«مواجهة بالوكالة»: كيف تعاملت الصحافة الإسرائيلية مع مباراة مصر والأرجنتين؟

لم تكن خسارة مصر أمام الأرجنتين في ثمن نهائي كأس العالم مجرد حدث رياضي في التغطية الإسرائيلية؛ فقد تحولت المباراة إلى مساحة تأويل سياسي، بدأت بعلم فلسطين في يد حسام حسن، ومرّت بمقابلة محمد صلاح مع مراسل إسرائيلي، وانتهت بتعليقات شماتة ولقطة علم إسرائيل في المدرجات.

Author

لم تكن خسارة مصر أمام الأرجنتين في ثمن نهائي كأس العالم مجرد حدث رياضي في التغطية الإسرائيلية؛ فقد تحولت المباراة إلى مساحة تأويل سياسي، بدأت بعلم فلسطين في يد حسام حسن، ومرّت بمقابلة محمد صلاح مع مراسل إسرائيلي، وانتهت بتعليقات شماتة ولقطة علم إسرائيل في المدرجات.

مساء الثلاثاء 7 يوليو 2026، غادرت مصر كأس العالم من ثمن النهائي بعد مباراة درامية أمام الأرجنتين. تقدّم المنتخب المصري بهدفين حتى الدقيقة 79، قبل أن يقلب حامل اللقب النتيجة إلى 3-2 بهدف قاتل في الدقيقة 90+2.

لكن المباراة، في عدسة الإعلام الإسرائيلي، لم تُقرأ بوصفها مواجهة كروية فقط. فقد سبقتها أربعة أيام من اشتباك إعلامي بدأ برفع حسام حسن علم فلسطين بعد التأهل، ومرّ بمقابلة متخفية مع محمد صلاح في المنطقة المختلطة، ثم انتهى بدعوات إسرائيلية علنية لتشجيع الأرجنتين، وتعليقات ساخرة بعد خروج مصر.

قبل المباراة: مواجهة «بالوكالة» بلا إسرائيل ولا فلسطين

لم تنتظر الصحافة الإسرائيلية صافرة البداية لتحديد موقعها من المباراة. ففي يوم اللقاء، نشرت «تايمز أوف إسرائيل» مقالاً قدّم المواجهة بوصفها «مواجهة إسرائيلية-فلسطينية بالوكالة في بطولة لا يلعب فيها الإسرائيليون ولا الفلسطينيون».

اصطفّ المقال مع الأرجنتين مستنداً إلى عدة إشارات سياسية ورمزية، منها موقف الحكومة الأرجنتينية الداعم لإسرائيل، وزيارة ليونيل ميسي لحائط البراق مع برشلونة عام 2013، واستطلاع لمجلة إسرائيلية أظهر أن الأرجنتين كانت المنتخب المفضل لدى 38% من المشاهدين الإسرائيليين.

كما استعاد المقال واقعة تبرع ميسي بحذائه عام 2016 وما أثارته حينها من انتقادات في الإعلام المصري، ليعيد وضع المباراة في إطار أوسع من كرة القدم: الأرجنتين في جهة، ومصر — بما تمثله في هذا السياق من تعاطف معلن مع فلسطين — في الجهة الأخرى.

وكان لهذا التأطير امتداد في الأيام السابقة. فبعد تجاوز مصر أستراليا بركلات الترجيح يوم الجمعة 3 يوليو، رفع حسام حسن علم فلسطين وأهدى التأهل إلى شعبها، ما أثار ردود فعل إسرائيلية غاضبة رصدتها تقارير عربية. ونقلت تقارير عن «يديعوت أحرونوت» عنواناً يركّز على احتفال المدرب المصري بالعلم الفلسطيني، كما انتشرت دعوات على منصة «إكس» لتشجيع الأرجنتين أمام مصر.

وحين أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أن علم فلسطين يعود إلى دولة عضو في الاتحاد ولا يستوجب عقوبة على المدرب، تحولت الواقعة نفسها إلى مادة إضافية في السجال الإعلامي الإسرائيلي.

محمد صلاح ومقابلة الـ63 ثانية

في قلب الأسبوع ذاته، جاءت واقعة مقابلة محمد صلاح. فقد سأله أوري ليفي، مراسل هيئة البث الإسرائيلية «كان 11»، بالعربية في المنطقة المختلطة عن أعظم لاعب في تاريخ مصر، مستشهداً بمحمد أبو تريكة، من دون أن يفصح بوضوح عن الجهة التي يعمل لصالحها.

المفارقة أن الجدل حول المقابلة لم يكن عربياً فقط، بل بدأ داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه. فقد انتقدت «معاريف» محاورة لاعب معروف بمواقفه غير المؤيدة لإسرائيل، فيما استعاد موقع «سبورت 1» مواقف سابقة لصلاح، من رفض مصافحة لاعبي مكابي تل أبيب عام 2013، إلى سؤاله الاتحاد الأوروبي عن مقتل سليمان العبيد المعروف بـ«بيليه فلسطين».

لاحقاً، برّر ليفي عدم كشف هويته الإعلامية بأنه كان سيحرج صلاح، بينما ردّ المحلل موشيه بريمو بعبارة تلخص جانباً من المزاج الإسرائيلي تجاه الواقعة: «العالم كله يكرهنا».

هذه التفاصيل تصحّح قراءة شائعة؛ فالإعلام الإسرائيلي لم يتعامل مع المقابلة باعتبارها «فخاً» ناجحاً فقط، بل شهد نقاشاً داخلياً حول جدواها وطريقتها وانعكاسها على صورة المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية.

بعد صافرة النهاية: شماتة وتعليقات سياسية

بعد خسارة مصر، لم يتأخر التفاعل الإسرائيلي السياسي مع النتيجة. فبعد أقل من نصف ساعة على صافرة النهاية، كتب الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين بالعربية أن «الأرجنتين تدعم إسرائيل ولذا كان نصراً ربانياً»، ثم ثبّت تغريدة استخدم فيها وسم «علم فلسطين سبب خسارة مصر»، معتبراً أن رفع العلم كان «نحساً» على المنتخب المصري.

ورغم أن هذه اللغة بقيت أوضح في حسابات الأفراد والمساحات التحريضية أكثر من الصحافة المؤسسية، فإنها عكست كيف جرى تحويل الخسارة الرياضية إلى مناسبة للتعليق السياسي على موقف حسام حسن من فلسطين.

علم إسرائيل في المدرجات: من الاستفزاز إلى الرواية الإعلامية

اللقطة الأكثر دلالة جاءت بعد المباراة من المدرجات. فقد نشرت القناة الرياضية الإسرائيلية «سبورت 5» مادة مصوّرة بعنوان «بسبب علم إسرائيل: مواجهة مدرب مصر»، قالت فيها إن مشجعاً أرجنتينياً لوّح بعلم إسرائيل في وجه حسام حسن أثناء نزوله إلى غرف الملابس بعد الإقصاء، ما دفع المدرب إلى التوجه نحوه قبل أن تتدخل قوات الأمن.

غير أن طريقة عرض القصة كانت لافتة؛ إذ تمحورت الرواية حول انفعال المدرب المصري، لا حول فعل الاستفزاز نفسه. كما استدعت القناة تصريح حسام حسن السابق عن الشعب الفلسطيني، لتربط رد فعله في تلك اللحظة بسجله السياسي لا بسياق الهزيمة والاستفزاز المباشر.

بهذا المعنى، لم يكن العلم الإسرائيلي مجرد تفصيل عابر في المدرجات، بل تحول إلى أداة رمزية في تغطية إسرائيلية سعت إلى إعادة قراءة سلوك المدرب من زاوية سياسية.

الصحافة المؤسسية: لسعات مبطنة لا شماتة صريحة

في المقابل، لم تتصدر الشماتة المباشرة عناوين الصحف الإسرائيلية الكبرى بالطريقة نفسها التي ظهرت بها على حسابات الأفراد. فقد بدا التقرير الرئيسي لموقع «يديعوت أحرونوت» رياضياً في ظاهره، لكنه أنهى تغطيته بالقول إن مصر «ستضطر إلى الاكتفاء بالمجاملات»، كما وصف الدقائق الأخيرة باعتبارها لحظة تفكك ذهني للمنتخب المصري.

أما «يسرائيل هيوم» فركزت على أرقام ميسي السلبية، متجاهلة الحضور المصري إلى حد كبير، فيما نقلت «سبورت 1» و«سبورت 5» الغضب المصري من التحكيم، بل أوردت إحداهما رأي خبير تحكيمي اعتبر أن مصر تضررت من إلغاء أحد أهدافها.

وهكذا، توزعت التغطية الإسرائيلية بين مستويين: مستوى مؤسسي أكثر حذراً، يستخدم عبارات رياضية تحمل إيحاءات مبطنة، ومستوى فردي أو منصاتي أكثر مباشرة في الشماتة والتسييس.

مباراة كرة قدم أم مرآة سياسية؟

تكشف تغطية الصحافة الإسرائيلية لمباراة مصر والأرجنتين أن الحدث الرياضي لم يُفصل عن سياقه السياسي. فرفع علم فلسطين، وموقف حسام حسن، وسجل محمد صلاح، ودعوات تشجيع الأرجنتين، كلها عناصر أعادت تشكيل المباراة إعلامياً باعتبارها مواجهة رمزية تتجاوز الملعب.

لم تكن إسرائيل ولا فلسطين طرفاً في المباراة، لكنهما حضرتا بقوة في التغطية الإسرائيلية. وفي ذلك تكمن خلاصة المشهد: كرة القدم كانت الحدث، أما السياسة فكانت العدسة التي قرأ بها الإعلام الإسرائيلي ما جرى قبل صافرة البداية وبعد صافرة النهاية.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي