مقابل 5 آلاف دولار: سوق خفية تستغل حقوق النشر لإسكات الصحافة

كشف تحقيق مشترك لـ«مونيتوري» و«OCCRP» عن شبكة مدفوعة تستخدم بلاغات كاذبة بانتهاك حقوق النشر لإسقاط قنوات صحفية على يوتيوب

Author

«أنا من أنهيت هذه القناة» — لم يكن صاحب العبارة يتحدث عن اختراق إلكتروني أو حكم قضائي بإغلاق مؤسسة إعلامية، بل عن خدمة مدفوعة قال إنه يقدمها من الهند لإسقاط قنوات على يوتيوب، باستخدام بلاغات كاذبة تزعم انتهاك حقوق النشر.

مقابل مبلغ يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف دولار، يستطيع عميل مجهول تكليفَ وسيط يتولى بدوره الوصول إلى منفذين يقدمون شكاوى متعددة ضد محتوى صحفي، حتى تحذفه المنصة أو تغلق الحساب الذي نشره.

هذه هي السوق التي كشف جانبًا منها تحقيق مشترك لمؤسسة «مونيتوري» ومشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد المعروف اختصارًا بـ(OCCRP)، بعدما تعرضت المؤسسة الجورجية المستقلة نفسها لهجوم أدى إلى اختفاء قناتها على يوتيوب.

ثلاث شكاوى أسقطت القناة

بدأت القصة عندما تلقَّت «مونيتوري» رسالةً من يوتيوب تخبرها بأن قناتها أُزيلت بسبب شكاوى بانتهاك حقوق النشر استهدفت ثلاثة مقاطع.

تناول المقطع الأول مجموعةً من حقائب «هيرميس» الفاخرة تملكها زوجة سياسي، وركَّز الثاني على قضاة خاضعين لعقوبات، بينما شرح الثالث تعديلات في ضرائب السجائر استفاد منها رجل أعمال مرتبط بالحكومة.

ذكرت رسائل يوتيوب أن الشكاوى جاءت من ثلاثة حسابات، من بينها حساب باسم «ريبو سينغ»، ادَّعى أن المقاطع أعادت استخدام صوره وتصميماته المصغَّرة من دون إذنه.

وجدت الصحفية في إخطار يوتيوب عنوانًا إلكترونيًا لمقدِّم إحدى الشكاوى، فراسلته متظاهرةً بأنها عميلة تريد حذف مقاطع نشرتها مؤسسة إعلامية منافسة. جاء الرد سريعًا: «إذن تريدين إنهاء قناة، أرسلي رابطها لنخبرك بالسعر».

انتقلت المحادثة بعد ذلك إلى رقم على تطبيق واتساب كان مسجَّلًا في دليل إلكتروني باسم «أديتيا سينغ»، حيث قال الرجل إنه يعمل من الهند، وإن «وكالته» تتقاضى ما بين 3 آلاف و5 آلاف دولار لإسقاط القناة، وإن العملاء يصلون إليه عبر الإحالات الشخصية لا الإعلانات العلنية. وعندما سألته الصحفية عن قناة «مونيتوري»، قال صراحة: «أنا من أنهيت هذه القناة».

بعد كشف الصحفية عن هويتها، طلبت منه سحب الشكاوى، فعرض التراجعَ عنها مقابل 380 دولارًا عن كل مقطع، لكنه لم يؤكد اسمه الحقيقي، ولم يكشف الجهة التي يعمل معها أو هوية العميل الذي طلب إسقاط القناة.

لا تتوافر، لذلك، معلومات مؤكدة عن الجهة التي تقف وراء العملية، ولا يثبت التحقيق أن السياسيين أو رجال الأعمال الواردين في تقارير «مونيتوري» هم من كلَّفوا بتنفيذها.

كيف تتحول الحماية إلى رقابة؟

صُمِّمت أنظمة حقوق النشر لمنح أصحاب المحتوى وسيلة سريعة لمواجهة السرقة، لكنها تمنح الشكوى أثرًا قد يسبق التحقق المتعمق من هوية مقدِّمها وملكيته الفعلية للمادة.

وتوضح سياسة يوتيوب الرسمية أن المنصة تراجع طلبات إزالة المحتوى، لكنها تحذفه إذا بدا الطلب مستوفيًا للشروط. ويؤدي حصول القناة على ثلاثة إنذارات نشطة بحقوق النشر خلال 90 يومًا إلى تعريضها للإغلاق، مع حجب محتواها ومنع صاحبها من إنشاء قنوات أخرى.

هنا تكمن الثغرة التي يستغلها المهاجمون؛ إذ لا يحتاجون بالضرورة إلى إثبات ملكيتهم أمام محكمة قبل إحداث الضرر، بل يكفي أن تبدو الشكاوى مقنعة في الفحص الأولي، ثم يصبح على المؤسسة الصحفية الاعتراضُ وتقديم الأدلة والمطالبة باستعادة محتواها.

ووفق ألبرتو فيتاريلي، الباحث المتخصص في التضليل لدى مختبر المواطن «سيتيزن لاب»، يستطيع المهاجم إنشاءَ موقع ونشرَ المحتوى عليه بتاريخ سابق، ثم الادعاءَ بأن الصحفي سرقه، ناقلًا بذلك عبءَ الإثبات إلى الضحية.

ويصف فيتاريلي هذا الأسلوب بأنه أكثر خفاءً من حملات الحسابات الآلية والتعليقات المنسَّقة، لأن مستخدمي المنصة لا يرون الهجوم، بل يكتشفون فقط أن تقريرًا أو قناة كاملة اختفت.

هجوم لا يتوقف عند يوتيوب

أعاد يوتيوب قناة «مونيتوري» بعد تواصل المؤسسة معه، لكنه لم يرد على أسئلة التحقيق. وبعد أيام، تعرَّضت صفحة المؤسسة على فيسبوك للحذف إثر شكوى أخرى وصفها التحقيق بالكاذبة، قبل استعادتها بعد تقديم اعتراض.

كما تعرَّضت خدمة «راديو أزاتيك» الكازاخية التابعة لإذاعة أوروبا الحرة لحملة مشابهة؛ أُزيلت خلالها صفحتها على إنستغرام، بينما تلقَّت حساباتها على يوتيوب وفيسبوك تحذيرات مرتبطة بمواد عن الانتخابات وإدانة ناشط سياسي وشركة يُزعم ارتباطها بنخب سياسية. وتوصَّل الصحفيون إلى أن أحد مدَّعي حقوق النشر على منشور يتعلق بمرسوم رئاسي كازاخي كان لاعبًا إلكترونيًا يقيم في باكستان، قبل أن تنجح الإذاعة في استعادة صفحتها.

ولا تبدو هذه الحالات منفصلة؛ إذ وثَّقت منظمة «مراسلون بلا حدود» حذفَ مئات المنشورات التابعة لمؤسسات كازاخية وأوزبكية بين يناير وأبريل 2026، بعد شكاوى زائفة قُدِّمت بأسماء صحفيين وشركات لا علاقة لها بالمحتوى. ووصل عدد المنشورات المحذوفة من صفحة مؤسسة «بيس» الاستقصائية وحدها إلى 545 منشورًا، قبل إعادة جزء من الحسابات والمحتوى بعد انكشاف استخدام أسماء وعناوين مزيفة.

لماذا تهم القصة الإعلام العربي؟

تكمن خطورة هذا النوع من الهجمات عربيًا في أن المنصة الاجتماعية لم تعد مجرد نافذة إضافية لنشر الأخبار، بل أصبحت لدى مؤسسات كثيرة طريقَها الرئيسي للوصول إلى الجمهور ومصدرًا للمشاهدات والإيرادات وحفظ الأرشيف المرئي.

وأظهر مسح أجرته «ستراتيجي آند» بالتعاون مع «يوجوف»، وشمل 4500 شخص في مصر والسعودية والإمارات خلال 2022، أن 68% من المشاركين اعتبروا منصات التواصل مصدرَهم الرئيسي للأخبار، فيما فضَّل 66% متابعة الأخبار في صورة مقاطع مصوَّرة عبر الهاتف.

يعني ذلك أن إسقاط قناة صحفية في المنطقة لا يحذف عددًا من المقاطع فقط، بل قد يقطع المؤسسة عن قطاع واسع من جمهورها ويُفقدها أرشيفًا بُني على مدى سنوات، ويضعف قدرتها على توزيع تحقيقاتها في اللحظة التي تكون فيها أشد حاجةً إلى الوصول.

ولا يخلو العالم العربي من سوابق لاستخدام حقوق النشر في تقييد النقد السياسي؛ فقد وثَّقت مؤسسة «الحدود الساخرة» واقعةً أرسلت فيها قناة «روتانا» شكاوى أدَّت إلى حذف مقاطع من البرنامج السعودي الساخر «فتنة»، الذي استخدم أجزاءً من بث القناة لانتقاد مالكها، ثم أُزيل أيضًا تقرير تلفزيوني لبناني تناول الواقعة، قبل أن يعيد يوتيوب المقاطع لاحقًا.

لكن لا تتوافر حتى الآن معلومات مؤكدة تثبت وجود الشبكة المدفوعة نفسها — بالوسطاء والأسعار التي كشفها تحقيق «مونيتوري» — داخل دولة عربية، أو وقوع مؤسسات عربية حديثًا ضحيةً للجهة ذاتها. الأدق، لذلك، قراءةُ الواقعة بوصفها إنذارًا مبكرًا يستند إلى سابقة عربية قديمة وبيئة إعلامية باتت أشد اعتمادًا على المنصات، لا بوصفها دليلًا على حملة عربية قائمة لم تُثبتها المصادر.

رقابة بلا قرار ولا بصمات

تكشف القضية تحولًا مهمًا في أدوات إسكات الصحافة؛ فلم يعد حذف التحقيق يحتاج دائمًا إلى قرار رسمي أو قضية قضائية يمكن معرفة أطرافها ومواجهتها، بل قد يبدأ بطلب يرسله عميل مجهول إلى وسيط وينفِّذه شخص في بلد آخر، ثم تطبِّقه منصة عالمية قبل أن تعرف المؤسسة الصحفية من استهدفها أو لماذا.

وتفرض هذه الثغرة على المنصات التحققَ بصورة أقوى من هوية مقدِّمي الشكاوى وملكيتهم للمحتوى، وإنشاءَ مسار استجابة سريع للمؤسسات الصحفية، ونشرَ بيانات أكثر تفصيلًا عن البلاغات المنسَّقة والعقوبات المفروضة على من يسيئون استخدام أنظمة حقوق النشر.

أما المؤسسات العربية فتحتاج إلى التعامل مع حساباتها على المنصات بوصفها قنوات توزيع لا مخازن وحيدة لأرشيفها، مع حفظ النسخ الأصلية وبيانات الإنتاج وتواريخ النشر وعقود الملكية، ووضع آلية قانونية وتقنية للاعتراض السريع قبل أن تتحول ثلاثة بلاغات مجهولة إلى ممحاة رقمية تمحو سنوات من العمل الصحفي.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي