في تمام الساعة الثامنة من صباح الأحد الثامن والعشرين من حزيران 2026، كان العراقيون ينتظرون بياناً حكومياً عن أكبر حملة لمكافحة الفساد في تاريخ البلاد الحديث، فيما كانت شبكة الإنترنت مقطوعة عمداً منذ عشر دقائق بذريعة حماية أسئلة الامتحانات الوزارية من التسريب. في تلك اللحظة المعلّقة بين انقطاعين — انقطاع الشبكة وانقطاع الصوت — أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات قراراً يقضي بمنع الإعلامي أحمد ملا طلال من الظهور في جميع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية العاملة في العراق لمدة تسعين يوماً. لم تكن التهمة فساداً ولا تحريضاً ولا حتى خطأ مهنياً في حلقة تلفزيونية، بل منشوراً على فيسبوك عن مشاركة المنتخب العراقي في كأس العالم، رأت فيه الهيئة “إساءة إلى الدولة العراقية” ومخالفة للائحة قواعد البث الإعلامي.
المفارقة وحدها تكفي لتأطير القصة: مؤسسة منوط بها تنظيم البثّ تعاقب مقدّم برامج على ما كتبه بصفته الشخصية على منصة تواصل اجتماعي لا تملك الهيئة عليها ولاية أصلاً. لكن المفارقة، على لفتها للنظر، ليست سوى عَرَض لظاهرة أوسع وأكثر منهجية، هي ما يستحق التشريح: تحوّل “لائحة قواعد البث” من أداة تنظيمية إلى مِكبَس صامت لضبط النبرة الإعلامية، يُفعَّل بتقدير الجهاز التنفيذي للهيئة، وفي توقيت يتقاطع مع لحظات سياسية حسّاسة بدقّة لافتة.
نمط لا حادثة فردية
ما جرى مع ملا طلال لا يُقرأ بمعزل عن سياقه. ففي اليوم نفسه، أوقفت الهيئة برنامج “صوت الشعب” على قناة “عراق الحدث” تسعين يوماً، ومنعت مقدّمته مروة هاشم من الظهور للمدة ذاتها، على خلفية ما وصفته بعبارات غير لائقة في حلقة بثّت في الرابع والعشرين من حزيران، إلى جانب إنذار موجّه للقناة بتصحيح وضعها القانوني خلال خمسة أيام. قرارٌ مزدوج في يوم واحد ضد صوتين نقديين بارزين، استند — بحسب نصّ الهيئة — إلى الأمر التشريعي رقم 56 لسنة 2004 ولائحة قواعد البث النافذة.
غير أنّ الصورة الأشمل توفّرها جهة مستقلة لا الهيئة نفسها. فقد رصدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق سلوك الهيئة في المدة الممتدة من الأول من كانون الأول 2025 حتى نهاية أيار 2026، فأحصت إيقاف خمسة برامج تلفزيونية سياسية، وإنذار وسيلتي إعلام عربيتين، وتغريم ثلاث وسائل، وثمانية عشر قراراً آخر بحظر أو منع ظهور شخصيات، وكلّها تحت مظلة “لوائح البث”. وفي التاسع من حزيران 2026 وحده، أصدرت الهيئة جملة قرارات بحق صحفيين ومحللين وبرامج في يوم واحد، من بينها منع المحلل خطّاب عادل ثلاثين يوماً. هذا التواتر هو ما يحوّل القضية من واقعة عابرة إلى نمط قابل للقياس، ويستدعي السؤال المركزي لهذا التقرير: هل نحن أمام تنظيم مهني للبثّ، أم أمام إدارة سياسية للفضاء الإعلامي بأدوات تنظيمية؟
سندٌ قانوني سبق أن أسقطه القضاء
النقطة الأكثر هشاشة في بنية هذه القرارات ليست مضمونها بل أساسها القانوني، وهي مسألة لم تعد نظرية. ففي نهاية كانون الأول 2025، حين منعت الهيئة ملا طلال ستين يوماً بعد عقوبة سابقة مدتها عشرة أيام، لجأ إلى القضاء، فاعتبر مجلس القضاء الأعلى أن قرار المنع لا سند قانوني له وألغاه، وأعاد البرنامج إلى الشاشة. تلك السابقة القضائية تضع علامة استفهام ثقيلة على القرار الجديد: إذا كان القضاء قد أبطل منعاً مماثلاً قبل أشهر، فعلى أي أرضية يقوم منعٌ جديد بالآلية نفسها؟
الإشكال الأعمق يتصل بمن يملك سلطة إصدار القرار داخل الهيئة. فبحسب ما تشير إليه جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، فإن الأمر رقم 65 يحصر صلاحية إصدار مثل هذه القرارات بمجلس الأمناء، لا بالجهاز التنفيذي الذي بات يحجب الشخصيات ومقدّمي البرامج بناءً على تقديرات شخصية. وهنا تكمن المعضلة البنيوية: لائحة قواعد البث، التي يُفترض أن تكون معياراً مهنياً موضوعياً، تُطبَّق عبر تقدير إداري واسع لمفاهيم مطّاطة مثل “الإساءة للدولة” و“إثارة القلق العام” و“الآداب العامة”، وهي مفاهيم تتّسع وتضيق بحسب الحساسية السياسية للحظة لا بحسب نصّ منضبط.
التوقيت بوصفه رسالة
ثمة قرينة لا يمكن تجاهلها في قراءة هذه الموجة، هي التزامن. جاء منع ملا طلال ومروة هاشم في اليوم نفسه الذي أطلقت فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ما سمّته “صولة ضد الفساد”، شملت تنفيذ أوامر قبض بحق سبعة وأربعين مسؤولاً، بينهم نواب حاليون وسابقون، وضبط أصول قُدّرت بنحو ثلاثة وعشرين مليون دولار. وفي اليوم ذاته، أصدرت الهيئة بياناً دعت فيه المؤسسات الإعلامية إلى “الالتزام بأعلى معايير المهنية والدقة” في تغطية الحملة، واحترام قرينة البراءة، واعتماد المصادر الرسمية. حين تجتمع حملة أمنية كبرى، ودعوة إلى الانضباط في التغطية، ومنع لصوتين نقديين، في يوم واحد، يصبح من المشروع التساؤل عن العلاقة بين هذه العناصر، حتى لو لم تُعلَن صلة مباشرة بينها.
ولا يكتمل المشهد دون خلفيته التقنية. فمنذ أيار 2026، تقطع وزارة الاتصالات الإنترنت يومياً لمدة ساعة ونصف صباحاً خلال الامتحانات الوزارية، بطلب من وزارة التربية لمنع تسريب الأسئلة، وهو إجراء وصفه المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان بأنه انتهاك للحقوق الرقمية وسبب لخسائر اقتصادية متزايدة. على هذه الخلفية بالذات كتب ملا طلال منشوره الساخر عن “الدولة غير المحترمة التي تقطع الإنترنت كي لا تتسرب الأسئلة”، ثم أتبعه بتعليق رياضي ساخر عن المنتخب. السخرية هي ما عُوقب عليه، لا معلومة مغلوطة ولا تحريض.

