حين هبطت الصحفية الفرنسية أليس فروسار في مطار بن غوريون قرب تل أبيب، كانت تحمل تصريح سفر سارياً وخطة عمل في الضفة الغربية المحتلة، حيث أمضت سنوات في التغطية، لكنها بحلول صباح اليوم التالي كانت على متن طائرة عائدة إلى باريس، بعد أن رفضت السلطات الإسرائيلية دخولها.
حالة فروسار، التي رُحِّلت في الحادي عشر من يونيو، ليست منفردة، بل واحدة من ست حالات على الأقل وثّقتها لجنة حماية الصحفيين (CPJ) لمراسلين أجانب مُنعوا من دخول إسرائيل والأراضي الفلسطينية خلال العام الماضي، في ما تصفه اللجنة بتضييق متصاعد على الصحفيين الذين تنتقد تغطياتهم الحكومة الإسرائيلية.
اللافت في هذه الحالات أن المنع لم يعد يستند إلى اعتبارات أمنية مبهمة، بل إلى ما كتبه الصحفيون أنفسهم. فبحسب وثائق اطّلعت عليها لجنة حماية الصحفيين وتقارير إعلامية، استشهد المسؤولون في حالة اثنين من كل ثلاثة من هؤلاء الصحفيين بتغطياتهم أو تصريحاتهم العلنية أساساً لقرار المنع، بما في ذلك استخدامهم مصطلحات مثل «الفصل العنصري» أو «الإبادة» في وصف السياسات الإسرائيلية، فيما قال الباقون إنهم لم يتلقّوا تفسيراً يُذكر، لكنهم يرجّحون أن تغطياتهم كانت السبب.
يأتي هذا في سياق أوسع تواصل فيه إسرائيل منع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة بصورة مستقلة، باستثناء جولات محكومة برفقة الجيش الإسرائيلي، ما يُلقي عبء التغطية الميدانية للحرب على المراسلين الفلسطينيين داخل القطاع.
وفي الثالث من يونيو الجاري، أبلغت الدولة المحكمة العليا أنها ستُبقي على حظر الدخول غير المرافَق أمام الصحفيين الأجانب والمحليين على السواء، مُحتجّةً بدواعٍ أمنية، وذلك بعد أشهر من المساعي القضائية التي خاضتها لجنة حماية الصحفيين ورابطة الصحافة الأجنبية واتحاد الصحفيين في إسرائيل ومنظمة مراسلون بلا حدود.
ويصف نمط الحالات الموثقة الآلية ذاتها التي تتكرر. ففي حالة فروسار، نقلت صحيفتا تايمز أوف إسرائيل وآي 24 نيوز أن قرار الترحيل استند إلى إشاراتها الموثقة إلى عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة بوصفها «مجزرة»، واتهامها إسرائيل بممارسة الفصل العنصري، وهو اتهام سبق أن وجّهته منظمات حقوقية من بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. وكانت فروسار، وفق راديو فرنسا الدولي الذي تعمل لحسابه، تحمل تصريح السفر الإلكتروني المطلوب وتقدّمت بطلب بطاقة صحفية للعمل في الضفة.
ووصفت رابطة الصحافة الأجنبية الاتهامات الموجهة إليها بأنها «شائنة»، مذكّرةً بأنها ليست المرة الأولى التي تقرر فيها الحكومة الإسرائيلية أن التغطية الصحفية «أحادية الجانب».
وتكرر المنطق نفسه مع المصورة الصحفية الفرنسية فريديريك لو برون، التي قالت للجنة إنها احتُجزت للاستجواب ساعات عند وصولها في أكتوبر 2025، حيث سألها الضباط عن منشوراتها بشأن صحفيين قُتلوا في غزة وعن تقارير تتحدث عن إبادة، وعن كيفية توصيفها لهجوم السابع من أكتوبر، قبل أن يطلبوا الاطلاع على هاتفها وحساباتها ثم يرحّلوها.
أما الصحفي الإيطالي المستقل أليساندرو ستيفانيلي، فبدأ منعه قبل وصوله، إذ أُبلغ في يوليو 2025 بإلغاء تصريحه الساري حتى 2027، وحين حاول الدخول عبر جسر اللنبي من الأردن مُنع بعد استجواب امتد نحو خمس ساعات. وحصل لاحقاً عبر محاميه على وثيقة من سلطة السكان والهجرة تُرجِع القرار إلى ما وصفته بـ«التغطية أحادية الجانب»، مع إشارة محددة إلى استخدامه مصطلح «الفصل العنصري» في مقالاته عن الضفة. ووفق صحيفة هآرتس، جمعت وحدة شرطية عشرات من مقالاته وصوره ومنشوراته قبل أن توصي بمنعه.
ويتسع النمط ليشمل الصحفية الإسبانية كيرالت كاستيو ثيريثويلا، التي رُفض طلب اعتمادها الصحفي في أبريل بعد أن اتهمتها وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية بدعم حركة المقاطعة وباستخدام مصطلحات مثل «إبادة» و«مجزرة» في تقاريرها. وقالت كاستيو إنها علمت بالمنع من بيان للوزارة جرى تعميمه على مجموعة للصحفيين الأجانب عبر واتساب.
في المقابل، يقف صحفيون آخرون أمام منع بلا تفسير. فالصحفية الفرنسية المستقلة خديجة توفيق، التي نُشرت أعمالها في ليبراسيون وماريان وبلاست، قالت إن تصريحها أُلغي في يناير 2026 بإشعار مقتضب يشير إلى «تغيّر في الظروف»، رغم أنها كانت قبل أشهر تحمل تأشيرة واعتماداً من المكتب الحكومي للصحافة. وتلقّت صحفية فرنسية أخرى، تحدثت شرط عدم كشف هويتها، الإشعار نفسه في مارس بعد قرابة عقدين من التغطية في المنطقة، مرجّحةً أن السبب قد يكون دعمها تجمّعاً يدافع عن صحفيي غزة أو تغطيتها من الضفة، من دون أن تتلقى تفسيراً.
وتنفي السلطات وجود سياسة ممنهجة. فقد ردّت سلطة السكان والهجرة على استفسارات اللجنة بأنه «لا توجد سياسة لرفض الصحفيين، ولم توجد قط»، وأن كل حالة تُعالَج وفق ظروفها استناداً إلى قانون الدخول إلى إسرائيل، مضيفةً أن الحالات المتعلقة بالصحفيين تُعامَل بحساسية خاصة، لكن «التوصية القاطعة» بحق مسافر بعينه تؤخذ في الحسبان عند طلبه الدخول حتى لو كان صحفياً.
كذلك أكد المكتب الحكومي للصحافة أنه لا تغيير في سياسة التأشيرات، مشدداً على حق إسرائيل في منع من تشاء، وأن «لا تعني لا أحياناً».
وتلخّص مديرة لجنة حماية الصحفيين لشؤون المنطقة سارة قُضاة جوهر القلق بقولها إن إسرائيل لم تعد تكتفي بمنع الصحفيين الأجانب من دخول غزة بصورة مستقلة، بل صارت تمنعهم من دخول إسرائيل والضفة استناداً إلى تغطياتهم وتصريحاتهم وآرائهم السابقة، وهو ما تعدّه اللجنة مساساً بمبدأ حرية الصحافة في جوهره. وفي غياب بيانات رسمية معلنة عن عدد من مُنعوا أو رُحِّلوا، يبقى مدى الظاهرة غير مؤكد، لكن الشهادات المتطابقة ترسم صورة واحدة: تغطية الصحفي نفسها باتت محور التدقيق على الحدود وفي مراجعة التأشيرات.

