بعد دقائق من انتهائها من إدارة مناظرة رئاسية في الفلبين عام 2016، انهمرت على حسابات الصحفية كارين دافيلا عشرات الآلاف من التعليقات البذيئة والتهديدية في كل ساعة. بدت الحسابات المهاجمة آلية في تشغيلها، لكن الرسائل المشبعة بكراهية النساء صاغتها أيدٍ بشرية لغاية واضحة: ضرب مصداقيتها وشعورها بالأمان، وإرسال إنذار إلى صحفيي البلد جميعًا. وبعد عشر سنوات لم تعد المعركة تعليقات فحسب، فقد صارت دافيلا تكتشف، بحسب قصة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، صورًا مولّدة بالذكاء الاصطناعي تنتحل ملامحها للترويج لمنتجات صحية مشبوهة، ومقاطع مفبركة تُظهرها منسحبة غاضبة من الاستوديو أو متشاجرة مع سياسيين.
قصة دافيلا ليست حالة فردية، بل عيّنة من ظاهرة قاسها بالأرقام تقرير عنوانه “نقطة التحوّل: آثار العنف الرقمي وتجلياته وسبل الإنصاف في عصر الذكاء الاصطناعي”.
يختصر التقريرَ رقم واحد: 45% من الصحفيات والعاملات في الإعلام حول العالم اللاتي يفرضن رقابة ذاتية على ما ينشرنه في منصات التواصل تفاديًا للعنف الرقمي، بعدما كانت النسبة 30% عام 2020، أي بزيادة قدرها 50% في خمس سنوات. والسؤال الذي يفرضه التقرير أبعد من الأرقام: ماذا يتبقى من حرية الصحافة حين تصبح كلفة الكلام الشخصية أعلى مما تحتمله الصحفيات؟
الرقابة الذاتية: حين تصبح الغاية لا الأثر الجانبي
يسجل التقرير أن 75% من الصحفيات والعاملات في الإعلام تعرضن للعنف الرقمي أثناء أداء عملهن في 2025، مقابل 73% في 2020. والجديد المقلق ليس في حجم التعرض، فقد كان مرتفعًا أصلًا، بل في أثره السلوكي: فإلى جانب نسبة الـ45% اللواتي يكبحن أنفسهن على منصات التواصل، أقرّت قرابة 22% بممارسة رقابة ذاتية داخل عملهن الصحفي نفسه، أي إن أكثر من واحدة من كل خمس صحفيات باتت تعدّل زاوية تغطيتها أو تلين لهجتها أو تتجنب ملفات بعينها اتقاءً لموجة الاعتداء التالية.
وينسجم ذلك مع سياق أوسع وثّقه تقرير اليونسكو “الاتجاهات العالمية لحرية التعبير وتنمية الإعلام”، الذي رصد ارتفاع الرقابة الذاتية عالميًا إلى نحو 63% بين 2012 و2025، وتراجعًا تاريخيًا في حرية التعبير بنسبة 10% بين 2012 و2024. غير أن الفارق بين التقريرين جوهري: فما يقيسه “الاتجاهات العالمية” بوصفه انحدارًا عامًا، يقيسه “نقطة التحوّل” بوصفه آلية موجّهة. إذ يصف التقرير العنف الرقمي ضد الصحفيات بأنه متعمد ومنسق في كثير من الأحيان، غايته إسكات النساء في الحياة العامة وتقويض مصداقيتهن المهنية وسمعتهن الشخصية. فالرقابة الذاتية هنا ليست ضررًا جانبيًا عرضيًا للاعتداء، وإنما هدفه المقصود ونجاحه القابل للقياس.
لم يكن إدراج العربية بين لغات المسح الخمس تفصيلًا شكليًا، فالصحفيات في المنطقة العربية يصنّفهن سياق اليونسكو ضمن الفئات الأكثر تعرضًا للعنف الرقمي، ويظهر “فيسبوك”، وهو من أوسع المنصات انتشارًا في العالم العربي، بوصفه الأقل أمانًا من بين خمسة تطبيقات جرى تقييمها. وتترجم النقابات المهنية هذا التعرض إلى أرقام محلية: إذ تشير بيانات منسوبة إلى نقابة الصحفيين التونسيين إلى تسجيل 132 انتهاكًا بحق الصحفيات في تونس بين عامي 2022 و2023، بينما يكشف حجم الحضور نفسه هشاشته، فلا تتجاوز عضوات نقابة الصحافة اليمنية 170 صحفية من أصل نحو 1500 صحفي.
وتزيد بيئة الإبلاغ العربية الجرح عمقًا، إذ يصطدم قرار الشكوى بثقافة تحاسب الضحية قبل المعتدي. فبحسب تغطية للجزيرة نقلت دراسات جمعيات نسوية، فضّلت نحو 70% من الضحايا الصمت وعدم طلب المساعدة، ولم تتجاوز معدلات الإبلاغ 7% في ليبيا و6% في كل من الأردن ولبنان وتونس، لأسباب تتصدرها الخشية من اللوم وضعف المعرفة بالقانون والإجراءات. وهنا تتضاعف كلفة الرقابة الذاتية على الصحفية العربية: فهي لا تكبح نفسها اتقاءً للاعتداء وحده، بل لأن منظومة الإنصاف نفسها قد تعيد توجيه الاتهام إليها. وتلتقط اليونسكو هذا المعنى في مادة بعنوان “الإسكات بكبسة زر”، تلخص فيه المعادلة بأن إسكات صحفية واحدة يعادل إسكات صوت ألف امرأة.
الذكاء الاصطناعي: من التحرش النصي إلى انتحال الأجساد
حين أُجري مسح 2020 كانت أدوات التزييف المتقن حكرًا على أصحاب المهارات التقنية العالية، أما اليوم فصارت في متناول أي معتدٍ. ويحذر التقرير من أشكال اعتداء مدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت تطال الصحفيات تحديدًا: تطبيقات “التعرية” التي تولّد صورًا جنسية مفبركة من صور عادية، والصور الجنسية المتلاعب بها، ومحتوى التزييف العميق. وبحسب نتائج المسح التي أوردتها اليونسكو، تعرضت 9% من الصحفيات لنشر صور شخصية أو حميمة من دون موافقتهن.
وتضع بيانات “الاتجاهات العالمية” هذه الأرقام في حجمها الحقيقي: فالمواد الإباحية المزيفة تشكل نحو 98% من مجمل مقاطع التزييف العميق المتداولة على الإنترنت، والنساء يشكلن نحو 99% ممن تُنتحل صورهن فيها. أي إن التزييف العميق تقنية تشكّل استخدامها الفعلي ضد النساء بالدرجة الأولى، بأرقام لا تحتمل التأويل. وتكشف حالة دافيلا اقتصادًا كاملًا خلف هذه الصور: محتوى مفبرك مثير يُستخدم لجذب الزيارات وتضخيم الصفحات، ترجّح الصحفية الفلبينية أن سجلاتها ستُمحى لاحقًا لتتحول إلى منصات “نظيفة” جاهزة للتوظيف السياسي في انتخابات 2028، وهو ادعاء منسوب إليها يعكس قراءتها لمسار الصفحات المهاجمة لا واقعة موثقة مستقلة.
من الشاشة إلى الشارع، ومن العيادة إلى قسم الشرطة
لعل أخطر ما في التقرير أن الحاجز بين الرقمي والواقعي انهار عمليًا، فنسبة الصحفيات اللواتي ربطن الاعتداءات الرقمية باعتداء أو مضايقة أو تهديد واقعي قفزت من 20% عام 2020 إلى 42% عام 2025، بحسب اليونسكو، أي أكثر من الضعف. ويترجم هذا الاختلاط بين العالمين كلفة صحية موثقة، إذ جرى تشخيص قرابة ربع الصحفيات والعاملات في الإعلام (24.7%) بالقلق أو الاكتئاب المرتبط بما تعرضن له من عنف رقمي، ونحو 13% باضطراب ما بعد الصدمة.
وفي المقابل، وهنا يلزم إنصاف الصورة كاملة، يسجل التقرير تحولًا يمكن قراءته إيجابيًا: فالإبلاغ عن وقائع العنف الرقمي لدى الشرطة تضاعف من 11% إلى 22%، والملاحقة القانونية للجناة أو الجهات الممكّنة، ومنها شركات التقنية، أو أصحاب العمل، ارتفعت من 8% إلى 14%. فالأرقام الصاعدة هنا لا تقيس تفاقم الأذى وحده، بل تقيس أيضًا وعيًا متناميًا وإصرارًا متزايدًا على المساءلة. غير أن الطريق القانونية نفسها تكاد تكون مسدودة في معظم العالم، إذ لا تملك سوى أقل من 40% من الدول قوانين تحمي النساء من التحرش أو الملاحقة السيبرانية، بحسب بيانات البنك الدولي التي يستشهد بها التقرير، ما يترك 44% من نساء العالم وفتياته، أي نحو 1.8 مليار إنسانة، بلا حماية قانونية من الإساءة الرقمية. وتلخص كاليوبي مينغيرو، رئيسة قسم إنهاء العنف ضد المرأة في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، المعادلة بقولها إن الذكاء الاصطناعي يجعل الإساءة “أسهل وأشد ضررًا”، في سياق يتسم بتراجع ديمقراطي وكراهية للنساء منظمة عبر الشبكات.
النساء ممثلات أصلًا تمثيلًا ناقصًا في صناعة الأخبار، إذ لا تتجاوز حصتهن 26% من موضوعات الأخبار ومن معدّيها، بحسب ما أوردته مجلة فوربس في تغطيتها للتقرير. وحين تكبح 45% من الصحفيات حضورهن على المنصات وتخفف 22% منهن تغطياتهن، تخسر غرف الأخبار بحساب تحريري بحت مصادر وزوايا وملفات كاملة، أشدها حساسية على الأرجح: الملفات الاستقصائية والسياسية، حيث تتركز حملات الإسكات المنسقة أصلًا. والمنطق الذي يكشفه التقرير بسيط وقاسٍ في آن: فالعنف الرقمي ضد الصحفيات ليس مجرد مشكلة سلامة فردية تُعالج بإغلاق التعليقات وحجب الحسابات، وإنما مشكلة حرية صحافة تُقاس بما لا يُكتب.
النسخة المقبلة من “نقطة التحوّل” ستصدر في عالم تكون أدوات التوليد فيه أرخص وأدق وأوسع انتشارًا، والسؤال المفتوح الذي يتركه التقرير: هل تلحق التشريعات والمنصات بإيقاع التقنية قبل أن يتحول صمت الصحفيات من استثناء إلى قاعدة؟ فأخطر ما في الرقابة الذاتية أنها الاعتداء الوحيد الذي لا يترك أثرًا يُحصى، إذ إن المقال الذي لم يُكتب لا يدخل أي قاعدة بيانات.

