منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، تحولت حسابات صانعة المحتوى الرومانية نيكول جينيس إلى مساحة مختلفة في تناول الحرب، لا تعتمد على إعادة نشر صور القصف والضحايا فقط، ولا على الخطاب السياسي المباشر، وإنما على السخرية والتمثيل والمفارقة.
اختارت جينيس أن تواجه خطاب الحرب بلغته المعاكسة تقريبا، فبدلا من الجدية الثقيلة التي تحيط بالأخبار، قدّمت مشاهد قصيرة تقوم فيها أحيانا بأكثر من شخصية، وتعيد تمثيل بعض الحجج السياسية والإعلامية المؤيدة لإسرائيل بصورة تجعل تناقضاتها أكثر وضوحا.
في كثير من هذه المقاطع لا تكون النكتة على غزة أو على ضحاياها، بل على اللغة المستخدمة لتبرير قتلهم، وعلى ازدواجية المعايير في التعامل مع الفلسطيني والإسرائيلي، وعلى المسافة بين الشعارات الغربية عن حقوق الإنسان والمواقف التي تتخذها حكومات وإعلاميون حين يتعلق الأمر بغزة.
هذه الصيغة منحت محتواها انتشارا يتجاوز الجمهور الذي يتابع الأخبار الفلسطينية يوميا، خصوصا أن السخرية السياسية تسمح بالوصول إلى مستخدم ربما لا يشاهد تقريرا إخباريا طويلا، لكنه قد يتوقف أمام مشهد قصير يقوم على المفارقة أو قلب الأدوار.
من الحساب الشخصي إلى NOOWSHOW
مع الوقت لم يعد نشاط جينيس مرتبطا بحساباتها الشخصية فقط، إذ أصبحت شريكة في إدارة منصة NOOWSHOW، وهي مساحة إنتاجية تعتمد أساسا على الكوميديا والتعليق السياسي والاجتماعي.
ويظهر هذا التطور كيف تحولت تجربتها من ردود فعل فردية على الحرب إلى مشروع أكثر انتظاما، يجمع بين الكتابة والتمثيل والإنتاج، ويستخدم أدوات المحتوى الرقمي القصير في التعامل مع قضايا الحرب والدعاية والروايات السياسية.
ومن خلال NOOWSHOW استمر حضور غزة في المحتوى الساخر، ليس باعتبارها موضوعا عابرا، وإنما كقضية مركزية في خطاب المنصة، خصوصا في المواد التي تتناول الرواية الإسرائيلية، وتغطية الإعلام الغربي، ومواقف الحكومات من الحرب والحصار.
السخرية في مواجهة الاعتياد
أحد أهم عناصر تجربة جينيس هو إدراكها أن تكرار صور القتل والدمار قد يؤدي، بمرور الوقت، إلى نوع من الاعتياد.
ومع التدفق اليومي للصور من غزة، يصبح التحدي ليس فقط في إظهار ما يحدث، وإنما في منع الجمهور من التعامل معه باعتباره مشهدا مكررا.
من هنا جاءت الكوميديا كوسيلة لكسر هذا الاعتياد، فالمشاهد التي تنتجها جينيس لا تحاول تخفيف المأساة، وإنما إعادة جذب الانتباه إليها عبر زاوية مختلفة.
وفي عدد من مقاطعها تعتمد على قلب المواقع بين الفلسطيني والإسرائيلي أو بين الشرق والغرب، ثم تعيد تقديم الحجة نفسها بعد تغيير أصحابها، فتظهر المفارقة التي قد لا تكون واضحة حين ترد الجملة في سياقها المعتاد.
هذا الأسلوب جعل جزءا من محتواها يعمل كتعليق نقدي على الخطاب الإعلامي نفسه، وليس فقط على الحدث العسكري أو السياسي.
تهديدات ومضايقات بسبب غزة
لكن هذا الحضور لم يكن بلا كلفة: تحدثت جينيس خلال الحرب عن تلقيها رسائل تهديد وشتائم بسبب موقفها من غزة واستمرارها في نشر محتوى مؤيد للفلسطينيين.
وقالت في مقابلات إنها تلقت تهديدات بالقتل ورسائل تشير إلى معرفة مكان إقامتها، وإن هذا النوع من الرسائل أصبح مع الوقت جزءا متكررا من تجربتها على المنصات.
كما تحدثت عن صعوبات في وصول المحتوى المرتبط بفلسطين وعن شعورها بوجود قيود مستمرة على هذا النوع من المنشورات.
ولا تتوافر بيانات مستقلة تسمح بقياس حجم ما تعرضت له حساباتها تحديدا، لكن شكاواها تأتي في سياق أوسع شهد اعتراضات متكررة من صحفيين وناشطين وصناع محتوى على سياسات المنصات تجاه المواد المرتبطة بغزة.
ورغم هذه المضايقات، لم تتراجع جينيس عن نشر محتواها، بل أصبحت التهديدات والرقابة نفسها جزءا من حديثها عن ثمن اتخاذ موقف علني من الحرب.
محتوى لا يريد أن يجعل الحرب عادية
تكشف تجربة نيكول جينيس عن تحول أوسع في الطريقة التي تُروى بها الحروب على المنصات الرقمية، فإلى جانب المراسلين والمؤسسات الإعلامية، دخل صناع المحتوى والكوميديون والممثلون إلى مساحة كانت في السابق أقرب إلى الاحتكار الصحفي.
وجينيس لم تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها صحفية أو بديلا عن التغطية الميدانية، بل استخدمت الأدوات التي تعرفها: التمثيل والمفارقة والكوميديا والفيديو القصير، لتقديم قراءة مختلفة للحرب.
وخلال ثلاث سنوات، اتسع هذا الدور من فيديوهات ساخرة على حساب شخصي إلى عمل عبر NOOWSHOW، ثم إلى جمع التبرعات والمشاركة في مبادرات مرتبطة بكسر الحصار، مقابل تهديدات ومضايقات ارتبطت بموقفها من غزة.

