“تيرنستون” أداة مفتوحة المصدر من “بيلينغكات” تحوّل ملايين إشارات الطيران إلى خرائط

«تيرنستون» أداة مفتوحة المصدر تساعد الصحفيين على قراءة بيانات الطيران ورصد الأنماط غير الاعتيادية

لم تعد المصادر المفتوحة ترفاً في غرف الأخبار؛ فمع تدفق الادعاءات والصور من مناطق النزاع والحدود المغلقة، صار التحقق المستقل — بما هو متاح علناً من بيانات وسجلات — مهارةً أساسية للصحفي لا اختصاصاً نادراً. وتُعدّ بيانات تتبّع الطيران من أغنى هذه المصادر وأصعبها قراءةً في آنٍ: فالسماء تعبرها نحو 100 ألف رحلة يومياً، يصعب وسطها فهم دلالة تحركات طائرة بعينها.

ونستعرض هنا واحدة من أبرز أدوات هذا الميدان: «تيرنستون» (Turnstone)، التي طوّرتها شبكة «بيلينغكات» (Bellingcat) المتخصصة في التحقيقات مفتوحة المصدر لمساعدة الصحفيين والباحثين على قراءة بيانات الطيران التاريخية ورصد الأنماط غير الاعتيادية.

وتعتمد الأداة أساساً على بيانات نظام «البث الرقابي التلقائي المعتمد»، وهي إشارات تبثها معظم الطائرات امتثالاً لأنظمة الطيران الدولية، وتتضمن هوية الطائرة ونوعها وموقعها الدقيق وسرعتها وارتفاعها — وإن كانت الطائرات العسكرية لا تبثها دائماً.

وبينما تعرض مواقع التتبع الشائعة، مثل «فلايت رادار 24» و«ADS-B إكستشينج»، بيانات طائرة واحدة أو لحظة بعينها، تتميز «تيرنستون» بتجميع بيانات طائرات متعددة عبر الزمن، مع مرشّحات بحسب نوع الطائرة واتجاهها وارتفاعها والمنطقة الجغرافية، بل البحث في منطقتين جغرافيتين في آن واحد — وهو ما يمنح المحقق سياقاً يحوّل النقاط المتناثرة إلى نمط مقروء.

وتسوق الشبكة أمثلة تطبيقية دالّة: فقد أظهرت الأداة ارتفاعاً لافتاً في أعداد ناقلات الوقود الجوية الأمريكية المتجهة شرقاً عبر شمال الأطلسي في الأسبوع السابق للضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، ثم في الأسبوعين الأخيرين من فبراير 2026 قبيل الضربات الأمريكية–الإسرائيلية الواسعة على إيران في 28 فبراير — إذ تسبق هذه الناقلات، الضرورية للتزود بالوقود جواً، معظم العمليات بعيدة المدى. وباستخدام خاصية المنطقتين، رصدت الأداة رحلات بين إل باسو في تكساس وقاعدة غوانتانامو بدءاً من فبراير 2025، بعد 5 أشهر بلا رحلات متعقَّبة بين الموقعين، شغّلت بعضَها شركات معروفة بتسيير رحلات الترحيل مثل «أومني إير إنترناشونال» و«غلوبال كروسينغ». كما تتيح الأداة تحميل قوائم الرموز التعريفية للطائرات، ما مكّن من رسم خريطة نشاط 216 طائرة تابعة لحرس الحدود الأمريكي، وكشفَ تكثيف طلعات مسيّرات «إم كيو-9 ريبر» في ديسمبر 2025 ويناير 2026.

ولا تخفي «بيلينغكات» حدود أداتها: فبيانات المواقع قد تجيء مضللة حين تُحسب بتقنية «تحديد الموقع المتعدد» الأقل دقة — وقد بدت إحدى المسيّرات في الأجواء الكندية خطأً لهذا السبب — وبيانات الملكية قد تكون قديمة أو ملتبسة، فيما جرى توليد تصنيفات فئات الطائرات بنموذج لغوي ضخم هو «كلود سونيت 4.0»، تحققت الشبكة يدوياً من أكثر من 80% منها، وتوصي بالتحقق المستقل من كل معلومة قبل البناء عليها.

والشيفرة المصدرية متاحة مجاناً على «غيت هاب»، فيما يخضع الوصول إلى النسخة المستضافة على الويب لطلبات انتقائية تُمنح أولويتها للصحفيين والأكاديميين، نظراً إلى كلفة استضافة البيانات ومعالجتها. وفي سماء بهذا الازدحام، لا تكمن القيمة في رؤية الطائرة — فهذا متاح للجميع — بل في معرفة متى يشذّ مسارها عن المألوف.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي