حين ينتهي المذيع من قراءة الخبر، يبدأ الضيف في صناعة معناه. فالخبير أو المحلل لا يملأ وقت البثّ فحسب، بل يحدّد زاوية النظر إلى الأزمة، ويشرح أسبابها، ويرسم أمام الجمهور ما قد يحدث لاحقًا. ولهذا لا يُعدّ اختيار الضيوف تفصيلًا إنتاجيًا عابرًا، بل هو جزء من السلطة التي توزّعها الشاشة على من يملكون حقّ التفسير. لكنّ النساء يصلن إلى هذه المساحة متأخّرات وبأعداد محدودة.
رصد فريق “مرصد الإعلام العربي” 635 مشاركة لضيوف في قنوات “الجزيرة” و”التلفزيون العربي” و”العربية” و”الحدث” و”سكاي نيوز عربية” و”الشرق بلومبرغ”، خلال الفترة من 23 إلى 27 أغسطس 2026، وسجلت النساء 59 مشاركة فقط، أي 9.5 في المئة من الإجمالي، لكن دلالة الرقم لا تكتمل إلا عند تفكيكه بحسب القناة والبرنامج ونوع الملف؛ فالحضور النسائي يتركز في مساحات بعينها، بينما يكاد يغيب عن قلب النشرة السياسية.
تكشف عينة الرصد صورة متكررة على الشاشات الإخبارية العربية: في الصباح، تظهر طبيبات وخبيرات تغذية وصانعات محتوى، ثم تتبدل الوجوه بعد ساعات حين ينتقل البث إلى الحرب والسياسة والأمن، فيتولى الرجال تفسير الخبر وشرح أسبابه ورسم ما قد يحدث لاحقًا، وهنا لا تعود المسألة مجرد تفاوت عددي، بل تصبح سؤالًا عن نوع المساحة التي تصل إليها النساء ومن تمنحه الشاشة سلطة التفسير.
ست قنوات تحت سقف الخُمس
تفاوتت القنوات الست في نصيب النساء من ضيوفها، لكنها لم تبلغ في أي منها عتبة الخُمس، وتصدرت “العربية” بنسبة 19.9 في المئة، بواقع 28 مشاركة من أصل 141، تلتها “الشرق بلومبرغ” بنسبة 13.2 في المئة، بواقع 18 من 136، ثم هبط المؤشر إلى 6.2 في المئة في “التلفزيون العربي”، و4.4 في المئة في “سكاي نيوز عربية”، واستقر في القاع عند 2.5 في المئة في “الجزيرة” و2.4 في المئة في “الحدث”.
| القناة | إجمالي المشاركات | مشاركات نسائية | النسبة |
|---|---|---|---|
| العربية | 141 | 28 | 19.9% |
| الشرق بلومبرغ | 136 | 18 | 13.2% |
| التلفزيون العربي | 65 | 4 | 6.2% |
| سكاي نيوز عربية | 90 | 4 | 4.4% |
| الجزيرة | 118 | 3 | 2.5% |
| الحدث | 85 | 2 | 2.4% |
| الإجمالي | 635 | 59 | 9.3% |
توزيع مشاركات الضيوف بحسب النوع في القنوات الست، من 23 إلى 27 أغسطس 2026

“العربية”: أربعون في المئة صباحًا.. و2.6 في المئة في السياسة
تبدو “العربية” في صدارة الترتيب، لكن تفكيك بياناتها يكشف مفارقة أشد دلالة من النسبة الإجمالية؛ فمن أصل 28 مشاركة نسائية على القناة، جاءت 26 داخل “صباح العربية” وفقراته المتعلقة بالتغذية والطب النفسي والتجميل والتعليم وصناعة المحتوى، حيث بلغت حصة النساء 40 في المئة من ضيوف البرنامج، أما في الملفات السياسية والدولية خارج هذه المساحة، وعددها 76 مشاركة، فلم تظهر سوى امرأتين، بنسبة 2.6 في المئة.
داخل القناة نفسها، ينكمش حضور النساء كلما انتقل الحديث من فقرات الصحة والحياة إلى طاولة تحليل الحرب والسياسة.
تزداد الصورة وضوحًا في البرامج المسائية التي تصوغ الانطباع الأول عن الأزمات؛ فقد استضاف برنامج “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية” 16 ضيفًا من دون امرأة واحدة، وسجل “نقاش الساعة” على “الجزيرة” 42 مشاركة رجالية خلال أيام الرصد الخمسة، أي بمتوسط يزيد على ثمانية ضيوف في اليوم، من دون ضيفة واحدة، ومع “من واشنطن” و”سيناريوهات” و”محاولة فهم” بلغ مجموع المشاركات في أبرز المساحات التحليلية المسائية نحو 69 مشاركة، كلها لرجال.
وبهذه الكثافة، بدا “نقاش الساعة” في حدود العينة أقرب إلى منبر ذكوري مغلق، لا لندرة الضيوف بل لغياب التنوع بينهم، وجاءت الاستثناءات المحدودة في نوافذ نهارية أو ذات طابع بحثي، مثل “هذا النهار” على “التلفزيون العربي”، بأربع نساء من أصل 16 مشاركة، و”ما وراء الخبر” على “الجزيرة”، بامرأتين من أصل عشر، أما المساء السياسي فظل المساحة الأكثر انغلاقًا أمام الخبيرات.

الاقتصاد يفتح الباب.. لكن غالبًا لخبيرات أجنبيات
قدمت “الشرق بلومبرغ” الاستثناء الأوضح في نوعية الدور الذي أدته النساء؛ فالضيفات الثماني عشرة ظهرن بصفات خبيرة صريحة، بين محللات للأسواق والسلع والعملات ومسؤولات تنفيذيات، ومن بينهن كورنيليا ماير ونانسي ديفيز ورونا أوكونيل، غير أن توزيع الأسماء يكشف فجوة أخرى، إذ كانت 12 ضيفة أجنبية مقابل ست عربيات فقط، هن سارة الياسري وروان عويدات وعائشة طارق وسوزان الأموي، إلى جانب محللتي القناة ماري سالم وزينة إبراهيم.
فتح الاقتصاد نافذة للخبرة النسائية على هذه الشاشة، لكنه فتحها عبر البوابة الدولية أكثر من العربية، وهو ما يضاعف ضيق المساحة أمام الخبيرة العربية تحديدًا.
أين ظهرت الضيفات؟ الصباح والاقتصاد أولًا
حين توزع المشاركات النسائية التسع والخمسون بحسب طبيعة الدور، تتضح الخريطة كاملة؛ فقد جاءت 27 مشاركة في البرامج الصباحية وموضوعات الصحة والمجتمع والتجميل والتعليم، و19 في الاقتصاد والأسواق، وتسع فقط في الشأن السياسي والدولي والحقوقي والأممي، وأربع في التحليل داخل النشرات النهارية والمسائية، وبذلك تركز أكثر من ثلاثة أرباع الحضور النسائي في بابين اثنين، الصباح والاقتصاد، بينما بقي قلب العمل الإخباري السياسي شبه مغلق.

التحليل العسكري: باب بلا ضيفة واحدة
بلغ الغياب ذروته في التحليل العسكري والاستراتيجي؛ فمن بين 17 مشاركة قدم أصحابها بوصفهم خبراء في الشؤون العسكرية والأمن والدفاع، وبينهم حملة رتب، لم تظهر امرأة واحدة، وامتدت القائمة من العميد إلياس حنا واللواء محمد عبد الواحد على “الجزيرة”، إلى اللواء محمد الصمادي على “التلفزيون العربي” والعميد خليل الحلو على “سكاي نيوز عربية”، ليظل الباب الأكثر حساسية في زمن الحرب مغلقًا تمامًا أمام النساء طوال أيام الرصد.
فجوة عربية داخل نمط عالمي
لا تبدو النتيجة استثناء محليًا، بل تقع عند الطرف الأكثر حدة من نمط رصدته دراسات دولية على مدى ثلاثة عقود؛ فبحسب النسخة الأحدث من “المشروع العالمي لرصد الإعلام”، الصادرة عام 2025 بدعم من “الأمم المتحدة للمرأة”، لم تتجاوز حصة النساء بوصفهن أشخاصًا في الأخبار 26 في المئة عالميًا، مقارنة بـ17 في المئة عام 1995، أي زيادة قدرها تسع نقاط فقط خلال ثلاثين عامًا.
والفجوة الأعمق نوعية قبل أن تكون كمية؛ فالنساء لا يقدمن بوصفهن خبيرات أو متحدثات رسميّات إلا في 23 في المئة من الحالات، بينما ترتفع حصتهن إلى 46 في المئة عندما يكون المطلوب “رأيًا شعبيًا” أو تجربة شخصية، فتظهر المرأة أقرب إلى الشاهدة منها إلى المفسرة، وتنخفض النسبة إلى 22 في المئة في موضوعات السياسة والحكومة و25 في المئة في الاقتصاد، فيما يضع المشروع منطقة الشرق الأوسط عند 19 في المئة، وهي من أدنى النسب عالميًا.
لا تخرج العينة العربية، إذن، عن الاتجاه العالمي، لكنها تسجل مستوى أشد انخفاضًا لأنها تقيس تحديدًا ضيوف التحليل والخبرة في ملفات الحرب والسياسة والاقتصاد، وهي الأبواب التي يضيق فيها حضور النساء أصلًا.
حدود القراءة
تقيس العينة المشاركات لا الأشخاص، إذ قد تظهر الضيفة نفسها أكثر من مرة، ويقدر عدد النساء المختلفات بنحو 49 امرأة، كما يقتصر الرصد على الضيوف ولا يشمل المذيعات والمراسلات، وهن عادة أوسع حضورًا، واستنتج النوع من الأسماء والصفات، وهو تقدير قد يخطئ في بعض الأسماء الأجنبية، كما ورد سجل واحد مجمع لأكثر من اسم.
اعتمدت النسبة الرئيسة جميع السجلات الـ635 كما وردت في قاعدة الرصد، فبلغت حصة النساء 9.3 في المئة، وفي أساس عد أضيق يستبعد السجلات غير المحددة أو المجمعة تصبح النسبة 9.5 في المئة، بواقع 57 مشاركة نسائية من أصل 603، وهو فرق محدود لا يغير اتجاه النتيجة، كذلك لا تسمح خمسة أيام وحدها بتعميم الأرقام على سياسة تحريرية دائمة، ولا سيما أن فترة الرصد شهدت غلبة لملفات الحرب والأمن التي تميل غرف الأخبار إلى استضافة الرجال فيها.
قد ترتفع هذه النسبة أو تنخفض في عينة أخرى بحسب طبيعة الأحداث والملفات المطروحة، لذلك لا يقدم الرصد حكمًا نهائيًا على القنوات بقدر ما يوجه رسالة مهنية إلى غرف الأخبار لمراجعة قوائم الضيوف بصورة دورية، والبحث خارج الدوائر المعتادة عن خبيرات في السياسة والاقتصاد والأمن، حتى لا يبقى حق تفسير العالم موزعًا بين الرجال، فيما تنتظر النساء دورهن خارج الكادر أو داخل فقرة صباحية عن التغذية.

