“ديلي تلغراف” ضد عماد حجّاج وصمت صحف عريقة لطالما دافعت عن حرية التعبير والرأي

شنّت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية حملةً متواصلةً منذ بداية مايو الحالي على رسّام الكاريكاتير الأردني عماد حجّاج، وطالبت بسحب الدعوة الموجهة إليه للمشاركة في مهرجان البحيرات الدولي للفنون الكوميدية المقرر في مدينة "كَندال" بين الثاني والرابع من أكتوبر القادم

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

شنّت صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية حملةً متواصلةً منذ بداية مايو الحالي على رسّام الكاريكاتير الأردني عماد حجّاج، وطالبت بسحب الدعوة الموجهة إليه للمشاركة في مهرجان البحيرات الدولي للفنون الكوميدية المقرر في مدينة “كَندال” بين الثاني والرابع من أكتوبر القادم.

لم تبقَ الحملة في حدود الصفحات الإعلامية. تبنّاها رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” بسرعةٍ لافتة، وتحدّث عن صلاحياتٍ يملكها لتعليق التمويل العام أو سحبه إذا استُخدم في الترويج لمعاداة السامية، حسب وصفه. ثم خرج وزير الداخلية في حكومة الظل “كريس فيلب” بمطالبةٍ صريحةٍ بإلغاء دعوة حجّاج، معتبراً أن المال العام لا يجوز أن يُنفق على من يحرّضون على كراهية اليهود. وأعلن مجلس الفنون البريطاني، الذي يموّل المهرجان جزئياً، أنه سيراجع المسألة. هكذا انتقلت الحملة من عمودٍ في صحيفةٍ واحدةٍ إلى طاولة الحكومة وأجهزتها في أيامٍ معدودة.

أما الرسمان اللذان أثارا غضب الصحيفة، فهما متاحان لأي قارئ. الأول من حرب غزة عام ألفين وثمانية، وفيه مشهدان متجاوران: جنودٌ نازيون يحيطون بيهودٍ مضطهَدين في الأول، وجنودٌ إسرائيليون يحيطون بفلسطينيين يرتدون الكوفية في الثاني. والثاني نشره حجّاج في صحيفة “العربي الجديد” في فبراير الماضي، رداً على خطة “دونالد ترامب” لغزة، ويظهر فيه ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” مقاوليْن يقفان أمام بوابةٍ تشبه مدخل معسكر “أوشفيتز” النازي، وعليها عبارة: خطة ترامب لغزة. والمسألة ليست في تفاصيل الرسمين، بل في القاعدة التي تريد الصحيفة فرضها على القارئ: أي مقارنةٍ بصريةٍ بين ممارسات الاحتلال والنازية معاداةٌ للسامية، وأي منبرٍ يستضيف صاحب هذه المقارنة يستحق سحب تمويله.

هذه القاعدة لم تُختبر اليوم لأول مرة. ففي عام ألفين وأربعة وعشرين، شنّت الصحيفة نفسها حملةً مشابهةً، بأدواتٍ متطابقة، على المهرجان نفسه، بسبب دعوة الرسّام الفلسطيني محمد سباعنة على خلفية عملٍ صوّر فيه المسيح وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية لحظة الصلب. انتهت تلك الحملة باستقالة “بيتر كيسلر” من مجلس إدارة المهرجان بعد أكثر من عشر سنواتٍ من عمله فيه. تكرار الحملة، باسم الصحيفة نفسها، ضد المهرجان نفسه، وبأدوات الضغط نفسها، يُخرج القضية من باب المصادفة.

ثم يأتي ما هو أهم: الصمت. حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تنشر صحف عريقة مثل “الغارديان” و”الإندبندنت” و”التايمز” تغطيةً تحريريةً تُذكر للقضية. ولم تقدّم هيئة الإذاعة البريطانية تحليلاً يضع الحدث في سياقه.

في المقابل، تحرّكت المنابر المتخصصة في الكاريكاتير وحرية التعبير، مثل موقع “ديلي كارتونيست” ومنظمة “حقوق رسّامي الكاريكاتير” ومنظمة “كاريكاتير من أجل السلام”، وأصدرت بياناتٍ تحذّر من الخلط المتعمَّد بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، وتعتبره ضربةً لجودة النقاش العام، وتعزيزاً لثقافة الرقابة الذاتية على الفنانين والكتّاب.

صمت الصحف الكبرى هنا لا يقل قيمةً عن صراخ “ديلي تلغراف”، لأنه يكشف أن حرية التعبير لا يُدافَع عنها بالمعيار نفسه دائماً.

الصحف نفسها التي وقفت سنواتٍ تدافع عن رسومات “شارلي إيبدو” وعن جهود “سلمان رشدي” أمام الرقابة، تختار اليوم ألا ترى الحملة حين يكون الرسّام عربياً، والمستهدَف ممارسات دولةٍ بعينها.

السؤال المهني الذي تطرحه هذه الحملة: أين تنتهي الحساسية ويبدأ السلاح؟ حين تتولى صحيفةٌ واحدةٌ تحديد ما يحقّ للفن البريطاني أن يقوله، وحين تركض الحكومة ومجلس الفنون خلف عمودٍ صحفي قبل أن ينتهي الأسبوع، فإن القضية تتجاوز عماد حجّاج وحده. تصبح القضية: من يضع للصحافة البريطانية معاييرها اليوم؟ ومن يقرر ما يُحسب نقداً مشروعاً وما يُحسب جريمةً؟ في الإجابة، تتّضح حدود حرية الصحافة في بريطانيا أكثر مما يفعله أي رسمٍ كاريكاتيري.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي