في حوار عن كتاب، قد يفتح سؤال واحد نافذة على مدينة قبل قرون، وفي رواية تاريخية، قد تغيّر وثيقة صغيرة فهم حكاية استقرّت في الذاكرة، وأمام ضيف يستعيد تجربته، قد تقود إجابة عابرة إلى ما هو أبعد من الوقائع التي جاء ليرويها، في هذه التفاصيل تظهر قيمة المحاور الذي يعرف أين يتوقف، وما الذي يستحق سؤالًا آخر.
خلال أسبوع واحد، ظهر ثلاثة أكاديميين في مقعد المقدّم على شاشتَي “التلفزيون العربي” و”العربي 2″: خالد الحروب في “ساعة للكتب”، والباحثة نجلاء مكاوي في الحلقة الأولى من “الماضي الحاضر”، ومحمد أبو رمان في “وفي رواية أخرى”، وذلك مع انطلاق البرنامجين الأولين وعودة الثالث بتقديم أبو رمان.
يمنح هذا التزامن حضور الباحثين أمام الكاميرا دلالة تستحق الانتباه، إذ يتيح للمعرفة المتخصصة مساحة في تقديم البرامج، ولأصحابها فرصة لمخاطبة جمهور يتجاوز قرّاء مؤلفاتهم وطلابهم، إلى جانب المذيعين المحترفين الذين يراكمون خبرتهم الصحفية ومعرفتهم بالملفات عبر سنوات العمل.
الحروب يعود إلى صحبة الكتب
يحمل خالد الحروب إلى “ساعة للكتب” على “العربي 2” تجربة سابقة يعرفها جمهور البرامج الثقافية، حين كان يقدّم “الكتاب خير جليس” على شاشة “الجزيرة”، ويعود اليوم إلى هذه المساحة بخبرة تجمع بين البحث الأكاديمي والاهتمام الثقافي والممارسة التلفزيونية.
يفتح البرنامج الجديد نقاشًا حول كتب وإصدارات متنوعة، تتغيّر معها الموضوعات والضيوف والأسئلة، ومن بينها كتاب عن رحلة لوران دارفيو إلى حيفا سنة 1664، ناقشه الحروب مع المترجم جمال أبو غيدا والباحث عصام نصار.
وفي موضوع كهذا، يمكن للحوار أن يتجاوز التعريف بالكتاب إلى مناقشة ما حفظته الرحلة عن المدينة وأهلها، وحدود معرفة الرحّالة بالمكان الذي زاره، وكيف يمكن قراءة شهادته بعد قرون، وهو مثال على ما قد يفتحه إصدار واحد من أبواب للنقاش، فيما تحمل الحلقات الأخرى عوالم مختلفة بحسب الكتب التي تتناولها.
تساعد خلفية الحروب على متابعة هذه النقاشات وربطها بسياقاتها، لكن خبرته التلفزيونية تظل جزءًا أساسيًا من المهمة، فالمشاهد الذي لم يقرأ الكتاب يحتاج إلى مدخل يقوده إليه، وشرح يقرّب أفكاره، ومحاور يدرك متى يستوقف ضيفه للتوضيح ومتى يترك الحديث يتقدّم.
أكاديميون يتناوبون على قراءة التاريخ
ومن الكتب إلى التاريخ، يقدّم البرنامج الجديد “الماضي الحاضر” على “العربي 2” تجربة يتناوب فيها أكاديميون وباحثون على تقديم محطات من التاريخ العربي المعاصر وقراءتها، منهم نجلاء مكاوي من مصر، التي قدّمت الحلقة الأولى، وحيدر سعيد من العراق، وأحمد أبو شوك من السودان، وجمال باروت من سورية، إلى جانب باحثين من المغرب العربي.
وكانت حادثة دنشواي موضوع الحلقة الأولى، ضمن موضوعات متنوعة يستعيد البرنامج من خلالها وقائع التاريخ وسياقاتها وآثارها، ويتيح تناوب المقدّمين الاستفادة من تعدّد خبراتهم واهتماماتهم البحثية، بما يفتح المجال أمام زوايا مختلفة في تناول الماضي العربي.
لدى الجمهور معرفة سابقة ببعض هذه الوقائع، اكتسبها من التعليم أو القراءة أو الروايات المتداولة، ويستطيع البرنامج أن يبني عليها، فيعيد إلى الحكاية تفاصيلها، ويشرح كيف تشكّلت الصورة التي وصلت إلينا عنها.
هنا تظهر الإضافة التي يمكن أن يمنحها الباحث للسرد، فالوثيقة كُتبت في ظرف محدد، والشهادة يرويها صاحبها من موقعه، وقد تختلف المصادر حول واقعة تبدو محسومة في الذاكرة العامة، وإدخال هذه الفروق إلى الحكاية يساعد المشاهد على فهم الحدث وطريقة كتابة تاريخه معًا.
ويستعين البرنامج بالوثائق والشهادات الأرشيفية والخرائط، وهي مواد تحتاج إلى اختيار وشرح ومعالجة بصرية تجعلها جزءًا من السرد، ويتكامل في ذلك عمل المقدّمين مع فريق الإعداد والتحرير والإخراج، حتى تصل المعرفة التاريخية في صيغة واضحة يستطيع الجمهور متابعتها.
أبو رمان وخبرة البحث في محاورة الشهادات
وعلى شاشة “التلفزيون العربي”، يعود “وفي رواية أخرى” بتقديم محمد أبو رمان، الذي يستند إلى خلفيته الأكاديمية واشتغاله على الحركات الإسلامية والإصلاح السياسي في محاورة شخصيات تستعيد تجاربها وتروي شهاداتها.
يحتاج هذا النوع من اللقاءات إلى معرفة بالأفكار والبيئات التي تكوّن فيها الضيف، فترتيب أحداث السيرة وحده لا يكفي لفهمها، وقد يكون تفسير تحوّل فكري أو علاقة بمحيط ثقافي مدخلًا إلى قراءة قرارات ومواقف لاحقة.
وتساعد خبرة الباحث على تتبّع هذه الصلات، والتقاط تفصيل يستحق التوسّع، أو العودة إلى إجابة تحتاج إلى تفسير، بما يتيح للحوار أن يتقدّم خارج حدود الأسئلة المعدّة سلفًا.
وتضيف تجربة أبي رمان السابقة وزيراً للثقافة في الأردن معرفة بمؤسسات العمل الثقافي وأسئلته، ضمن مسار يظل البحث الأكاديمي والاهتمام الفكري أبرز ملامحه، وهي خلفية يمكن أن تثري النقاش حول الثقافة ودورها في تشكيل الشخصيات والحياة العامة.
وتبقى الشهادة الشخصية مادة للفحص والمقارنة، مهما كانت أهمية صاحبها، فيما تمنح معرفة المحاور أدوات لمناقشتها، وإفساح المجال للرواية مع التوقف عند ما يستدعي التوضيح أو التحقق.
برامج متخصصة ضمن تطوير أوسع
يتزامن هذا الحضور مع تطوير أوسع في منظومة “التلفزيون العربي”، الذي دخل عامه الخامس منذ انتقال بثّه إلى مدينة لوسيل في قطر في 30 أغسطس 2022، بعد انطلاقه من لندن عام 2015.
وتشمل التغييرات الإدارة التحريرية، مع تولّي علاء زعتور منصب مدير تحرير غرفة الأخبار، وانتقال أحمد سمير إلى منصب مدير تطوير الشؤون التحريرية، كما تمتد إلى الخريطة البرامجية وأدوات الإنتاج والعرض، بما يتيح مساحة أوسع لشرح الأخبار وسردها والتفاعل معها.
فقد عاد إلى الشاشة برنامج “العربي اليوم”، واجهتها الإخبارية المسائية منذ سنواتها اللندنية، جامعًا بين عرض الأحداث وتحليلها ومحاورة أطرافها، وهي صيغة تمنح أخبار اليوم وقتًا للنقاش ووضعها في سياقها، على نحو تعرفه البرامج الإخبارية المسائية المعمّقة مثل “نيوز نايت” البريطاني.
ويُنتظر أن ينطلق اليوم الأحد، بحسب صحفيين في القناة، برنامج “تقدير موقف” محل برنامج “للخبر بقية”، الذي سيقدّمه يوميًا وائل التميمي، أحد وجوه القناة منذ انطلاقتها، لمناقشة الشأن الجاري مع ضيوفه بتوسّع.
وتأتي هذه الخطوات بعد سنوات وسّعت خلالها الشبكة تغطيتها اللحظية للأحداث، سعيًا إلى تعزيز موقعها في المنافسة الإخبارية العربية، وقدّمت صيغًا أقصر تتناسب مع إيقاع المنصات الرقمية، من بينها “قصة خبر” و”مجرد رأي”، إلى جانب “تواصل”، الذي يربط الشاشة بما يجري على منصات التواصل الاجتماعي، كما طوّرت منصة “مسبار” للتحقّق من المعلومات ومواجهة التضليل.
ويرافق ذلك توسيع الإمكانات الإنتاجية باستوديوهات جديدة أنشأتها وجهّزتها شركة “فضاءات ميديا” المالكة للشبكة في لوسيل، بما يتيح تنويع البرامج وتطوير أدواتها التقنية والبصرية.
وسط هذه التغييرات، يبرز إسناد البرامج المتخصصة إلى أكاديميين باعتباره اختيارًا يتعلق بالمحتوى ومن يتولّى تقديمه، فالكتب والتاريخ والشهادات تستفيد من معرفة تراكمت بالقراءة والبحث، وتحتاج في الوقت نفسه إلى مهارات الإصغاء والسؤال وضبط الإيقاع التي تقوم عليها الحرفة التلفزيونية.
ولا يكفي ظهور ثلاثة أكاديميين خلال أسبوع للحكم بوجود اتجاه عام على الشاشات العربية، لكنه يضع أمام الجمهور تجارب تستحق المتابعة، ومع توالي الحلقات وتناوب الباحثين على تقديم “الماضي الحاضر”، يمكن تبيّن أثر هذه الخيارات في سؤال يفتح نقاشًا حول كتاب، أو قراءة تعيد النظر في واقعة، أو تفصيل في شهادة كان يمكن أن يمرّ من دون مساءلة.

