الاهتمام بمصير «سي إن إن» ليس شأناً أمريكياً داخلياً؛ فالحديث هنا عن أهم شبكة إخبارية أمريكية على مستوى العالم، صاغت معايير التغطية الدولية لعقود، وتمتد آثار أي تحول في ملكيتها أو خطها التحريري إلى عالمنا العربي الذي تشكّل الشبكة — بنسختها الأم وذراعها العربية — أحد مصادر أخباره وصورته لدى صانع القرار الغربي.
في تقريره المنشور على موقع «بوينتر»، يطرح توم جونز، كبير كتّاب الإعلام في المؤسسة، ما يسميه «السؤال المعلّق» لهذا الصيف في الأوساط الإعلامية: ما الذي سيحدث لـ«سي إن إن»؟ فشركة «باراماونت» تضع اللمسات الأخيرة على استحواذها على «وورنر براذرز ديسكفري»، الشركة الأم للشبكة، وما إن تكتمل الصفقة حتى يصبح كل شيء وارداً.
يرتّب جونز المخاوف في 3 طبقات متداخلة. الطبقة الأولى هيكلية: «باراماونت» تملك أصلاً شبكة «سي بي إس» وذراعها الإخبارية، فهل تُترك «سي إن إن» مستقلة أم تُدمج تحت مظلة «سي بي إس نيوز»؟ وإن حدث الدمج، فهل تصبح باري وايس — رئيسة تحرير «سي بي إس نيوز» — الرئيسة الفعلية للشبكتين؟ وهو سيناريو لم يعد تكهناً صحفياً عابراً بعدما وثّقته مجلة «فارايتي» بعنوان صريح عن «موظفين يخشون استيلاء وايس».
والطبقة الثانية سياسية، وهي الأكثر حساسية: فديفيد إليسون، الرئيس التنفيذي لـ«باراماونت»، ووالده الملياردير لاري إليسون، من حلفاء الرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن هو وأركان إدارته صراحة تطلعهم إلى الصفقة «والتغييرات المحتملة» التي قد تجلبها للشبكة التي طالما ناصبها العداء. وينقل جونز عن تقرير توم كلوت في مجلة «نيويورك» أن العاملين داخل الشبكة يخشون أن تُتخذ قرارات البرمجة والموظفين «بدوافع سياسية بقدر ما هي اقتصادية».
أما الطبقة الثالثة فشخصية: مصير مارك طومسون، الرئيس الحالي للشبكة.
ويرسم التقرير لطومسون صورة الرجل الذي يقاتل للبقاء من موقع القوة المهنية لا الضعف: فالرجل الذي قاد «بي بي سي» ثم «نيويورك تايمز» أبلغ «باراماونت» أنه لا ينوي التنازل عن مسؤولياته، وقال في اجتماع مفتوح مع الموظفين الشهر الماضي إن علامة «سي إن إن» بُنيت على «المصداقية والجدارة بالثقة»، وإن هذا هو «فارقها الصريح عن بعض أشهر منافسيها التقليديين في التلفزيون الأمريكي» — في إشارة يفهم الجميع وجهتها. وحين أكد التزامه بالاستمرار «إذا كانت الظروف مناسبة»، يفسر جونز العبارة بأنها شرط مضمر واحد: أن يُترك يدير الشبكة دون تدخل تحريري من الملّاك الجدد.
على أن التقرير لا يكتفي بصوت القلق؛ فيستدعي من داخل الشبكة نفسها صوتاً مطمئناً نسبياً هو بريان ستيلتر، محرر نشرة «ريلايبل سورسز»، الذي يذكّر بأن الشركة الأم لـ«سي إن إن» «بيعت واشتُريت واندمجت مراراً، والمؤسسة الإخبارية استمرت في العمل»، مضيفاً أن الكلمة التي تلخص المرحلة هي «الاستقرار»: فالصحفيون، على صعوبة إدارتهم، يقدّرون الاستقرار كغيرهم، وإن اهتز فسيلاحظه المشاهدون والقراء — «وذلك في نهاية المطاف خطر على النتائج المالية للشبكة» قبل أي شيء آخر.
ثم يختم جونز بالمعلومة التي تقلب المشهد: الصفقة نفسها لم تخرج بعد من منطقة الخطر. فبحسب جون باسانتينو في نشرة «ستاتس»، مرّت الصفقة بسلاسة من وزارة عدل «ودودة» في عهد ترامب، لكن تحالفاً من الولايات بقيادة كاليفورنيا ونيويورك يستعد لرفع دعوى احتكار لمنعها، فيما طلبت المدعية العامة في ولاية أوريغون تجميدها ريثما تُحقق في ضغوط «باراماونت» على إدارة ترامب، ولوّحت هيئة تنظيم الإعلام البريطانية بالتدخل حفاظاً على «تعددية كافية للآراء في الإعلام الإخباري». ويصف باسانتينو هذه التحركات مجتمعةً بأنها «أكبر تهديد يواجه الصفقة حتى الآن».
خلاصة القراءة: مقال جونز لا يجيب عن سؤال عنوانه، لكنه يوثّق لحظة نادرة تتقاطع فيها على مؤسسة واحدة 3 معارك دفعة واحدة — استقلالية تحريرية في مواجهة ملكية ذات لون سياسي، وصراع قيادة على رأس الشبكة، ومعركة قانونية فيدرالية وولائية وعابرة للأطلسي. ومن يتابع من عالمنا العربي يعرف أن نتيجة هذه المعارك لن تبقى داخل حدود أمريكا.

