من طرابلس إلى نواكشوط: “دِقّة” تراهن على تدقيق عابر لحدود المغرب العربي

من طرابلس إلى نواكشوط: "دِقّة" تراهن على تدقيق عابر لحدود المغرب العربي

Author

في منطقة تفصل بين بلدانها حدود مغلقة وخلافات سياسية ممتدة، أطلقت الصحافيتان نزهة خلالف وبيان حمدان في صيف 2026، منصة “دِقّة” بوصفها مبادرة مغاربية مستقلة لتدقيق المعلومات

لا تكمن جدة المبادرة في تأسيس منصة جديدة للتحقق فحسب، بل في النطاق الذي اختارته لعملها، إذ تسعى إلى تغطية فضاء مغاربي يمتد من ليبيا إلى موريتانيا، في وقت تعمل فيه معظم مبادرات التدقيق داخل حدود دولة واحدة

يمتد نطاق “دِقّة” المعلن إلى طرابلس وتونس والجزائر والرباط ونواكشوط، إلى جانب التحقق من الادعاءات المضللة المرتبطة بمهاجري شمال أفريقيا في أوروبا

وترفع  “دِقّة” شعار “نتحرّى دقّة ما تقرؤه وتشاهده”، بينما تقدم نفسها في موقعها بوصفها “مبادرة مغاربية مستقلة لتدقيق المعلومات”

وخلال المرحلة التأسيسية، تعاونت “دِقّة” مع مدققي المعلومات إكرام زيادة وشيماء الخياطي ومحمود حسن، وتقول المنصة إن مجموع خبرات نزهة خلالف وبيان حمدان وإكرام زيادة وشيماء الخياطي في تدقيق المعلومات يبلغ خمسة عشر عامًا، 

ونزهة خلالف صحافية جزائرية حاصلة على درجة الماجستير في الصحافة المطبوعة والإلكترونية من جامعة قسنطينة الثالثة، بعد بحث أكاديمي تناول انتشار الأخبار الزائفة خلال الحراك الشعبي الجزائري بين عامي 2019 و2020، وسبق لها النشر في موقع “توالى” الجزائري،

 وتعود آخر مساهمة منشورة باسمها فيه إلى عام 2021، قبل أن تنضم في منتصف 2023 إلى منصة “مسبار”، حيث عملت في تدقيق المعلومات والتحرير والترجمة، وأسست فريقًا من مدققي المعلومات وأشرفت عليه، وفق سيرتها المهنية

أما بيان حمدان، فبدأت مسيرتها في تدقيق المعلومات عام 2019 مع منصة “فتبينوا”، وانتقلت في العام التالي إلى “مسبار”، حيث عملت مدققة للمعلومات ومحررة ومدربة ومشرفة على فريق من المتعاونين، وتقول سيرتها المنشورة إنها أشرفت على تدريب أكثر من 500 صحافي وطالب ومهتم بتدقيق المعلومات، قبل أن تغادر “مسبار” في أواخر فبراير 2026 وتتفرغ لاحقًا للمساهمة في إطلاق “دِقّة”

من فكرة في تونس إلى إطلاق إقليمي

بحسب الرواية التي تقدمها “دِقّة“، بدأت فكرة المشروع في صيف 2023، قبل أن تعقد المؤسستان أول لقاء مباشر في تونس خلال خريف العام نفسه، ثم استقر الاسم ومنهج العمل مطلع 2025، وصولاً إلى الإطلاق الرسمي في صيف 2026

وتقول المنصة إنها تعتمد حتى الآن على تمويل ذاتي كامل، ولا تتلقى دعماً مالياً من أي جهة خارجية، وتقدم ذلك بوصفه ضمانة لاستقلال قرارها التحريري

لكن التمويل الذاتي لا يكفي وحده للحكم على استقلال أي منصة صحافية، إذ يتحدد هذا الاستقلال عملياً بقدرتها على تطبيق المعايير نفسها على جميع الأطراف، والإفصاح عن مصادرها، وتصحيح أخطائها، والفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات المتنازع عليها

وفي هذا السياق، خصصت “دِقّة” صفحتين لشرح منهجيتها، تعرض في إحداهما خطوات التحقق التي تتبعها، وتوضح في الثانية سياسة التصحيح، كما تعلن التزامها بلغة محايدة وإتاحة حق الرد للأطراف المعنية

وتمثل المنهجية المعلنة وسياسة التصحيح وحق الرد بعض المعايير الأساسية التي تُقاس بها مهنية مبادرات تدقيق المعلومات، غير أن قيمتها الفعلية لا تظهر في النصوص التعريفية وحدها، بل في طريقة تطبيقها عند التعامل مع ملفات سياسية شديدة الاستقطاب

أول اختبار عند الحدود المغربية الجزائرية

اختارت “دِقّة” أن تبدأ عملها من واحدة من أكثر النقاط حساسية في المغرب العربي، عبر تحقيق حمل عنوان “هل نقل الجيش الجزائري مهاجرين أفارقة غير نظاميين إلى الحدود مع المغرب؟“، أعدته المؤسستان معاً

انطلق التحقيق من مشاهد نشرتها وسائل إعلام مغربية، قالت إنها توثق اقتياد السلطات الجزائرية مجموعات من المهاجرين باتجاه الحدود مع المغرب

وبحسب نزهة خلالف، أصبح التحقيق المادة الأكثر قراءة على المنصة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من نشره، كما قالت إن الفريق رصد حملة تضليل وحدد أبرز الحسابات التي شاركت في نشرها على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي

يحمل اختيار هذا الملف دلالة تتجاوز موضوع الهجرة نفسه، فالحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة منذ عام 1994، كما قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2021، ما يجعل أي ادعاء مرتبط بالطرفين جزءاً من بيئة إعلامية وسياسية مستقطبة

وفي مثل هذا السياق، يصبح الاختبار المهني للمنصة هو قدرتها على فحص روايات الجانبين بالمعايير نفسها، من دون أن تتحول عملية التدقيق إلى امتداد لسردية سياسية أو إعلامية جاهزة

الهجرة بوصفها مساراً للتحقق

لا تتعامل “دِقّة” مع الهجرة بوصفها موضوعاً عابراً، بل تضعها ضمن مسارات عملها الأساسية، خصوصاً ما يتعلق بالادعاءات الكاذبة عن مهاجري شمال أفريقيا في أوروبا

وتنتشر في هذا المجال صور قديمة أو منزوعة من سياقها، وأرقام غير موثقة، وروايات تربط المهاجرين بحوادث لم تثبت صلتهم بها، قبل أن تنتقل هذه المواد بين وسائل الإعلام وحسابات التواصل في ضفتي البحر المتوسط

يمنح هذا التخصص المبادرة زاوية أكثر وضوحاً من منصات التدقيق العامة، لكنه يضعها أيضاً أمام ملفات شديدة الحساسية، تتداخل فيها سياسات الهجرة مع الخطاب الانتخابي والعلاقات بين الحكومات والصور النمطية عن المهاجرين

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي