تفتح صحيفة حسابًا على فيسبوك لتوصل أخبارها إلى القراء، فهل يعني ذلك أنها تسمح لـ”ميتا” بجمع محتوى موقعها واستخدامه في تطوير منتجاتها؟ هذا هو السؤال الذي أثار اعتراضات ناشرين وخبراء قانونيين، ودفع الشركة إلى تأجيل تطبيق شروطها التجارية الجديدة من 30 أكتوبر إلى 20 نوفمبر.
لكن المهلة الإضافية لم تُنهِ الخلاف، فالناشرون يريدون تغيير البنود التي يعترضون عليها، بينما تقول “ميتا” إنها تحتاج إلى وقت أطول لشرح ما سيتغير وما سيبقى كما هو، بحسب تقرير نشرته هناء تميز في “نيمان لاب” يوم 23 أكتوبر.
تتعلق الشروط الجديدة بالحسابات التجارية على منصات “ميتا”، ومنها فيسبوك وإنستغرام وواتساب وثريدز، وهي حسابات تستخدمها المؤسسات الإعلامية لإدارة صفحاتها والتواصل مع الجمهور.
موضع القلق أن الشروط لا تقتصر على المحتوى المنشور داخل هذه المنصات، بل تمتد إلى المواقع المرتبطة بأصحاب الحسابات، وبحسب قراءة خبراء قانونيين للنص، قد تسمح لـ”ميتا” باستخدام برامج تدخل إلى مواقع الناشرين وتجمع موادها وتحللها، ثم تعود إليها للحصول على ما يُنشر من جديد.
وهذا يعني أن الخلاف يشمل الأخبار والتقارير الموجودة على موقع الصحيفة نفسه، وليس فقط الروابط أو الصور التي تختار نشرها على حساباتها الاجتماعية.
وكانت “ميتا” قد عدّلت الشروط في 16 أكتوبر، فحذفت كلمة “تدريب”، وحصرت استخدام المحتوى في تطوير “المنتجات الإعلانية والتجارية”، بدلًا من منتجات الشركة عمومًا، إلا أن التعديل لم يبدد المخاوف، لأن هذه المنتجات قد تشمل أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وفق الخبراء الذين تحدثوا إلى “نيمان لاب”.
تقول “ميتا” إن أصحاب المواقع لا يزالون قادرين على منع برامجها من جمع المحتوى، باستخدام ملف تقني يُعرف باسم “روبوتس”، يحدد التعليمات التي يوجهها الموقع إلى برامج التصفح الآلي.
لكن هنا تكمن المشكلة: هذا التأكيد موجود في تصريحات الشركة، ولا يظهر صراحة في الشروط الجديدة، بحسب مراجعة “نيمان لاب” حتى 23 أكتوبر، كما أن قرار التأجيل لم يصاحبه تعديل آخر في البنود.
لذلك، لا يكتفي المعترضون بوعد أن تحترم الشركة اختياراتهم، بل يريدون إدراج هذا الالتزام بوضوح في النص الذي يحكم علاقتهم بها، مع تحديد المحتوى الذي تستطيع جمعه، وكيف تستخدمه، وما إذا كان بإمكان الناشر رفض ذلك مع الاحتفاظ بحساباته.
بالنسبة إلى الناشرين، يصعب فصل هذا الخلاف عن اعتمادهم على المنصات للوصول إلى القراء، فالانسحاب من فيسبوك قد يعني خسارة جمهور بنته المؤسسة خلال سنوات، بينما قد يضعها الاستمرار أمام شروط تعترض عليها.
هذا ما عبّر عنه ثيو بامبر، الرئيس التنفيذي لجمعية ناشري الأخبار البريطانية، حين قال إن الصيغة الحالية تضع المؤسسات أمام خيار بين السماح لـ”ميتا” بجمع محتوى مواقعها وخسارة الوصول إلى جمهور فيسبوك، ووصف التأجيل بأنه “توقف مؤقت وليس حلًا”.
وتوسعت الاعتراضات إلى تحرك دولي، إذ طالب الاتحاد العالمي لناشري الأخبار “وان إيفرا” بتعليق البند الخاص بجمع المحتوى، والتفاوض على شروط عادلة لاستخدام الصحافة، كما خاطب تحالف الأخبار والإعلام في أمريكا مارك زوكربيرغ، وطالبت جمعيات أوروبية الجهات التنظيمية بالتدخل.
منح القرار الناشرين 3 أسابيع إضافية، وأتاح للجهات التنظيمية وقتًا أطول لفحص الشروط، فقد رحبت المفوضية الأوروبية بالتأجيل، فيما أكدت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية استمرار مراجعتها والتواصل مع الشركة والأطراف المعنية.
لكن هذه التحركات لم تصل، وفق التقرير، إلى حكم قانوني يحسم النزاع أو اتفاق يضمن حقوق الناشرين، ولا يزال السؤال الأساسي دون إجابة تعاقدية واضحة: هل تستطيع مؤسسة إعلامية استخدام منصات “ميتا” للوصول إلى قرائها، مع رفض جمع محتوى موقعها واستخدامه؟
ويهم هذا السؤال المؤسسات الصحفية العربية أيضًا، فإدارة صفحة على منصة اجتماعية تبدو مهمة يومية بسيطة، لكن الشروط المرتبطة بها قد تمس ما تنتجه غرفة الأخبار وتنشره على موقعها الخاص، وحتى 23 أكتوبر، تغيّر موعد التنفيذ، وبقي الناشرون ينتظرون تغييرًا في النص نفسه.

