دليل جديد يعلّم الصحفيين كيف يحقّقون في الذكاء الاصطناعي

يظنّ كثير من الناس أنّ الذكاء الاصطناعي موضوع تقني صعب، لا علاقة له بالصحافة العادية. لكنّ دليلاً جديداً يقول عكس ذلك

Author

يظنّ كثير من الناس أنّ الذكاء الاصطناعي موضوع تقني صعب، لا علاقة له بالصحافة العادية. لكنّ دليلاً جديداً يقول عكس ذلك: كلّ مرحلة في صناعة هذه التقنية فيها قصص تستحقّ التحقيق، ويمكن لأيّ صحفي أن يكتبها، حتى لو لم يكن خبيراً في التكنولوجيا.

الدليل اسمه «دليل صحافة مساءلة الذكاء الاصطناعي»، وأصدرته الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية مع مركز بوليتزر. كتبه صحفيان متخصصان هما غابرييل غايغر ولام ثوي فو. وهدفه بسيط: أن يشرح للصحفيين كيف تعمل هذه التقنية، وكيف يطرحون أسئلة ذكية حولها، وأين يجدون القصص.

أول درس: الذكاء الاصطناعي ليس «شات جي بي تي» فقط

يبدأ الدليل بتصحيح خطأ شائع. كثيرون عرفوا الذكاء الاصطناعي عبر تطبيق «شات جي بي تي»، فظنّوا أنّه هو التقنية كلّها. لكنّ الذكاء الاصطناعي أوسع من ذلك بكثير؛ فهو اسمٌ يجمع تقنيات متعدّدة تجعل الآلة تحاكي طريقة تفكير الإنسان واتخاذه للقرار. وحين يفهم الصحفي هذا، يصبح قادراً على الحديث عن التقنية بثقة، وعلى طرح الأسئلة الصحيحة.

الفكرة الأساسية: أربع محطات تبحث فيها عن القصص

أهمّ ما في الدليل أنّه يقسّم صناعة الذكاء الاصطناعي إلى أربع محطات، ويقول للصحفي: في كلّ محطة قصة. والمحطات هي البيانات، ثم القدرة الحاسوبية، ثم النماذج، ثم التطبيقات. وفيما يلي ماذا تعني كلّ واحدة، وأين تكمن القصة فيها.

المحطة الأولى هي البيانات، أي المعلومات التي «تتعلّم» منها الآلة. والقصة هنا غالباً عن الخصوصية وحقوق النشر؛ مثل تحقيق كشف استخدام شركة كبرى لآلاف الكتب المسروقة في تدريب برنامجها. وهناك قصة أخرى مهمّة كثيراً ما تُنسى: العمال الذين ينظّمون هذه البيانات يدوياً، ومعظمهم في الدول الفقيرة، يعملون بأجور زهيدة وأحياناً أمام محتوى صادم.

المحطة الثانية هي القدرة الحاسوبية، أي الأجهزة الضخمة التي تشغّل التقنية، وتُجمع في مبانٍ تُسمّى «مراكز البيانات». والقصة هنا بيئية واقتصادية؛ فهذه المراكز تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه. وقد كشف صحفيون في البرازيل أنّ مركزاً واحداً كان سيستهلك كهرباء تكفي ملايين البشر.

المحطة الثالثة هي النماذج، أي البرنامج نفسه بعد تدريبه. والقصة هنا عن الأخطاء والتحيّز؛ فإذا لم يستطع الصحفي الاطّلاع على تصميم البرنامج، يمكنه أن يدرس نتائجه. هكذا فعل تحقيق حلّل آلاف الصور التي ينتجها أحد البرامج، فاكتشف أنّه يكرّر صوراً نمطية مهينة عن شعوب وثقافات.

المحطة الرابعة هي التطبيقات، أي استخدام التقنية في حياة الناس فعلاً، وهنا يظهر الضرر بوضوح. فقد عَلِق طالب لجوء في مركز احتجاز ستة أشهر لأنّ تطبيق ترجمة أخطأ في فهم لغته. وفي الهند، أخفق نظام للتعرّف على الوجه في التعرّف على نساء حوامل ومرضعات، فحُرمن من مساعدات غذائية كنّ يستحقّونها.

كيف يبدأ الصحفي عملياً؟

الدليل لا يكتفي بالشرح، بل يقترح طريقة عمل واضحة. يبدأ الصحفي باختيار محطة من المحطات الأربع تناسب وقته وإمكاناته، ثم يسأل نفسه السؤال الأبسط: مَن المتضرّر هنا، ومَن المستفيد؟ فإذا كان النظام مغلقاً لا يستطيع رؤية تصميمه من الداخل، يدرس نتائجه بدلاً من ذلك؛ يجمع عدداً كبيراً من مخرجاته ويبحث فيها عن نمط متكرّر، كأن يجمع آلاف الصور أو عروض الأسعار أو القرارات، فيكشف التحيّز من خلال التكرار لا من خلال الكود. والقاعدة التي يلحّ عليها الدليل أنّ غياب البيانات نفسه قصة؛ فحين ترفض شركة أو حكومة الإفصاح عن استهلاك مركز بيانات للطاقة، أو عن معايير نظام خوارزمي يوزّع مساعدات، فإنّ هذا الرفض جزء من التحقيق لا عائق أمامه. ولا ينسى الدليل قاعدةً مهنيةً أساسية: منح الطرف موضع المساءلة حقّ الردّ، فكثير من القصص التي يستشهد بها سجّلت بدقّة أنّ الشركة «امتنعت عن التعليق» أو «لم تردّ»، وهذا في ذاته جزء من الرواية.

قصص جاهزة في السياق العربي

ولأنّ الإطار يصلح لكلّ بيئة، يمكن للصحفي العربي أن يترجمه إلى قصص قريبة منه. ففي محطة القدرة الحاسوبية، تتوسّع مراكز البيانات في الخليج وشمال أفريقيا، والسؤال عن كمّ ما تستهلكه من ماء وكهرباء في منطقة تعاني شحّ الموارد قصةٌ تنتظر من يكتبها. وفي محطة التطبيقات، تتبنّى حكومات عربية أنظمةً خوارزمية لتوزيع الدعم أو فحص طلبات الخدمات أو المراقبة، وكلّ نظام منها يمكن أن يخطئ في حقّ مواطن، تماماً كما حدث في الهند. وفي محطة البيانات، يعمل آلاف العرب في تصنيف بيانات شركات التقنية العالمية بأجور متدنية، وهي عمالة خفية لم تروَ قصتها بعد. أما محطة النماذج، فتفتح باباً لاختبار كيف تتعامل برامج الذكاء الاصطناعي الشهيرة مع اللغة العربية والأسماء والثقافة العربية، وما إذا كانت تعيد إنتاج صور نمطية عنها.

الرسالة الأهمّ في الدليل أنّ هذه القصص ليست حكراً على الخبراء. فالقصة قد تكون قصيرة أو طويلة، إنسانية بسيطة أو تقنية معقّدة، حسب وقت الصحفي وإمكاناته؛ المهمّ أن يبدأ. والدليل، في النهاية، يطلب من الصحفيين أمراً واحداً: أن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي كأيّ جهة نفوذ أخرى تستحقّ المساءلة، لا كأعجوبة مبهرة نكتفي بالتعجّب منها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي