يشغل الصراع في اليمن حيزاً متزايداً من التغطية الإعلامية العربية منذ إطلاق عملية “فجر اليمن” مطلع أكتوبر 2026، وتصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية. ففي أسبوع واحد استحوذت الحرب على أكثر من ربع ساعات البث في ست قنوات إخبارية كبرى (26.1%). وتصدّرت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد وعلى السعودية الموضوعات التي رصدتها أداة “مرصد الإعلام العربي” في تلك القنوات. وفرض هذا الحضور الكثيف سؤالاً: هل تنقل الشاشات الحرب نفسها، أم تنقل موقف العواصم القريبة منها؟ وللإجابة عنه بالأرقام، يقدّم “مرصد الإعلام العربي” هذا الرصد لتغطية حرب اليمن في الفترة من 6 إلى 13 أكتوبر 2026، على ست قنوات إخبارية عربية: “الجزيرة”، و”التلفزيون العربي”، و”العربية”، و”الحدث”، و”سكاي نيوز عربية”، و”بي بي سي عربي”. ويستند الرصد إلى تفريغ نصي آلي كامل لبث هذه القنوات، بلغ 928.5 ساعة، منها 242.6 ساعة تناولت الحرب في اليمن.
صباح الثامن من أكتوبر، كرّرت نشرات “الحدث” ثلاث مرات في أقل من ثلاث ساعات العبارة نفسها منقولة عن المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي: “اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية على المدنيين والأعيان المدنية بالمملكة لن تمر دون حساب”. وفي عصر اليوم نفسه، كانت “بي بي سي عربي” تروي الواقعة ذاتها بصيغة أخرى، فتنقل عن “المتحدث العسكري باسم الحركة يحيى سريع” تحذيره لشركات الطيران، ثم تُتبعه بأن “التحالف أعلن اعتراض وتدمير صاروخ بالستي”. وبعد يوم واحد، كانت “سكاي نيوز عربية” تفتتح أحد برامجها الإخبارية بتصريح لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي يقول فيه إن “شعب الجنوب لن يقبل أن تُسرق انتصارات قواته المسلحة”. ثلاث قنوات، وحرب واحدة، وثلاث حروب على الشاشة.
السؤال الذي يحاول هذا الرصد الإجابة عنه بالأرقام: هل تنقل القنوات الست حرب اليمن، أم تنقل موقف العواصم القريبة منها؟ ويقيس ذلك بثلاثة مؤشرات تُطبّق على القنوات كلها بالمعايير ذاتها: المساحة التي تمنحها كل قناة للحرب، والمعجم الذي تسمّي به أطرافها، وتوزيع الأصوات والمصادر بين الحكومة اليمنية وحلفائها السعوديين من جهة، والحوثيين من جهة ثانية، والقوى الجنوبية الساعية إلى الانفصال من جهة ثالثة.
الحرب في أسبوعها الأول: ما الذي كانت القنوات تغطيه؟
أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي يوم الاثنين 5 أكتوبر عملية “فجر اليمن” بهدف معلن هو “استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء”، وأعلنت القوات الحكومية خلال الأيام التالية استعادة مواقع في باب المندب وذُباب. وردّ الحوثيون بهجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف سعودية، أبرزها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، إذ نقلت الصحيفة عن الهيئة العامة للطيران المدني السعودية أن هجوم السبت 10 أكتوبر أوقع 12 قتيلاً و309 مصابين. وتكتسب زاوية الجنوب حساسيتها من خلفية قريبة: ففي يناير 2026 غادر الزبيدي عدن إلى أبوظبي، وأعلن مجلس القيادة الرئاسي إقصاءه من عضويته متهماً إياه بـ”الخيانة”، وفق ما نقلته وكالة “يونايتد برس إنترناشونال” (8 يناير 2026)، في سياق افتراق معلن بين الرياض الداعمة للمجلس الرئاسي وأبوظبي الداعمة للانتقالي. احتفظ بهذه الخلفية؛ فهي مفتاح قراءة ما سيأتي عن “سكاي نيوز عربية”.
المساحة: “الحدث” تمنح الحرب ثلث بثها و”سكاي نيوز عربية” سُبعه
على مدى الأيام الثمانية، شغلت الحرب في اليمن 26.1% من مجموع البث المرصود للقنوات الست. لكن التوزيع لم يكن متساوياً. تصدّرت “الحدث” بـ62.3 ساعة تعادل 35.9% من بثها المرصود، تلتها “العربية” بـ31.8%، ثم “التلفزيون العربي” و”الجزيرة” بنسبة متطابقة تقريباً (27.9% لكل منهما). وفي القاع جاءت “بي بي سي عربي” (17.1%) و”سكاي نيوز عربية” (14.2%). الفارق بين القمة والقاع يقارب الضعفين ونصف الضعف، وهو أول مؤشر على أن الحرب ليست “قصة” بالقدر نفسه في كل غرفة أخبار: فهي شأن داخلي للقناتين السعوديتين، وملف رئيسي بين ملفات أخرى في “الجزيرة” و”التلفزيون العربي”، وخبر ضمن الأخبار في “بي بي سي عربي”، ومادة أقل حضوراً في “سكاي نيوز عربية”.
مساحة حرب اليمن في بث القنوات الست، 6–13 أكتوبر 2026
| القناة | ساعات البث المرصودة | ساعات تغطية اليمن | الحصة من البث |
|---|---|---|---|
| الحدث | 173.7 | 62.3 | 35.9% |
| العربية | 124.1 | 39.5 | 31.8% |
| التلفزيون العربي | 171.9 | 47.9 | 27.9% |
| الجزيرة | 166.3 | 46.3 | 27.9% |
| بي بي سي عربي | 176.4 | 30.1 | 17.1% |
| سكاي نيوز عربية | 116.1 | 16.5 | 14.2% |
| المجموع | 928.5 | 242.6 | 26.1% |

معجم التسمية: من “الميليشيا” إلى “أنصار الله”
الاسم الذي تختاره القناة لطرف في حرب ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه موقف مضغوط في كلمة. ولقياسه، صُنّفت كل إشارة إلى الجماعة الحوثية في المقاطع اليمنية إلى ثلاث فئات: “ميليشيا الحوثي” ومشتقاتها، وهي التسمية الرسمية السعودية واليمنية الحكومية؛ و”أنصار الله”، وهو الاسم الذي تطلقه الجماعة على نفسها؛ والتسمية الوصفية “الحوثيون” أو “جماعة الحوثي”.
تكشف النتيجة انقساماً حاداً لا تدرّجاً. في “الحدث” جاءت 32.5% من الإشارات بصيغة “الميليشيا”، وفي “العربية” 30.5%، وأُلحق بها وصف “الإرهابية” 216 مرة في الأولى و129 مرة في الثانية. وفي المقابل لم تتجاوز هذه الصيغة 3.4% في “الجزيرة”، و2.3% في “التلفزيون العربي”، و1.4% في “بي بي سي عربي”، و1.1% في “سكاي نيوز عربية”. أما “أنصار الله” فغابت تقريباً عن القناتين السعوديتين (3 إشارات في “الحدث” و5 في “العربية”)، بينما استخدمها “التلفزيون العربي” في 23.1% من إشاراته و”الجزيرة” في 16.5% و”بي بي سي عربي” في 14.1%.
كيف تسمّي كل قناة الجماعة الحوثية، 6–13 أكتوبر 2026. الأحمر يكاد ينحصر في القناتين السعوديتين؛ و”سكاي نيوز عربية” تلتزم الوصف المحايد شبه الكامل.
ويمتد الانقسام إلى تسمية الطرف الآخر وإلى توصيف الهجمات. فعبارة “تحالف دعم الشرعية”، وهي الاسم الرسمي الذي يطلقه التحالف على نفسه، وردت 163 مرة في “الحدث” و71 مرة في “العربية”، بينما فضّلت “بي بي سي عربي” الصيغة الوصفية “التحالف بقيادة السعودية” (106 مرات) وانفردت تقريباً بعبارة “الحكومة المعترف بها دولياً” (150 مرة مقابل 22 في “التلفزيون العربي” ومرة واحدة أو لا شيء في البقية)، وهي صيغة وصفية لا تحمل حكماً على أي من الطرفين. أما “الجزيرة” و”التلفزيون العربي” فاستخدمتا ثنائية “حكومة صنعاء” أو “سلطات صنعاء” (110 و54 مرة) مقابل “حكومة عدن” (250 و33 مرة)، وهي صياغة تضع الطرفين على مستوى واحد من الصفة، وتنزع ضمناً عن الحكومة المعترف بها امتياز “الشرعية” الذي تتمسك به القناتان السعوديتان.
ويتأكد النمط في كلمة واحدة: حين تصف القناة هجوماً، هل تقول “هجوم” أم “اعتداء”؟ في “العربية” بلغت حصة “اعتداء” 51.4% من مجموع الكلمتين، وفي “الحدث” 47%، مقابل 19.8% في “الجزيرة”، و12% في “التلفزيون العربي”، و10.3% في “سكاي نيوز عربية”، و6.4% فقط في “بي بي سي عربي”. والفارق دالّ لأن “الاعتداء” هو المفردة التي تعتمدها البيانات الرسمية السعودية في وصف الضربات الحوثية على أراضي المملكة.
حصة كلمة “اعتداء” من مجموع أوصاف الهجمات (“اعتداء” + “هجوم/هجمات”) في تغطية اليمن، 6–13 أكتوبر 2026. القناتان السعوديتان تستعيران لغة البيان الرسمي في نصف الحالات تقريباً.
معجم تسمية الأطراف في تغطية حرب اليمن، 6–13 أكتوبر 2026 (بيانات مراقب)
| التسمية | الحدث | العربية | الجزيرة | التلفزيون العربي | بي بي سي عربي | سكاي نيوز عربية |
|---|---|---|---|---|---|---|
| “ميليشيا الحوثي” (% من الإشارات) | 32.5% | 30.5% | 3.4% | 2.3% | 1.4% | 1.1% |
| “أنصار الله” (% من الإشارات) | 0.0% | 0.1% | 16.5% | 23.1% | 14.1% | 0.5% |
| وصف “الإرهابية” ملحقاً بالجماعة (عدد) | 216 | 129 | 29 | 13 | 6 | 0 |
| “تحالف دعم الشرعية” (عدد) | 163 | 71 | 29 | 28 | 60 | 7 |
| “التحالف بقيادة السعودية” (عدد) | 18 | 27 | 4 | 77 | 106 | 0 |
| “الحكومة المعترف بها دولياً” (عدد) | 1 | 0 | 1 | 22 | 150 | 0 |
| “حكومة/سلطات صنعاء” (عدد) | 0 | 0 | 110 | 54 | 6 | 0 |
| “اعتداء” من أوصاف الهجمات | 47.0% | 51.4% | 19.8% | 12.0% | 6.4% | 10.3% |
من يتكلم؟ الأصوات والمصادر بين الأطراف
المؤشر الثاني يقيس من تُسند إليه المعلومة. وقد رُصدت صيغ الإسناد الصريح (“قال”، “أعلن”، “أكد”، “بحسب”، “نقلاً عن”…) حين تتبعها مباشرة جهة من الأطراف الثلاثة. والنتيجة أن الرواية الحكومية والسعودية تهيمن على المصادر في القنوات كلها، وهو أمر مفهوم في حرب تبادر فيها الحكومة والتحالف بالبيانات اليومية. لكن درجة الهيمنة تختلف اختلافاً كبيراً: بلغت حصة المصادر الحوثية 4.5% فقط من الإسنادات في “الحدث” و6.3% في “العربية”، مقابل 27% في “بي بي سي عربي” و28.6% في “سكاي نيوز عربية” و16.5% في “التلفزيون العربي”. وتفاجئ “الجزيرة” هنا بنسبة منخفضة (8.5%)، إذ اعتمدت تغطيتها الإخبارية بكثافة على بلاغات “القوات الحكومية” عن تقدمها الميداني.

وتؤكد صفات الضيوف الصورة نفسها، فقد استضافت “الحدث” وحدها نحو 116 دقيقة من مداخلات مسؤولين في الحكومة اليمنية بصفاتهم المعروضة على الشاشة (وكلاء وزارات حقوق الإنسان والعدل والصحة، ووزير الثقافة، ومستشار وزير الدفاع ومساعده، ووزير دولة، ونواب وزراء، ونواب في البرلمان، ومستشار إعلامي في السفارة اليمنية بالرياض)، إلى جانب نحو 56 دقيقة لضيوف من الرياض، دون أي صوت من صنعاء.
وفي المقابل، كان “التلفزيون العربي” القناة الوحيدة التي جمعت في الأسبوع نفسه مراسلاً مقيماً في صنعاء (نحو 106 دقائق لمداخلات خليل القاهري) ومحللاً من صنعاء (أنس القاضي، 23 دقيقة) وثلاثة ضيوف من الرياض (نحو 55 دقيقة).
وبثّت “بي بي سي عربي” نحو 21 دقيقة لتصريحات يحيى سريع، الذي تقدّمه القناة بصفته “المتحدث العسكري باسم الحركة”، إلى جانب ضيوف سعوديين. واستضافت “الجزيرة” المحلل حسين البخيتي من صنعاء (نحو 19 دقيقة) في حلقة جمعته بضيف من الرياض هو سعد بن عمر.
| القناة | مسؤولون حكوميون يمنيون | ضيوف من الرياض | أصوات من صنعاء | أصوات الخطاب الجنوبي |
|---|---|---|---|---|
| الحدث | 115.7 | 55.9 | 0 | 0 |
| العربية | 0 | 22.4 | 0 | 0 |
| التلفزيون العربي | 1.7 | 54.7 | 23.1 + مراسل في صنعاء | 0 |
| الجزيرة | 0 | 1.8 | 18.8 | 0 |
| بي بي سي عربي | 0 | 23.7 | 20.6 (يحيى سريع) | 0 |
| سكاي نيوز عربية | 11.2 (العليمي) | 0 | 0 | 55.5 |
دقائق مداخلات الضيوف المحددة صفاتهم في تغطية اليمن، 6–13 أكتوبر 2026.
أي حرب ترى كل قناة؟
المؤشر الثالث يقيس زاوية النظر: ما نسبة وقت التغطية اليمنية الذي يتناول كل محور؟ (قد يحمل المقطع الواحد أكثر من محور، ولذلك لا تجمع النسب إلى 100). يتقاسم الجميع الاهتمام بالتقدم الميداني للقوات الحكومية، بين 40% و67% من الوقت.
لكن الفروق تظهر في المحاور الحساسة. فالغارات على مناطق سيطرة الحوثيين حضرت في 29.7% من وقت “التلفزيون العربي” و29.2% من وقت “الجزيرة”، مقابل 9.1% في “الحدث” و10.8% في “العربية”. والبعد الإنساني والمدنيون — وفي مقدمته حصار تعز ونزوح أكثر من 220 ألف شخص بحسب ما تكرر على الشاشات نقلاً عن برنامج الأغذية العالمي — بلغ ذروته في “الجزيرة” (42.3%). وفي الاتجاه المعاكس، كانت الهجمات الحوثية على السعودية أحضر في “بي بي سي عربي” (33.8%) و”الجزيرة” (30%) منها في “الحدث” (10.4%) و”العربية” (14.3%)؛ وهي مفارقة ظاهرية تفسّرها لغة التسمية السابقة: القناتان السعوديتان تذكران الهجمات أقل، لكنهما حين تذكرانها تسمّيانها “اعتداءات”.

“سكاي نيوز عربية”: الحرب من بوابة الجنوب
إذا كانت “الحدث” و”العربية” تنقلان الحرب من مقر التحالف، فإن “سكاي نيوز عربية” تنقلها من عدن. فعلى شاشتها وحدها حضر عيدروس الزبيدي 48 مرة، مقابل صفر في “الجزيرة” و”العربية” و”الحدث”، ومرة واحدة في “التلفزيون العربي”، و5 مرات في “بي بي سي عربي”.
واستغرقت المقاطع التي ورد فيها اسمه على “سكاي نيوز عربية” نحو 68 دقيقة من البث، بينما لم تتجاوز دقيقة واحدة في أي قناة أخرى.
وإذا اتسعت الدائرة لتشمل الزبيدي و”المجلس الانتقالي الجنوبي” و”القوات الجنوبية” معاً، فقد حضر هذا الثلاثي في نحو 130 دقيقة، أي 13.1% من وقت تغطيتها لليمن، مقابل أقل من 1% في كل قناة من القنوات الخمس الأخرى.
ويزداد الرقم دلالة لأن تغطية “سكاي نيوز عربية” لليمن كانت الأقصر بين القنوات الست: 16.5 ساعة، مقابل 62.3 ساعة في “الحدث”. ومع ذلك تكررت فيها عبارة “القوات الجنوبية” 66 مرة، مقابل 12 مرة في “الحدث” و8 في “العربية”. وكانت كذلك الأعلى إسناداً إلى مصادر جنوبية (14.9% من إسناداتها الصريحة)، مقابل 10.5% في “العربية”. غير أن “العربية” ذكرت “العمالقة” 253 مرة ولم تذكر “المجلس الانتقالي” مرة واحدة، أي أنها تنسب إلى الألوية المنضوية في “فجر اليمن” لا إلى الانتقالي.

ولا يتوقف الأمر عند الحضور العددي، بل يمتد إلى مضمون الخطاب. ففي 9 أكتوبر قدّمت القناة الزبيدي مؤكداً أن “القوات الجنوبية استعادت سيطرتها على حدود الجنوب اليمني في المضاربة وباب المندب وجزيرة ميون”، بينما نسبت القنوات الأخرى السيطرة نفسها إلى “القوات الحكومية” أو “قوات العمالقة” ضمن “فجر اليمن”. وعلى شاشتها قال الضيف خالد النسي إن القوات التي تقاتل في ذُباب قوات جنوبية غير محسوبة على “الشرعية”، وانتقد إدارة المعركة اليوم بأن فيها “عشوائية”، مستحضراً تجربة 2019 حين كانت القوات الجنوبية “مسنودة بالقوات الإماراتية” التي أدارت المشهد “باحترافية”، ومتهماً حزب الإصلاح بأنه “سيطر على الشرعية”.
وأشار ضيف آخر، سعيد بكران، إلى مسار تسوية مع الحوثيين “أصبح المعارضين للسلام خارج المشهد بما حدث في يناير”، في إحالة يُرجَّح أنها إلى إقصاء الزبيدي. هذه آراء ضيوف لا تتبناها القناة صراحة، لكن اختيار الضيوف وترتيب الأخبار يصنعان معاً زاوية واضحة.
وتكتمل الزاوية بما يغيب. فالمتحدث باسم التحالف تركي المالكي لم يُذكر مرة واحدة على شاشة “سكاي نيوز عربية”.
في المقابل استغرقت المقاطع التي حضر فيها نحو 155 دقيقة في “الحدث”، و109 دقائق في “العربية”، و53 دقيقة في “بي بي سي عربي”، وهي أدنى القنوات الأخرى. أما “فجر اليمن”، اسم العملية التي أطلقها العليمي، فلم تحضر على “سكاي نيوز عربية” إلا في نحو 16 دقيقة، أي 1.6% من وقت تغطيتها لليمن. وبلغت هذه النسبة بين 7.4% و10.9% في القنوات الخمس الأخرى، وتجاوزت 330 دقيقة في “الحدث” وحدها. وفي الاتجاه المعاكس، كانت إيران أعلى حضوراً على “سكاي نيوز عربية” من أي قناة أخرى: فقد ورد ذكرها في 52.6% من وقت تغطيتها لليمن، مقابل نسب تراوحت بين 28.6% و35.3% في البقية.
وهذا يتسق مع تقديم الحرب بوصفها مواجهة مع “أذرع إيران” أكثر منها معركة لاستعادة “الشرعية”. ويجدر التنبيه إلى أن “سكاي نيوز عربية” لم تتبنَّ في المقابل لغة الحوثيين. فقد تجنبت “أنصار الله” كما تجنبت “الميليشيا”، واستخدمت التسمية الوصفية “الحوثيون” أو “جماعة الحوثي” في 98.4% من مرات ذكرها للجماعة. إنها لا تقف مع الحوثيين، بل تقف خارج السردية السعودية من الجهة الأخرى.
ثلاثة مواقع لا خط واحد: أين تقف كل قناة؟
تكشف المؤشرات مجتمعة أن القنوات الست لا تتوزع على خط مستقيم بين “منحاز” و”محايد”، بل على ثلاثة مواقع متمايزة. في الموقع الأول تقف “العربية” و”الحدث”، وتتطابق لغتهما مع لغة البيان الرسمي السعودي ومعه رواية الحكومة اليمنية، حتى في المفردة الواحدة. وفي الموقع الثالث تقف “سكاي نيوز عربية”، التي تخرج من هذه الثنائية لتعيد تعريف الحرب من بوابة الجنوب تبعاً لأجندتها، فتُبرز الزبيدي والقوات الجنوبية على نحو يخالف السياسة السعودية. وبين الموقعين تتحرك ثلاث قنوات في منطقة وسطى، لكن كل واحدة منها تحقق توازنها بطريقة مختلفة.
فـ”التلفزيون العربي” هو القناة الأكثر توازناً في الأصوات. فهي الوحيدة التي جمعت في الأسبوع نفسه مراسلاً في صنعاء ومراسلاً في تعز، ومحللين من صنعاء والرياض. وهي أعلى القنوات استخداماً لاسم “أنصار الله” إلى جانب “الحوثيين”، وأقلها استعارة لمفردات البيانات الرسمية، إذ لم تتجاوز “اعتداء” فيها 12% من أوصاف الهجمات.
أما “بي بي سي عربي” فتتقدم القنوات الست في المعجم والمصادر. فهي الأدنى استخداماً لـ”الميليشيا” (1.4%) ولـ”اعتداء” (6.4%). وهي الوحيدة التي التزمت بانتظام صيغتي “الحكومة المعترف بها دولياً” و”التحالف بقيادة السعودية”. كما أنها من أعلى القنوات إسناداً إلى الطرف الحوثي (27% من إسناداتها الصريحة). لكن هذا الانضباط اللغوي يأتي على حساب المساحة والعمق: فهي ثاني أقل القنوات اهتماماً بالحرب (17.1% من بثها) بعد “سكاي نيوز عربية”، ومن أضعفها حضوراً للبعد الإنساني (27.3% من وقت تغطيتها لليمن).
وتجمع “الجزيرة” بين معجم متوازن، إذ لم تتجاوز “الميليشيا” فيها 3.4%، وأعلى اهتمام بالمدنيين وحصار تعز بين القنوات الست (42.3%). وفي الوقت ذاته تعتمد اعتماداً ثقيلاً على بلاغات القوات الحكومية، التي شكلت مع بيانات التحالف والسعودية 91% من إسناداتها الصريحة. فهي أقرب إلى الحكومة اليمنية في المصادر، وأبعد عن السعودية في اللغة.
مصفوفة التموضع: أين تقف كل قناة من رواية الطرفين؟
| المؤشر | الأقرب إلى الرواية السعودية والحكومية | الأبعد عنها | ملاحظة |
|---|---|---|---|
| تسمية “الميليشيا” | الحدث 32.5%، العربية 30.5% | سكاي 1.1%، بي بي سي 1.4% | فجوة حادة لا تدرّج |
| مفردة “اعتداء” | العربية 51.4%، الحدث 47% | بي بي سي 6.4%، سكاي 10.3% | لغة البيان الرسمي |
| إسناد إلى مصادر حوثية | الحدث 4.5%، العربية 6.3%، الجزيرة 8.5% | سكاي 28.6%، بي بي سي 27% | الجزيرة استثناء في المصادر |
| الفاعلون الجنوبيون | الحدث، العربية، الجزيرة (الزبيدي صفر) | سكاي (الزبيدي 48 مرة) | زاوية ثالثة لا ثنائية |
وتعني هذه الخريطة أن المشاهد العربي الذي تابع حرب اليمن خلال هذا الأسبوع لم يشاهد حرباً واحدة، بل ثلاث حروب، بحسب القناة التي اختارها. فمن تابع “العربية” أو “الحدث” شاهد حرباً تُروى بلغة البيان الرسمي السعودي حتى في المفردة الواحدة. ومن تابع “التلفزيون العربي” أو “الجزيرة” أو “بي بي سي عربي” شاهد حرباً أكثر توازناً، لكن كل قناة منها صنعت توازنها بأداة مختلفة: “التلفزيون العربي” بتعدد الأصوات، و”الجزيرة” بالاهتمام بالمدنيين، و”بي بي سي عربي” بانضباط المعجم. أما من تابع “سكاي نيوز عربية” فشاهد حرباً أخرى تماماً، يتصدرها الجنوب وقواته، ويتوارى فيها التحالف وعمليته.

