أوامر قبض بحق 47 صحفياً سودانياً في مناطق سيطرة الجيش بسبب تحقيق عن الفساد

ملاحقة 47 صحفياً وإعلامياً سودانياً في مناطق سيطرة الجيش على خلفية نشر تحقيق عن الفساد

في 22 يوليو 2026، قرأ محمد عبد القادر، المدير العام لصحيفة “الكرامة”، اسمه في إعلانٍ صادر عن نيابة جرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر مقروناً بعبارة “متهم هارب”. وفي اليوم التالي كتب على “فيسبوك” جملةً تختصر القضية: “هو وينو أمر القبض الأنا استلمتو حتى أخفي نفسي؟”. فالإعلان الذي حمل اسمه حمل معه أسماء 47 صحفياً وإعلامياً، بينهم رؤساء تحرير صحف ومنصات، مطلوبين جميعاً بأوامر قبض على خلفية نشر أو إعادة نشر تحقيقٍ صحفي تناول مزاعم فساد داخل إحدى مؤسسات الدولة. الملاحقة لم تنصبّ على مضمون التحقيق، بل على فعل النشر نفسه — والسؤال المركزي: ماذا يتبقّى من الوظيفة الرقابية للصحافة حين تصبح محاسبة الناشر أرجح من التحقيق فيما نشره؟

لا تُفهم الواقعة من دون تثبيت هوية السلطة القائمة على المكان. فبورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، هي العاصمة الإدارية الفعلية للسودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتقع — مع الولاية كلها — تحت سيطرة الجيش السوداني وسلطة مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يجمع بين قيادة الجيش ورئاسة الدولة. ومنها تُدار مؤسسات الحكم: مجلس الوزراء، والنيابة العامة، والوزارات. أي أن الجهاز القضائي الذي أصدر الإعلانات يعمل ضمن منظومة السلطة القائمة بقيادة البرهان، وأن الملاحقة تجري في قلب المنطقة الأكثر استقراراً وخضوعاً لسيطرة الجيش — لا في مناطق النزاع أو مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

في 22 يوليو، نُشرت قائمة أولى ضمّت 18 اسماً، بينهم مزدلفة محمد عثمان، رئيسة تحرير “سودان تربيون”، مع مهلة أسبوع لتسليم أنفسهم. وفي 23 يوليو صدر بيانان: الأول عن “محامي الطوارئ”، وثّق 47 أمر قبض، صدرت في مواجهة 17 منهم إعلانات “متهم هارب”؛ والثاني عن نقابة الصحفيين السودانيين. والفارق بين 18 و17 يُثبَّت كما هو، ولا تتوافر معلومات مؤكدة تحسمه.

استندت الملاحقة — بحسب بيان المحامين — إلى المواد 10 و23 و24 و25 من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018، وأبرزها المادة 24 التي تجرّم “الأخبار الكاذبة” بعباراتٍ فضفاضة، وقد رفع تعديل 2020 عقوبتها القصوى من سنة إلى 4 سنوات أو الجلد، بحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.

اختبار الإخطار

يكفي لتقييم الإجراء اختبارٌ واحد: هل عَلِم المتهم بالبلاغ، ثم استُدعي، ثم امتنع — قبل وصفه بالهارب؟ المعطى المتاح أن الاختبار لم يُستوفَ: الصحفيون يؤكدون أنهم لم يتلقّوا إخطاراً ولا استدعاء، وفوجئوا بالإعلانات. ونقابة الصحفيين — التي أكدت “احترامها لاستقلال القضاء” — رفضت وصف صحفيين معروفين بـ”الهاربين” وهم خارج البلاد ووسائل التواصل معهم متاحة، ونبّهت إلى أن الوصف يعرّضهم للتوقيف عند أي منفذ، فيتحوّل عملياً إلى منعٍ من العودة بلا حكم قضائي.

وليست الواقعة معزولة. ففي أبريل 2026، رُحّلت الصحفية هاجر سليمان إلى دنقلا للتحقيق بشأن مقالٍ عن شبهات فساد داخل النيابة العامة نفسها، ونظّم صحفيون وقفة في بورتسودان ضد “البلاغات الكيدية”. وشهد 2026 خمس قضايا فردية على الأقل — أبرزها سجن رشان أوشي قبل إطلاقها لاحقاً — تتقاطع عند النشر الإلكتروني ونيابة المعلوماتية وبورتسودان. كل ذلك فوق أرضية منهارة: أكثر من 30 صحفياً قُتلوا منذ الحرب بحسب النقابة، وتراجع السودان إلى المرتبة 161 من 180 في مؤشر “مراسلون بلا حدود” لعام 2026.

“حماية السمعة” حقٌّ يقرّه القانون الدولي، وأن الحرب تجعل التضليل ضرراً واقعياً، وأن النقابة نفسها قالت إن “حرية الصحافة لا تعني الإعفاء من المسؤولية”. لكن الاعتراض ليس على حق التقاضي، بل على 3 عناصر: وصف الصحفي هارباً قبل إخطاره، واختيار قانون المعلوماتية بدل قوانين الصحافة، والامتناع عن فتح تحقيقٍ في مزاعم الفساد ذاتها — وهو ما طالب به “محامو الطوارئ” استناداً إلى المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

قد تنتهي القضية بإلغاء الإعلانات أو حفظ الدعوى، لكن الرسالة وصلت إلى غرف التحرير في مناطق سيطرة الجيش: نشر مادة عن الفساد قد يضع اسمك في قائمة مطلوبين قبل أن تعلم بوجود بلاغ. وهذا هو “الأثر المُثبِّط” الذي لا يحتاج إلى إدانة كي يعمل. والمفارقة المكتملة أن التحقيق الذي أثار كل هذا لم يُفتح فيه تحقيق؛ فُتح تحقيقٌ في من نشره. ويبقى السؤال معلّقاً على انقضاء المهلة نحو 29 يوليو: هل يُستدعى الصحفيون بوصفهم متهمين لهم حق الدفاع — أم يظلّون “هاربين” من استدعاءٍ لم يصلهم قط؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي