“بيع الهواء” تحت المجهر.. مراجعة شاملة لعقود الإنتاج المشترك في القنوات المصرية الخاصة

مصر تراجع عقود الإنتاج المشترك لمواجهة ظاهرة «بيع الهواء»

Author

في الثالث من أغسطس/آب 2026، قرّر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر مراجعة جميع عقود «الإنتاج المشترك» السارية، التي تكون إحدى القنوات الخاصة طرفًا فيها، مع الإيقاف الفوري لأي عقد يثبت مخالفته للقانون أو الضوابط المنظمة للعمل الإعلامي.

جاء القرار بعد شكوى تقدّمت بها الإعلامية نجلاء الراوي، مقدّمة برنامج «مختلفة»، ضد قناة «الشمس»، لكنه تجاوز حدود الواقعة الفردية ليفتح ملفًا أوسع ظل حاضرًا في الوسط الإعلامي المصري لسنوات، ويُعرف اصطلاحًا باسم «بيع الهواء».

وبذلك، لم تعد القضية متعلقة بخلاف بين مذيعة وقناة، بل تحولت إلى مراجعة شاملة للطريقة التي تُنتج بها بعض البرامج وتُموّل وتصل إلى شاشات القنوات الخاصة، وللسؤال الأهم: أين ينتهي «الإنتاج المشترك» المشروع، وأين يبدأ تأجير الشاشة لمن يدفع؟

ما المقصود بـ«بيع الهواء»؟

يقوم «بيع الهواء» على تخصيص قناة فضائية ساعات بث لشخص أو جهة من خارجها، مقابل مبلغ مالي، لتقديم برنامج يختار المموّل محتواه ومقدّمه وضيوفه، وأحيانًا رسائله الإعلانية أيضًا.

وغالبًا ما تُبرم هذه الترتيبات تحت اسم «الإنتاج المشترك»، وهو نموذج قانوني ومهني معروف في صناعة الإعلام، يقوم في الأصل على تقاسم تكاليف إنتاج البرنامج ومسؤولياته بين القناة وشركة أو جهة أخرى.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا النموذج من شراكة إنتاجية إلى عملية تأجير مقنّعة للشاشة، تتنازل فيها القناة عمليًا عن قرارها التحريري لمصلحة الطرف الذي يدفع.

في هذه الحالة، لا يعود البرنامج جزءًا من رؤية القناة أو سياستها التحريرية، بل يصبح مساحة مدفوعة تُعرض في صورة محتوى إعلامي عادي، من دون أن يعرف المشاهد بالضرورة أن صاحب البرنامج موّل ظهوره بنفسه.

وتتكوّن المعادلة عادةً من طرف يملك المال ولا يمتلك بالضرورة الخبرة الإعلامية، وقناة تبحث عن مصدر دخل يساعدها على تغطية نفقاتها أو ملء ساعات البث، بينما يبقى الجمهور الطرف الغائب، إذ يتلقى محتوى قد يظنه اختيارًا تحريريًا للقناة، رغم أن صاحبه دفع مقابل إذاعته.

مخاطر «بيع الهواء» على الجمهور والمهنة

لا تتوقف خطورة «بيع الهواء» عند ظهور مقدّمين يفتقرون إلى التأهيل المهني أو الثقافي اللازم لمخاطبة الجمهور، بل تمتد إلى طبيعة المحتوى الذي يمكن تمريره عبر هذه المساحات.

فقد تُستخدم بعض البرامج في الترويج لأشخاص أو مصالح تجارية، أو تسويق منتجات وخدمات، بينها منتجات طبية، من خلال المبالغة أو الإيهام، مستفيدةً من ثقة الجمهور في الشاشة، ومن الخلط بين المادة التحريرية والإعلان المدفوع.

وفي هذه الحالة، لا يصبح الضرر مقصورًا على صورة المهنة، بل يمس حق الجمهور في معرفة طبيعة المحتوى الذي يشاهده، وقد يهدد مصالحه أو سلامته إذا قُدّمت إليه ادعاءات غير دقيقة في قالب إعلامي يوحي بالمصداقية.

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين «بيع الهواء» و«الإنتاج المشترك» في صورته المهنية السليمة؛ فالأخير ليس مخالفة في ذاته، بل وسيلة تمويل تستخدمها المؤسسات الإعلامية في أنحاء العالم لإنتاج برامج قد يصعب على طرف واحد تحمّل تكلفتها.

الإشكال إذن لا يكمن في اسم العقد، بل في مضمونه الفعلي، وفي الجهة التي تملك القرار التحريري النهائي وتتحمل المسؤولية القانونية والمهنية عما يُبث.

صلاحيات موزعة بين المجلس والنقابة

يستند المجلس في تحركه إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي يمنحه صلاحيات تتعلق بمتابعة أداء الوسائل الإعلامية ومدى التزامها بالقانون والأكواد والضوابط المعمول بها.

لكن ضبط الظاهرة لا يقع بالكامل في يد المجلس، إذ سبق لرئيسه أن أشار إلى أن منح تصاريح مزاولة المهنة لمقدّمي البرامج يدخل أساسًا ضمن اختصاص نقابة الإعلاميين.

وهذا التداخل يعني أن التعامل مع «بيع الهواء» يحتاج إلى تنسيق بين أكثر من جهة؛ فالمجلس يستطيع مراجعة العقود والمحتوى، بينما تتولى النقابة التحقق من أهلية من يظهرون على الشاشة وتصاريح مزاولتهم المهنة.

الملف يصل إلى البرلمان المصري

كان الملف قد وصل إلى البرلمان أيضًا، بعدما أثارت النائبة لبنى عبد العزيز قضية ظهور مقدّمين لا يمتلكون المؤهلات العلمية أو المهنية المناسبة، ويناقشون، رغم ذلك، قضايا عامة تمس المجتمع.

ويعكس هذا الجدل اتساع القلق من الظاهرة خارج الوسط الإعلامي، بعدما أصبحت جودة بعض البرامج، وهوية مقدّميها، وطبيعة تمويلها موضع تساؤل عام.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي