انتقد الكاتب والصحفي البريطاني جوناثان كوك طريقة تناول وسائل إعلام بريطانية للجدل بشأن “حق إسرائيل في الوجود”، معتبرًا أن إصرار المحاورين على هذا السؤال يخلط بين حماية السكان والإبقاء على بنية سياسية تُخضع الفلسطينيين للتمييز والاضطهاد، بحسب وصفه.
ربط كوك هذا الجدل بقرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز اعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، واتهم وسائل إعلام بتحويل النقاش من مضمون القرار وحقوق الفلسطينيين إلى مطالبة منتقدي إسرائيل بتأكيد حقها في الوجود.
واستشهد بمقابلة أجراها مذيع “بي بي سي” نيك روبنسون مع زعيم الحزب زاك بولانسكي، قال إن المحاور ألح خلالها على انتزاع هذا التأكيد، بينما ركز بولانسكي على حق الإسرائيليين والفلسطينيين في العيش على قدم المساواة.
ويرى كوك أن صياغة السؤال بهذه الطريقة تستبعد تمييزًا أساسيًا بين حقوق البشر وطبيعة الدولة التي تحكمهم، فحق الإسرائيليين في الحياة والأمن والحماية من الاضطهاد، وفق طرحه، لا يعني منح مؤسسات الدولة وسياساتها حصانة من التغيير أو المساءلة.
ويبني الكاتب حجته على رفض اعتبار الدول ترتيبات سياسية ثابتة إلى الأبد، مستشهدًا بتفكك دول وتغير أنظمة سياسية، بينها تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ليؤكد أن تبدل شكل الدولة أو نظام الحكم لا يساوي الدعوة إلى القضاء على سكانها.
واتهم كوك التغطية الإعلامية بالإيحاء بأن رفض عبارة “حق إسرائيل في الوجود” يعني تأييد قتل اليهود أو طردهم، معتبرًا أن هذا الربط يطمس مواقف تدعو إلى المساواة، ومن بينها موقف بولانسكي، وهو يهودي، وستيفن كابوس، الناجي من المحرقة وأحد مقدمي مقترح حزب الخضر.
وبحسب الكاتب، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه يتعلق بطبيعة الدولة والحقوق التي تكفلها للسكان الخاضعين لسلطتها، ومدى إمكان تغيير بنيتها لإنهاء التمييز، بدلًا من التعامل مع ترتيبها السياسي القائم بوصفه غير قابل للمراجعة.
ويمد كوك حجته إلى الدولة الفلسطينية أيضًا، موضحًا أن إطلاق وصف “دولة” على كيان فلسطيني لا يكفي لضمان الحرية أو السيادة، إذا ظل محرومًا من السيطرة على حدوده وأجوائه، ومجزأ الأراضي، وخاضعًا للقرار الإسرائيلي.
ولشرح ذلك، يعرض سيناريوهات افتراضية لكيانات تحمل أسماء دول في غزة والضفة الغربية، لكنها تفتقر إلى الاستقلال الفعلي، ويتساءل عما إذا كان الاعتراف بها سيُستخدم لاحقًا لرفض مطالب الفلسطينيين بتغيير شروط حياتهم وانتزاع حقوقهم.
ويطرح المقال إمكان تحقق التمثيل السياسي للفلسطينيين عبر دولة مستقلة أو ترتيب كونفدرالي أو دولة واحدة تضمن المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رابطًا شرعية أي صيغة بقدرتها على حماية السكان وصون كرامتهم وأمنهم.
وتتركز ملاحظة كوك على دور المحاور الصحفي في تحديد مسار النقاش، إذ يرى أن اختزال القضية في إجابة بنعم أو لا عن “حق الوجود” يحجب أسئلة الاحتلال والتمييز والمساواة، ويجعل الدفاع عن حقوق السكان يبدو كأنه دفاع عن بقاء النظام السياسي الذي يحكمهم بصورته الحالية.

