نشر موقع Nieman Lab مقالًا للكاتب وأستاذ الصحافة في جامعة يوتا Jacob L. Nelson، دعا فيه الصحافيين إلى الاعتراف بوجود فجوة حقيقية بينهم وبين الجمهور، مؤكدًا أن غالبية الناس لا يتفاعلون مع الأخبار، وأن أسباب ذلك أبسط مما يُتداول في النقاشات المهنية.
وأوضح نيلسون فكرته من خلال تجربة قال إنه كررها مع طلابه في كل فصل دراسي؛ إذ يطلب منهم عرض متوسط الوقت اليومي الذي يقضونه على هواتفهم، وأبرز التطبيقات التي يستخدمونها.
وكانت النتيجة شبه ثابتة: نحو خمس ساعات يوميًا، معظمها على منصات التواصل مثل إنستغرام وتيك توك وسناب شات. لكن عند سؤاله عن الوقت المخصص لتطبيقات الأخبار، تكون الإجابة الأكثر شيوعًا: صفر دقيقة.
وأكد الكاتب في المقال الذي ترجمه مرصد الإعلام العربي أن المسألة لا تقتصر على الطلاب؛ فهو نفسه يقضي وقتًا أطول في ألعاب الكلمات التابعة لصحيفة نيويورك تايمز مقارنة بقراءة الأخبار الفعلية.
ومع ذلك، فإن متوسط قراءة نيلسون اليومية (9 دقائق) يظل رقمًا أعلى من متوسط زيارة الأمريكيين لمواقع الأخبار، والذي بلغ دقيقة و45 ثانية عام 2022.
ولفت نيلسون إلى أن المشكلة ترتبط بـ”بيئة إعلامية مزدحمة”، أي وجود كمّ كبير من المحتوى يتنافس على انتباه المستخدم. كما أن منصات التواصل تعتمد “خوارزميات” (أنظمة تقنية تحدد ما يظهر للمستخدم)، ما يقلل من ظهور محتوى المؤسسات الإخبارية. والنتيجة أن الناس يقضون وقتًا طويلًا مع الوسائط الرقمية عمومًا، لكن وقتًا قصيرًا جدًا مع الأخبار تحديدًا.
غالبية الجمهور لا تبالي بمتابعة الأخبار
ودعا الكاتب إلى تغيير زاوية النقاش داخل مؤسسات الإعلام. فبدلًا من التركيز على سؤال: كيف نجعل الصحافة أكثر مصداقية أو أكثر ربحًا؟ يقترح سؤالًا أساسيًا: لماذا نفترض أصلًا أن الناس ملزمون بمتابعة الأخبار؟
وأشار نيلسون إلى أن كثيرًا من الدراسات ركزت على الفئات المتطرفة من الجمهور، مثل من يهاجمون الصحافيين أو من يتفاعلون معهم بشكل مكثف، بينما الحقيقة – بحسب أبحاثه – أن الغالبية غير مبالية.
وأضاف أن كثيرًا من الناس لم يطوّروا عادة منتظمة لمتابعة الأخبار، ويجدونها أقل جاذبية من وسائل الترفيه التي لا تفرض عليهم عبئًا معرفيًا أو التزامًا بالمعلومات.
ومقارنةً بالتلفزيون والأفلام والبودكاست والموسيقى، يرى كثيرون أن الأخبار كئيبة، وتثير القلق، ومملة، ومرهقة نفسيًا. ورغم ذلك، ما يزال الخطاب الإعلامي يتعامل مع استهلاك الأخبار كأمر طبيعي ومفترض، في وقت تشير فيه أبحاث متزايدة – بحسب نيلسون – إلى أن كثيرين يتجنبون الأخبار بالكامل.
التركيز على البنية
وشدد الكاتب على أهمية التركيز على “البنية” التي يُعرض بها المحتوى، لا على مضمونه فقط. والمقصود بالبنية هنا طريقة التقديم، وسرعة تحميل الصفحة، وسهولة الاستخدام، أو ما يُعرف بـ”تجربة المستخدم”، أي مدى سهولة وراحة تصفح المحتوى.
ونقل نيلسون عن الباحث ماثيو هيندمان قوله إن جودة العمل الصحفي ليست دائمًا العامل الأهم في جذب الجمهور، بل قد تكون سرعة الوصول وسهولة الاستخدام أكثر تأثيرًا.
وخلص الكاتب إلى أن معظم الناس ليسوا خصومًا يهاجمون الصحافة، ولا شركاء نشطين في إنتاجها، بل ببساطة لا يهتمون كثيرًا بالأخبار. ولهذا، فإن الخطوة الأولى للإصلاح هي الاعتراف بهذه الحقيقة، ثم العمل على تغييرها عبر إعادة التفكير في طريقة تقديم الصحافة للجمهور.

