث ليقدم رواية غير مؤكدة.

وفي غضون ساعات، تتشكل قصة كاملة، رغم أن جزءًا كبيرًا منها قد لا يكون خضع للتحقق. ولهذا تُعد عملية التحقق جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي بعد انتشار الأخبار. وتوضح رويترز أن فرق التحقق البصري لديها تفحص الصور والفيديوهات المتداولة، وتستخدم وسائل مختلفة للتأكد من مكان التصوير وتوقيته، من بينها التواصل مع أصحاب المحتوى ومقارنة الصور ببيانات الطقس وصور الأقمار الصناعية ومصادر أخرى.

بوسطن… عندما تتحول التكهنات إلى أخبار

يمكن فهم خطورة هذه المرحلة من خلال ما حدث بعد تفجيرات ماراثون بوسطن عام 2013. بعد التفجيرات، بدأت مجموعات من الناشطين بالبحث عن صور ومقاطع لمحاولة تحديد الأشخاص المشتبه بتورطهم في الهجوم. بعض هذه المحاولات قدم معلومات مفيدة، لكن بعضها الآخر قاد إلى أشخاص أبرياء، وانتشرت تكهنات عن هويات مشتبه بهم قبل أن تعلن السلطات معلوماتها الرسمية.

وأشارت تغطيات صحفية في ذلك الوقت إلى مشكلة أساسية في الصحافة الرقمية: عندما يبدأ الجمهور في التحقق بشكل جماعي، يمكن أن تظهر معلومات مفيدة، لكن الخط الفاصل بين المعلومة والتكهن يصبح شديد الضبابية، وقد تنتقل التخمينات إلى وسائل الإعلام وتتحول إلى مادة إخبارية قبل التحقق منها.

وهنا درس مهم: ليس كل ما يساعد الناس على بناء قصة على الإنترنت يصلح لأن يكون جزءًا من قصة صحفية. فمنطق الصحفي لا يقول: «وجدنا شخصًا مشتبهًا به»، بل يسأل: «ما الدليل الذي يمكننا التحقق منه؟» هذه المسافة بين الاثنين قد تكون صغيرة في لحظة الترند، لكنها جوهر العمل الصحفي.

بعد الترند… لا تعيد نشر ما قاله الناس

في تغطية الأخبار التي أصبحت ترندًا، قد تتحول المادة إلى تجميع لما قاله المستخدمون. قد تكون هذه المعلومات صحيحة، لكنها لا تكفي لصياغة قصة صحفية؛ فالجمهور يعرف أصلًا ما قيل. ما يحتاج إليه هو شيء لا يحصل عليه بمجرد التمرير على الهاتف: التحقق، والسياق، والتفسير.

إذا انتشر مقطع معين، فالمطلوب ليس فقط إخبار القارئ بأنه انتشر، بل توضيح ما الذي يظهر فيه فعلًا، ومتى صُوّر، ومن نشره، وما الذي يمكن إثباته.

وإذا انتشر تصريح مثير للجدل، فلا يكفي نقل الجملة التي حصلت على أكبر عدد من المشاركات، بل ينبغي العودة إلى التصريح الأصلي ومعرفة السياق الذي قيل فيه.

حريق كاتدرائية روان

في يوليو/تموز 2024، اندلع حريق في كاتدرائية روان التاريخية في فرنسا، وانتشر فيديو الحريق على وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة.

لكن انتشار الفيديو صاحبه ادعاء مضلل بأن السلطات الفرنسية قالت إن الحريق ربما كان هجومًا دينيًا. تحققت رويترز من الادعاء، ووجدت أن السلطات لم تقل ذلك. وكانت السلطات المحلية قد أعلنت أن سبب الحريق لم يكن معروفًا في ذلك الوقت، بينما أشارت التحقيقات وبعض التصريحات إلى احتمال أن يكون الحريق نتيجة خطأ عرضي، خصوصًا أن الكاتدرائية كانت تخضع لأعمال ترميم.

فالفيديو كان حقيقيًا، والحريق كان حقيقيًا، لكن المعلومة التي أُرفقت بالفيديو لم تكن صحيحة.

وهذه واحدة من أخطر مشكلات عصر الترند: أحيانًا لا تكون المشكلة في اختلاق صورة أو فيديو من الصفر، وإنما في إعطاء محتوى حقيقي معنى غير صحيح.

ولهذا فإن التحقق يجب أن يسأل: هل القصة التي تُروى إلى جانب الصورة صحيحة؟

من «ماذا حدث؟» إلى «لماذا حدث؟»

عندما ينفجر خبر ما على مواقع التواصل، غالبًا ما تكون المعلومات المتوفرة في البداية محدودة. إذا كان الخبر يتعلق بقرار جديد، يمكن للصحفي أن يشرح خلفية القرار، ومتى بدأ العمل عليه، ومن سيتأثر به. وإذا كان يتعلق بحادث، يمكن البحث في أسبابه، وما إذا كان هناك تاريخ سابق مشابه، وما تقوله البيانات أو الجهات المختصة. وإذا كان يتعلق بظاهرة اجتماعية، يمكن تجاوز الفردية والسؤال عما إذا كانت الحالة تتكرر فعلًا.

بمعنى آخر، لا ينبغي أن يبقى الصحفي عالقًا في اللحظة التي صنعت الترند.

عدد المشاهدات ليس مقياسًا لأهمية القصة

هناك إغراء كبير في الصحافة الرقمية بأن يصبح عدد المشاهدات والتفاعلات معيارًا أساسيًا لتحديد ما يستحق المتابعة. لكن أكثر الأشياء انتشارًا ليست بالضرورة أكثر الأشياء أهمية.

قد ينتشر مقطع طريف خلال ساعات، بينما تمر قضية اقتصادية أو اجتماعية تمس آلاف الأشخاص دون أن تحقق نسبة التفاعل نفسها. لذلك يمكن للترند أن يكون مؤشرًا على اهتمام الجمهور، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده معيارًا للقيمة الصحفية.

ربما يبدأ من فيديو مدته ثلاثون ثانية، لكنه ينتهي بتحقيق عن ظاهرة كاملة. وربما يبدأ من تصريح انتشر على نطاق واسع، لكنه ينتهي بشرح يضع التصريح داخل سياقه. هنا تتحول المشاهدة من غاية إلى مدخل.

ماذا عن العنوان؟

بعد انتشار الخبر، يصبح العنوان أكثر حساسية. الجمهور الذي يرى العنوان على منصة اجتماعية قد لا يفتح المقال أصلًا. ولهذا فإن العنوان المبالغ فيه قد يصنع انطباعًا خاطئًا لدى آلاف الأشخاص، حتى لو كان متن المقال أكثر دقة.

ليس المطلوب أن يكون العنوان مملًا، وإنما أن يكون واضحًا. يمكن أن يكون جذابًا من دون أن يستغل خوف الجمهور أو غضبه أو فضوله. والقاعدة الأهم هي ألا يحتوي العنوان على معلومة لا تستطيع المادة إثباتها.

ففي زمن الترند، قد يحتاج الصحفي إلى دقائق إضافية للتحقق، لكنه قد يوفر على مؤسسته ساعات أو أيامًا من محاولة تصحيح معلومة انتشرت على نطاق واسع.

ماذا يحدث عندما تتغير المعلومات؟

الخبر الترند ليس ثابتًا. قد تظهر معلومة جديدة بعد ساعات تغيّر جزءًا من الصورة. وقد يتبين أن معلومة أولية كانت غير دقيقة. وقد تعلن جهة رسمية شيئًا يناقض ما تم تداوله في البداية.

وهنا لا تتعامل الصحافة مع المادة الأولى باعتبارها شيئًا لا يمكن المساس به، بل يجب تحديثها وتصحيحها عندما يكون ذلك ضروريًا.

وتوضح رويترز في منهجية التحقق الخاصة بها أنها تنشر تصحيحات وتحديثات عندما تظهر أخطاء أو معلومات جديدة تغيّر فهم الموضوع، مع توضيح طبيعة التعديل.

وهذا أمر مهم؛ لأن الجمهور لا يحتاج إلى مؤسسة إعلامية تدعي أنها لا تخطئ، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة واضحة بشأن ما تعرفه وما لا تعرفه.

عندما ينتهي الترند تبدأ المتابعة

ربما تكون هذه هي الخطوة التي تغيب أكثر من غيرها. ينتشر الخبر، تغطيه وسائل الإعلام، يصل إلى ملايين الأشخاص، ثم يظهر موضوع جديد ويختفي الخبر القديم.

فالخبر العاجل يعيش في الساعات الأولى، أما القصة الصحفية الحقيقية فقد تحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى تكتمل.

الصحافة لا يجب أن تكون أسرع من الجميع… بل أدق من الضجيج

ليس المطلوب من الصحافة أن تتجاهل الترند، فهذا يعني تجاهل جزء من اهتمامات الجمهور. لكن المطلوب ألا تصبح الصحافة مجرد نسخة أكثر تنظيمًا مما يحدث على مواقع التواصل.

عندما يصبح الخبر ترندًا، يكون الجمهور قد قام بالفعل بعمل كبير: نشر، وعلّق، وحلل، وطرح الأسئلة. وهنا يجب أن تقدم الصحافة شيئًا مختلفًا: أن تتحقق مما قيل، ثم، بعد أن يختفي الترند، تعود لتسأل: ماذا حدث بعد ذلك؟

قد لا تكمن قيمة الصحافة في قدرتها على الوصول إلى الخبر قبل الجميع فقط، بل في قدرتها على أن تجعل القارئ يفهم الخبر بعد أن يمر الجميع فوقه. فالترند قد يصنع اللحظة، لكنه لا يصنع بالضرورة القصة.

ونبدأ بسؤال آخر أكثر أهمية: ماذا يحتاج الناس إلى أن يعرفوا الآن؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي