كشف مقال نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة عن اتجاه متزايد داخل المؤسسات الإعلامية العالمية نحو إعادة إحياء الأرشيف الصحفي وتحويله إلى مصدر للقصص والتحليلات والمنتجات التحريرية الجديدة، في محاولة لمواجهة إرهاق الجمهور من الأخبار اليومية وتقديم محتوى أعمق يربط الماضي بالحاضر.
وبحسب المقال الذي أعدّته “بريسيلا بيهلمان” فإن الصحافة بطبيعتها سريعة الزوال؛ إذ تكتسب المادة الصحفية قيمتها في لحظة نشرها قبل أن تختفي لاحقًا في الأرشيف.
وغالبًا ما يبقى هذا الأرشيف مجرد قاعدة بيانات داخلية يستخدمها الصحفيون أو يعود إليه القراء أحيانًا عبر البحث، لكنه نادرًا ما يُستثمر بوصفه مادة تحريرية جديدة.
الأرشيف كمصدر للقصص
تشير تجارب عدد من المؤسسات الإعلامية إلى أن الأرشيف يمكن أن يتحول إلى منجم للقصص الصحفية. ففي مجلة The Economist يعمد فريق التحرير أحيانًا إلى إعادة نشر مقالات قديمة وربطها بالأحداث المعاصرة، مثل إعادة نشر مراجعة أدبية للرواية الكلاسيكية Wuthering Heights التي كُتبت عام 1848 بالتزامن مع إصدار فيلم جديد للرواية عام 2026.
كما استعادت المجلة مقالًا نشرته عام 1981 حول محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، بعد محاولة اغتيال دونالد ترامب عام 2024، في محاولة لإضاءة الحدث المعاصر من خلال سياقه التاريخي.
ويرى صحفيون في المجلة أن هذه المقاربة تساعد على كسر إيقاع الأخبار اليومية وتقديم منظور مختلف للأحداث، إلى جانب إبراز جودة الكتابة الصحفية في أرشيف المؤسسة.
تحويل الأرشيف إلى منتجات تحريرية
ولا تقتصر الاستفادة من الأرشيف على إعادة نشر المقالات القديمة، بل تمتد إلى تحويله إلى منتجات تحريرية جديدة.
فقد أطلقت مجلة The Economist مسابقة أسبوعية بعنوان Dateline Quiz تطلب من القراء تخمين السنة التي كُتب فيها مقتطف من الأرشيف، وهو ما حقق تفاعلًا واسعًا بين المشتركين.
كما طوّر الفريق مشروعًا تفاعليًا بعنوان Archive 1945 يعيد سرد أحداث عام 1945 أسبوعًا بعد أسبوع، مستندًا إلى تقارير المجلة الأصلية، مع إضافة مقالات تحليلية وصور وخرائط ومواد مرئية تقدم سياقًا أوسع لتلك المرحلة التاريخية.
وفي تجربة أخرى، أطلقت المجلة مشروع America at 250 الذي يستعرض تاريخ الولايات المتحدة عبر سبعة فصول شهرية اعتمادًا على مواد أرشيفية للمجلة، مع ربطها بالنقاشات السياسية والاقتصادية المعاصرة.
الأرشيف لفهم الحاضر
تعتمد منصة RetroNews، التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية، على فكرة مشابهة تقوم على ربط أرشيف الصحافة الفرنسية بالأحداث الجارية.
ويعمل فريق تحرير الموقع على إنتاج مواد تحليلية تستند إلى أرشيف الصحف لإضاءة جذور النقاشات الحالية. فعلى سبيل المثال، تناولت إحدى السلاسل التحريرية كيفية إعادة تشكيل المشهد الزراعي في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ضمن برامج إصلاح الأراضي المرتبطة بخطة مارشال، وهو ما يساعد على تفسير الجدل الدائر اليوم حول السياسات الزراعية في البلاد.
كما تعاون الموقع مع صحيفة Libération خلال أولمبياد باريس 2024 لإعادة نشر تغطية الصحافة لأولمبياد باريس عام 1924، موضحًا أن كثيرًا من الانتقادات التي طُرحت قبل قرن – مثل الازدحام وتكاليف التنظيم – تشبه إلى حد كبير النقاشات التي رافقت دورة 2024.
الأرشيف كأداة لفهم التاريخ السياسي
في نيجيريا، يعمل مشروع Archivi.ng منذ عام 2020 على رقمنة آلاف الصحف النيجيرية وإتاحتها للصحفيين والجمهور، بهدف توظيف الأرشيف في تفسير القضايا العامة المعاصرة.
ومن بين المنتجات التي طورها المشروع لعبة تفاعلية تساعد القراء على إدراك حجم الفساد في عهد الحاكم العسكري ساني أباشا، الذي أُدين بسرقة 3.65 مليار دولار من أموال الدولة بين عامي 1993 و1998.
ويؤكد القائمون على المشروع أن توفير الوثائق الأرشيفية وحده لا يكفي لجذب الجمهور، إذ يحتاج القراء إلى محتوى تحليلي يقدّم خلاصة واضحة ورؤى مستندة إلى تلك المواد.
الأرشيف كذاكرة للمؤسسة
ولا يقتصر دور الأرشيف على إنتاج محتوى جديد أو تفسير الأحداث، بل يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في فهم تاريخ المؤسسة الإعلامية نفسها.
فقد استخدمت صحيفة La Croix الفرنسية أرشيفها الصحفي لنشر ملف يعالج تاريخها المرتبط بمعاداة السامية، في خطوة هدفت إلى الاعتراف بالماضي وشرح تطور الخط التحريري للصحيفة.
كما يعتمد صحفيو مجلة Charlie Hebdo على الأرشيف لفهم تاريخ الصحيفة وتقاليدها التحريرية، حيث يُشجَّع الصحفيون الجدد على قراءة الأعداد القديمة للتعرف إلى أسلوب الكتابة والنبرة التحريرية التي تميزها.
الماضي الذي يضيء الحاضر
وتظهر هذه التجارب التي سردها مقال معهد رويترز أن الأرشيف الصحفي لم يعد مجرد مخزن للمواد القديمة، بل أصبح أداة تحريرية قادرة على تقديم سياق أعمق للأحداث وتعزيز الهوية التحريرية للمؤسسات الإعلامية.
ومع تطور أدوات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن يتوسع استخدام الأرشيف في غرف الأخبار بوصفه مصدرًا غنيًا للقصص والتحليلات التي تربط الماضي بالحاضر وتمنح الجمهور فهمًا أوسع لما يجري اليوم.

