الهشاشة الاقتصادية وتجفيف التمويل: المعركة الحقيقية لحرية الصحافة في تونس

مقال - لحرية الصحافة في تونس

Author

  • وفاء الطرابلسي - مرصد الإعلام العربي
    صحفية مقدمة ومعدة برامج تلفزية وإذاعية منذ تسع سنوات، مدربة في الإعلام، حاصلة على على الماجستير في الصحافة الاستقصائية من معهد الصحافة وعلوم الاخبار بمنوبة ووعلى الماجستير في علوم الإجرام من كلية الحقوق بتونس.

يُعتبر شارع الحبيب بورقيبة، شارع الثورة والقلب النابض للعاصمة التونسية، شاهدًا على كل حراك مجتمعي، إذ يُعتبر الرمز الأهم للمكسب الأغلى لثورة الحرية والكرامة في تونس: الحق في الإعلام، وحرية التعبير، والنفاذ إلى المعلومة، لم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات مرحلية عابرة أو نصوص صِيغت في أروقة المجلس الوطني التأسيسي لتكمم أفواه الثورة، بل جُسّدت في التزامات دستورية وكونية تُشكّل الركيزة الصلبة والأساسية لبناء مجتمع ديمقراطي ضامن للتعددية والحرية الفكرية

على مدى سنوات طويلة، انحصر الجدل السياسي والمجتمعي في تونس في كيفية حماية هذه المكاسب من التجاذبات المباشرة وضغوط السلطات المتعاقبة، غير أن الواقع اليوم يتجاوز تلك الضغوط السياسية الكلاسيكية ليقودنا نحو تحدٍّ بنيوي أكثر عمقًا وأشد خطورة، يتمثّل في الهشاشة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية نفسها، فلم يعد التهديد المباشر ينحصر في مقص الرقيب أو الإملاءات السلطوية الصريحة، بل بات يتخذ شكل خنقٍ ماليٍّ متواصل يُهدد وجود المنظومة الإعلامية برمتها، ويُفرغ حرية الصحافة من مضمونها الفعلي والعملي

في تحليله للبنية الاقتصادية للقطاع، يوضح زياد دبار (نقيب الصحفيين التونسيين) أن خللًا هيكليًا يكمن في نموذج أعمال المؤسسات الصحفية التونسية، إذ يعتبره نموذجًا غير ناجح، حيث قامت فلسفتها المالية تاريخيًا على الخضوع لمصدرين أساسيين لا ثالث لهما: سوق الإشهار (الإعلانات التجارية)، والدعم غير المباشر من طرف الدولة، ومع انكماش السوق الإشهارية جراء الأزمات الاقتصادية المتتالية، وتراجع غطاء الدعم العمومي للمؤسسات الخاصة، أُجهض هذا النموذج، وسقطت العديد من المؤسسات في مستنقع أزمات مالية خانقة

وقد أكد دبار أن هذه الأزمة أخذت بُعدًا مزدوجًا مركبًا، فبينما فشلت مؤسسات عديدة في الاستثمار في البنية التحتية، رغم ما تلقته سابقًا من دعم من الدولة، عجزت مؤسسات أخرى عن مواكبة التحول الرقمي والتكيف مع أنماط الاستهلاك الحديثة

ويرى دبار أن هذه الأزمة المزدوجة تتسبب في تقليل عدد الصحفيين بالطرد من جهة، وتضر بجودة المنتوج الإعلامي من جهة أخرى، لكونها تجعل هذه المادة الصحفية خاضعة لرقابة المستشهرين وهيمنتهم

أمام انسداد أفق الانتداب داخل المؤسسات الصحفية التقليدية، لا يمثّل التوجه نحو الصحافة المستقلة رفاهية خيار أو عملًا ثانويًا، بل هو النتيجة المباشرة لعجز المؤسسات عن الاستيعاب والانتداب بسبب هشاشتها

يواجه اليوم أكثر من 500 صحفي مستقل مشاكل اقتصادية واجتماعية، حيث يعيشون واقعًا مهنيًا معقدًا عنوانه العريض التشغيل الهش، وغياب التغطية الاجتماعية والأمان المالي

وفي شهادة تعكس هذا الواقع الصحفي المتدهور، يتساءل الصحفي المستقل إسكندر السكوحي عن حدود المبادرة الذاتية ومدى فاعليتها اليوم في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، متسائلًا إن كان بإمكان كل صحفي مستقل فتح معرّف جبائي (باتيندة) أو إنشاء قناة على يوتيوب وموقع خاص، خاصة أن أدوات التكنولوجيا والوسائل التقنية ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه

ويُبرز السكوحي أبعاد المعاناة اليومية للصحفي المستقل الذي يجد نفسه حائرًا بين مطرقة الخصاصة المادية وسندان الترهيب والتشريعات الحالية، حيث يعيش الصحفي تحت تهديد بيئة تشريعية ضاغطة ومناخ من الملاحقات، وفي مقدمة هذه التشريعات الفصل 24 من المرسوم 54، ورغم ما شهدته الساحة مؤخرًا من تعديل وحذف للعقوبة السجنية الواردة فيه، فإن بقاء السند التشريعي ومجلة الاتصالات يظل عاملًا لكبح جماح حرية التعبير ودافعًا لممارسة الرقابة الذاتية

تتجلّى أبعاد الأزمة الاقتصادية بوضوح في تجارب المؤسسات الإعلامية الناشئة والمستقلة، فسعيدة الزمزمي، مديرة مؤسسة «البيئة نيوز»، تروي عشر سنوات من الصمود الفردي، وتقول إن الصحافة الجادة تقاوم اليوم وحدها، دون تمويل استثماري ولا شركاء داعمين

وتضيف الزمزمي أن ذلك قد دفعها مرارًا إلى الإنفاق من مالها الخاص ومن مدخرات عائلتها لتطبع مجلتها وتنشر محتواها المتخصص

وانعكس هذا الضغط المالي، مع تراجع المستوى التحريري، على علاقة التونسيين بإعلامهم المحلي، فقد ملّ كثيرون التلفزيون والإذاعة بعدما غلبت عليهما الإعلانات المبطّنة والمحتوى التجاري الرخيص، وصاروا يتجنبونهما هربًا من السطحية وبحثًا عن بديل

هذا التحول فتح فجوة عميقة، إذ صار الرأي العام عرضة للتضليل بسبب لجوء التونسيين إلى منصات التواصل المحتوية على الغث والسمين، وتراجع الحق الدستوري للتونسيين في الحصول على معلومة موثوقة ومستقلة

يتجلى ممّا تقدّم أن حماية حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والحرة لم تعد مجرد ترفٍ إعلامي، بل هي ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، وإن النهوض بالقطاع الإعلامي يتطلب بالضرورة صياغة سياسة عمومية شاملة ومستدامة، تتجاوز الحلول المؤقتة نحو إطار يستجيب لتطلعات المجتمع ويضمن ديمقراطية المعرفة وسلاسة تدفقها

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي