اقتصاد الإعلام العربي يتغير: الاشتراكات تصعد والإعلانات تفقد مركزها

اقتصاد الإعلام العربي: الاشتراكات تتفوق على الإعلانات في 2026

خلال النصف الأول من 2026، تراجعت إيرادات إعلانات “إم بي سي” بنسبة 20.8% إلى 617.6 مليون ريال، وسجل قطاع البث خسارة صافية بلغت 88.9 مليون ريال، بعد ربح قارب 393 مليونًا قبل عام، في المقابل ارتفعت إيرادات “شاهد” بنسبة 18.5%، مدفوعة بنمو الاشتراكات 23.3%، وقفز صافي ربح المنصة من 2.7 مليون ريال إلى 54.2 مليونًا، رغم انخفاض إيراداتها الإعلانية 11%.

هذه أرقام مؤسسة واحدة خلال ستة أشهر، ولذلك لا تكفي وحدها للحكم على السوق بأكمله، لكنها تكشف اتجاهًا يستحق التوقف عنده: المال الذي يغادر الإعلان لا ينتقل بالضرورة إلى الإعلان الرقمي، بينما يتقدم نموذج يحصل فيه المحتوى على إيراداته مباشرة من الجمهور.

التحول ليس بين شاشتين

لسنوات، جرى تقديم مستقبل الإعلام باعتباره سباقًا بين التلفزيون والمنصات الرقمية، وكأن الجمهور ينتقل من شاشة إلى أخرى، وتصاحبه ميزانيات الإعلان في الرحلة نفسها.

لكن نتائج “إم بي سي” تصحح هذه الصورة، فقد تراجع الإعلان على التلفزيون ومنصة “شاهد” في الوقت نفسه، بينما جاء نمو المنصة من الاشتراكات المدفوعة.

لا يتعلق التحول إذن بمكان مشاهدة المحتوى فقط، بل بالجهة التي تدفع تكلفته، ففي النموذج التقليدي يدفع المعلن للمؤسسة مقابل الوصول إلى الجمهور، أما في نموذج الاشتراك فيدفع الجمهور للمؤسسة مقابل الوصول إلى المحتوى.

هذا الفرق يعيد ترتيب العلاقة بين أطراف السوق، ويغير طريقة إنتاج المحتوى وتسعيره وقياس نجاحه، فالمؤسسة التي تعتمد على الإعلان تبحث عن أكبر عدد ممكن من المشاهدات، بينما تحتاج منصة الاشتراك إلى محتوى يقنع المستخدم بالدفع، ثم يمنعه من إلغاء اشتراكه.

ومن هنا يمكن قراءة أرقام “إم بي سي” باعتبارها مؤشرًا على انتقال الإعلام العربي من اقتصاد تحكمه الشاشة إلى اقتصاد تحدده مصادر التمويل.

الإعلان باقٍ لكنه لم يعد ضمانة

ربطت “إم بي سي” انخفاض إيراداتها الإعلانية بحالة “الضبابية الجيوسياسية”، وهو تفسير يضع جانبًا من التراجع في إطار ظرفي، لكنه يكشف أيضًا هشاشة الاعتماد على الإعلان وحده.

فعند وقوع أزمة سياسية أو اقتصادية، تستطيع الشركات تأجيل حملاتها التسويقية أو تقليصها بسرعة، لتنتقل آثار الأزمة مباشرة إلى القنوات والمنصات وشركات الإنتاج والعاملين فيها.

ولا تعني نتائج ستة أشهر أن الإعلان العربي يتجه حتمًا إلى الانكماش، خصوصًا أن تقديرات السوق الواردة في عرض المجموعة تتوقع نمو الإعلان التلفزيوني في المنطقة بمعدل سنوي مركب يبلغ 5.7% بين 2024 و2028، والإعلان الإذاعي بنسبة 4.9%.

لكن النمو المتوقع في القطاعين يظل أبطأ من ألعاب الفيديو، المقدّر بنحو 10.4%، والفعاليات في السعودية بنسبة 9.8%، ما يشير إلى أن الأموال الجديدة تتحرك بوتيرة أسرع نحو مجالات أخرى في اقتصاد الإعلام والترفيه.

ويظهر الاتجاه نفسه عالميًا، إذ قدرت “دبليو بي بي ميديا” انخفاض الإنفاق على إعلانات التلفزيون الخطي بنسبة 3.8% خلال 2025، وتوقعت تراجعه بنسبة إضافية تبلغ 2.6% في 2026، في مقابل نمو الإعلان المرتبط بالبث عبر الإنترنت.

لكن حالة “شاهد” تضيف قيدًا مهمًا إلى هذه التوقعات، فنمو الإعلان الرقمي عالميًا أو إقليميًا لا يعني بالضرورة أن كل مؤسسة إعلامية ستستفيد منه، إذ انخفضت إيرادات الإعلانات الرقمية للمنصة بنسبة 11% رغم نمو السوق الأوسع.

لذلك لن يختفي الإعلان، لكنه يفقد موقعه بوصفه الضامن شبه الوحيد لتمويل المحتوى، ويتحول تدريجيًا إلى مورد ضمن مجموعة موارد، بدل أن يبقى العمود الذي تقوم عليه المؤسسة كلها.

المشترك لا يدفع مقابل المحتوى فقط

ارتفعت إيرادات “شاهد” بنسبة 18.5%، ونمت إيرادات اشتراكاتها 23.3%، بينما قفز صافي ربح المنصة إلى 54.2 مليون ريال، في مقابل تراجع الشق المجاني الممول بالإعلانات.

تكمن أهمية الاشتراك في أنه يمنح المؤسسة علاقة مالية مباشرة مع المشاهد، وإيرادات يمكن توقعها بصورة أفضل، وبيانات أكثر دقة عن المواد التي يشاهدها والوقت الذي يقضيه عليها واحتمالات استمراره في الدفع.

لكن المشترك لا يشتري مسلسلًا أو برنامجًا فقط، بل يشتري تجربة كاملة تشمل سهولة الوصول وجودة العرض وتنوع المكتبة وانتظام إضافة المحتوى، ولذلك تصبح المنصة مسؤولة عن إقناعه بالدفع كل شهر، لا مرة واحدة.

ولا يزال انتشار خدمات البث عبر الإنترنت عند 11.4% فقط من الأسر في المنطقة، وفق عرض “إم بي سي”، ما يترك مساحة كبيرة للنمو، كما تتوقع تقديرات “أومديا” وصول قيمة سوق البث في المنطقة إلى 8.4 مليارات دولار بحلول 2029.

وتتصدر “شاهد”، وفق تقديرات شركات أبحاث السوق، منصات الاشتراك في المنطقة، لكن الأرقام تختلف من مصدر إلى آخر، فقد قدرت “أومديا” عدد مشتركيها بنحو 4.4 مليون في ديسمبر 2024 مقابل 3 ملايين لنتفليكس، بينما قدمت “داتاكسيس” تقديرات أعلى للطرفين، مع احتفاظ “شاهد” بالصدارة في الحالتين.

غير أن زيادة المشتركين لا تضمن الربح، فقد رفعت منصة “أنغامي” إيراداتها السنوية إلى 99.3 مليون دولار في 2025، ووصل عدد مشتركيها إلى أكثر من 3.5 ملايين، لكنها سجلت خسارة صافية بلغت 37.1 مليون دولار خلال النصف الأول من العام نفسه.

تكشف هذه المقارنة أن النجاح لا يُقاس بعدد الاشتراكات وحده، بل بكلفة اكتساب المشترك، وقدرة المنصة على الاحتفاظ به، ومتوسط ما يدفعه، وحجم الإنفاق المطلوب لتجديد مكتبة المحتوى.

ولهذا يمثل وصول “شاهد” إلى الربحية مؤشرًا مهمًا، لكنه لا يحسم استدامة النمو، فالسؤال المقبل لن يكون كم مشتركًا تستطيع المنصة جذبه، بل كم يكلف جذب هذا المشترك، وكم شهرًا سيبقى، وكم عملًا جديدًا تحتاج إلى إنتاجه حتى لا يغادر.

المحتوى يتحول إلى رأس مال

تشير “إم بي سي” إلى أن المحتوى العربي يمثل نحو 85% من إنتاجها، وأن الدراما السعودية والمصرية تقود التفاعل، وهو ما يمنح المجموعة أفضلية في مواجهة المنصات العالمية التي تمتلك مكتبات ضخمة، لكنها لا تستطيع دائمًا مجاراة القرب اللغوي والثقافي للمحتوى المحلي.

غير أن هذه الأفضلية مرتفعة الكلفة، فقد تراجع هامش الربح الإجمالي لقطاع البث من 33.2% إلى 26.6%، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات الإعلانية واستمرار الإنفاق على الإنتاج والحقوق.

تفرض هذه المعادلة تغييرًا في نظرة المؤسسات إلى المحتوى، فالعمل الذي يُنتج لعرض واحد أو موسم قصير يظل تكلفة، بينما يتحول العمل إلى أصل اقتصادي عندما يمكن عرضه على التلفزيون والمنصة، وبيعه في أسواق أخرى، وإعادة استثماره في المقاطع القصيرة والنسخ المحلية والحقوق المشتقة.

قد لا يكون التفوق مستقبلًا للمؤسسة التي تنتج أكبر عدد من الأعمال، بل لمن تستطيع اختيار المحتوى المناسب، والتحكم في حقوقه، وإطالة عمره التجاري، وتوزيع كلفته على أكبر عدد ممكن من الشاشات والأسواق.

وهذا ما يفسر تداخل المنافسة والتعاون بين المنصات، فالاتفاق الذي أبرمته “إم بي سي” ونتفليكس في يوليو 2025 لإتاحة بعض محتوى المجموعة على المنصة العالمية يوضح أن المنافس قد يتحول إلى قناة توزيع عندما يصبح تعظيم قيمة المحتوى أهم من احتكاره داخل منصة واحدة.

الدولة تصبح طرفًا اقتصاديًا مباشرًا

لا يقتصر تحول السوق على تراجع الإعلان وصعود الاشتراك، فهناك مصدر ثالث للتمويل يتقدم بسرعة، هو الدولة.

يمتلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي 54% من “إم بي سي” منذ سبتمبر 2025، بعد صفقة بلغت قيمتها نحو 7.47 مليار ريال، وانتقل المقر الرئيسي للمجموعة إلى الرياض، فيما توسعت استثماراتها في الاستوديوهات والمشروعات المرتبطة بقطاعات الترفيه والإنتاج ضمن “رؤية السعودية 2030”.

وهكذا لم تعد الدولة جهة تضع القواعد وتمنح التراخيص فقط، بل أصبحت مالكًا ومستثمرًا ومشتريًا للخدمات وصاحبة مشروعات إنتاجية وفعاليات كبرى.

يمكن لهذا النموذج توفير تمويل طويل الأجل، وبناء استوديوهات وبنية إنتاجية متطورة، وخلق وظائف وفرص للشركات والمنتجين، لكنه يغير أيضًا شروط المنافسة داخل السوق.

فعندما تجتمع الملكية والتمويل والتنظيم والعقود الكبرى لدى جهة واحدة، تحصل المؤسسات المرتبطة بالمشروعات العامة على موارد وفرص يصعب على الشركات الصغيرة أو المستقلة مجاراتها.

ولا تعني ملكية الدولة بالضرورة ضعفًا في الأداء التجاري، كما لا تضمن الملكية الخاصة استقلالًا تحريريًا، لكن اتساع التمويل الحكومي يجعل من الضروري فحص أثره في تنوع السوق، وفرص المؤسسات المستقلة، والحدود الفاصلة بين المحتوى التجاري والأهداف السياسية والثقافية للدولة.

الرياض تعيد توزيع أدوار العواصم الإعلامية

يشير انتقال “إم بي سي” واستثماراتها الجديدة إلى تحول أوسع في جغرافيا الإعلام العربي، فبعد عقود توزعت فيها الصناعة بين القاهرة وبيروت ودبي، تتقدم الرياض بوصفها مركزًا يجمع المال والاستوديوهات والمنصات والفعاليات والمشروعات الحكومية.

لا يعني ذلك اختفاء المراكز الأخرى، لكنه يدفعها إلى إعادة تعريف مواقعها، فقد تحتفظ القاهرة بثقلها في الإنتاج والمواهب، وبيروت بخبراتها الإبداعية، ودبي بدورها في الأعمال والإعلانات، بينما تصبح الرياض المركز الأكبر للتمويل والقرار الاستثماري.

ويمنح هذا التحول السعودية قدرة متزايدة على التأثير في حجم الميزانيات، ومواقع الشركات، وحركة المواهب، وأنواع المحتوى التي تحصل على التمويل، بما يجعلها طرفًا رئيسيًا في رسم أولويات الصناعة العربية خلال السنوات المقبلة.

المؤسسات المستقلة أمام معادلة أصعب

تفيد هذه التحولات المجموعات القادرة على الجمع بين الإعلان والاشتراك والإنتاج والعقود الحكومية، لكنها تضع المؤسسات الصغيرة والمستقلة أمام تحد مختلف.

فالمؤسسة المستقلة لا تستطيع عادة منافسة المجموعات الكبرى في شراء الحقوق أو إنتاج الدراما أو الإنفاق على التسويق، كما أن الاعتماد الكامل على الإعلانات يجعلها عرضة لتقلبات السوق وقرارات المنصات وشروط المعلنين.

لذلك يتجه مستقبلها إلى نماذج تقوم على الجمهور المباشر، والعضويات، والاشتراكات المتخصصة، والشراكات الإنتاجية، والخدمات المهنية، والفعاليات، وتوزيع المحتوى عبر أكثر من جهة.

لن يكون المطلوب منها تقليد “شاهد” أو نتفليكس، بل العثور على جمهور محدد يرى في محتواها قيمة لا تقدمها المؤسسات الكبرى، ويقبل المساهمة في تمويله.

من يملك الجمهور يملك المستقبل

لا تقول نتائج “إم بي سي” إن التلفزيون انتهى، أو إن الإعلان سيختفي، أو إن الاشتراك حسم مستقبل السوق، لكنها تكشف أن الإعلام العربي لم يعد قادرًا على الاعتماد على ممول واحد.

فالمعلن يتراجع عن موقعه التاريخي، والمشترك يكتسب وزنًا أكبر، والدولة تتوسع من التنظيم إلى الاستثمار والملكية، بينما يصبح المحتوى المحلي القابل للتوزيع وإعادة الاستثمار هو الأصل الأكثر قيمة.

وبذلك لا تدور المنافسة المقبلة حول الشاشة التي يصل إليها الجمهور، بل حول من يمتلك العلاقة معه، ومن يستطيع تحويل هذه العلاقة إلى دخل مستدام، ومن يملك حقوق المحتوى الذي يعود الجمهور من أجله.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي