الإمارات تموّل مشروعات المؤثرين: دعم للإبداع أم استثمار في تلميع الصورة؟

الإمارات تموّل مشروعات المؤثرين: دعم للإبداع أم تلميع صورة؟

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

أطلقت قمة “المليار متابع” والهيئة الوطنية للإعلام في الإمارات مبادرة “100 حلم”، بالتعاون مع صانع المحتوى البريطاني سايمن سكويب، لتمويل 100 مشروع في صناعة المحتوى والإعلام الرقمي بمليون دولار، مع تقديم الإرشاد والمساعدة في تأسيس الشركات واستخراج الرخص التجارية داخل الدولة.

وبحسب الإعلان، يحصل كل مشروع مختار على 10 آلاف دولار، ويبدأ التقديم في 20 نوفمبر 2026 بمقطع فيديو يشرح فكرته، وتُعرض المشروعات خلال الدورة الخامسة من القمة، المقررة بين 8 و10 يناير 2027، قبل المشاركة في برنامج لتطوير الأعمال يستمر 6 أسابيع.

يقدّم المنظمون المبادرة بوصفها وسيلة لتحويل الأفكار إلى شركات مستدامة وتعزيز مكانة الإمارات في اقتصاد المحتوى، وهي بالفعل فرصة لأصحاب مشروعات صغيرة، لكن عائدها على الدولة يتجاوز تأسيس الشركات، إذ يربط نجاح المشاركين بالدعم الإماراتي، ويمنحها مساحة في رواياتهم الشخصية أمام متابعين يثقون بهم.

تلك الثقة هي ما يجعل المؤثرين استثمارًا مغريًا للعلاقات العامة، فالإعلان الحكومي معروف المصدر والغرض، أما رواية المؤثر عن البلد الذي احتضن مشروعه فقد تصل إلى الجمهور باعتبارها شهادة مستقلة، حتى حين تكون المنحة والتسهيلات جزءًا أساسيًا من القصة.

ولا يتضمن الإعلان المتاح عن “100 حلم” شرطًا يلزم المستفيدين بتأييد سياسات الإمارات، ولا يثبت التمويل وحده شراء مواقفهم، لكن الدولة التي تدعم المشروع هي نفسها التي تنظّم عمله وتمنحه الترخيص، ولذلك تصبح قدرة صاحبه على نقدها مسألة جوهرية في تقييم استقلاله، خصوصًا حين يرتبط مستقبله المهني باستمرار هذه العلاقة.

وتأتي المبادرة في بلد يحتل المرتبة 158 بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وتصف “مراسلون بلا حدود” بيئته الإعلامية بأنها تقمع الأصوات المستقلة وتدفع إلى الرقابة الذاتية، فيما وثقت “هيومن رايتس ووتش” تثبيت إدانات وأحكام بحق 53 حقوقيًا ومعارضًا خلال 2025، بينهم أحمد منصور، ووصفت المحاكمة بالجائرة.

هذا السجل غائب عن صورة البلد التي تصنعها قصص النجاح ومقاطع الرفاهية، فالمساحة المتاحة للتصوير والإعلان والعمل التجاري لا تمنح بالضرورة أصحابها حرية مساءلة السلطات، وتورد البوابة الرسمية للحكومة الإماراتية ضمن معايير المحتوى الإعلامي احترام توجهات الدولة وسياساتها المحلية والدولية، بما يجعل القيود متصلة بالموقف السياسي أيضًا.

وفي مثل هذه الظروف، قد تنشأ الرقابة الذاتية من حسابات صاحب المشروع نفسه، من دون تعليمات مباشرة من الممول، إذ يصبح تجنب القضايا الحساسة وسيلة لحماية العمل والعلاقات التجارية، وتستفيد صورة الدولة مما يُستبعد من المحتوى بقدر استفادتها مما يُنشر عنها.

ولشراء الرسائل الإيجابية عبر المؤثرين سابقة موثقة، ففي ديسمبر 2023 نشر موقع “ديسموغ” تحقيقًا عن الترويج لمؤتمر المناخ “كوب 28″، أكد فيه مؤثران تلقي أموال من شركة علاقات عامة تعاقد معها الفريق الرسمي للمؤتمر.

ورصد التحقيق 5 حسابات بارزة نشرت رسائل إيجابية عن المؤتمر والإمارات، لم يُفصح سوى واحد منها عن شراكة مدفوعة، وقالت إحدى المشاركات إنها لم تكن تعرف الارتباط المحدد للحملة بالإمارات، وأعربت عن خيبة أملها.

تكمن المشكلة هنا في حجب العلاقة المالية عن المتابع، الذي قد يظن أنه يسمع رأيًا شخصيًا، بينما يتلقى مادة مدفوعة ضمن حملة علاقات عامة، وتمنح هذه الواقعة وصف “غسل السمعة” سندًا محددًا، حين تُستخدم مصداقية المؤثر لتجميل صورة جهة من دون إطلاع الجمهور على صلتها بالمحتوى، لكنها لا تثبت أن مبادرة “100 حلم” تتبع الأسلوب نفسه.

وفي بريطانيا، خضعت محاولة دخول المال المرتبط بالإمارات إلى الصحافة لتدقيق أكثر صرامة، فقد كشف تقرير “أوفكوم”، المنشور في 16 أكتوبر 2026، عن مخاوف الهيئة من محاولة تحالف “ريدبيرد آي إم آي” الاستحواذ على مجموعة “التليغراف”، وخلص إلى احتمال تعارض الصفقة مع المصلحة العامة فيما يتعلق بدقة تقديم الأخبار وحرية التعبير عن الرأي.

قدّمت “أوفكوم” تقييمها إلى الحكومة، ولم تصدر منفردة قرار منع الصفقة، وكان التحالف قد انسحب من محاولة الاستحواذ في 2024 بعد التحرك التشريعي البريطاني لمنع سيطرة الدول الأجنبية على الصحف والمجلات الإخبارية.

ورفضت “آي إم آي” التقرير، وقالت إن الهيئة خلطت بين مصالح شركة تجارية وسلوك دولة، مؤكدة أنها قدمت تعهدات ملزمة بعدم التدخل التحريري وضمانات لحماية استقلال رئيس التحرير.

تختلف السيطرة على صحيفة عن تقديم منحة لصانع محتوى، لكن الحالتين تستدعيان فحص قدرة الممول على التأثير في ما يصل إلى الجمهور، ففي ملف “التليغراف” كانت المخاوف تتعلق بمستقبل القرار التحريري تحت الملكية المقترحة، وبالنسبة إلى المؤثرين، يتعلق الأمر بما قد تفرضه تبعية المشروع للتمويل والترخيص من حدود على صاحبه.

تملك الإمارات المال والتسهيلات اللازمة لجذب صناع المحتوى، وتستفيد من تقديم نفسها بوصفها راعية لطموحاتهم، لكن الحكم على استقلال هذه التجربة يحتاج إلى أكثر من إعلان قيمة المنح وعدد المستفيدين، يحتاج إلى شروط تمويل معلنة، وإفصاح واضح عن الرعاية، وحرية فعلية في تناول سجل الدولة وانتقاد سياساتها، وإلا بقي نجاح المؤثر متاحًا للاحتفاء، وبقي نقد الجهة التي موّلته مخاطرة يتحملها وحده.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي