ترامب ضيفًا على مَن يهاجمهم: ست مفارقات في عشاء مراسلي البيت الأبيض

دونالد ترامب في عشاء مراسلي البيت الأبيض عام 2026

Author

مساء الجمعة 24 يوليو 2026، جلس دونالد ترامب في صدر قاعة “والدورف أستوريا” بواشنطن، يتابع صحفيين يتسلّمون جوائز عن تغطية رئاسته، وبعضها عن تحقيقات أغضبته ودفعته إلى القضاء

صافح فريق “وول ستريت جورنال” الفائز عن تحقيقاته بشأن علاقته بجيفري إبستين، وشاهد كايتلان كولينز، كبيرة مراسلي “سي إن إن” في البيت الأبيض، تتسلّم جائزة عن تغطية مواجهته مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

ثم أمسك بالميكروفون لأكثر من ساعة، فهاجم بعض الفائزين، وسخر من خصومه السياسيين، وانتقد النكات التي أعدها له كُتّاب خطابه. لم يكن الخطاب وحده هو القصة، فالحفل كله بدا سلسلة من المفارقات.

1 ـ الضيف الذي رأى نفسه المُكرَّم

قاطع ترامب العشاء خلال ولايته الأولى، وغاب عنه مجددًا في 2025، ثم أعلن في مارس 2026 أنه سيحضره للمرة الأولى بصفته رئيسًا.

كتب على “تروث سوشيال” أن رابطة مراسلي البيت الأبيض طلبت منه “بلطف شديد” أن يكون المُكرَّم في الحفل، لكن رئيسة الرابطة ويجيا جيانغ اكتفت بالقول إنهم سعداء بقبوله الدعوة.

لم يكن الفارق بين الروايتين بروتوكوليًا فقط، فترامب رأى المناسبة احتفالًا به، بينما تقول الرابطة إن العشاء مخصص للدفاع عن حرية الصحافة وتمويل منح دراسية وتكريم الصحفيين الذين يراقبون الرئيس.

في النهاية، ذهبت الجوائز إلى الصحفيين، وبقي ترامب ضيف الحفل الأبرز، لا صاحبه.

2 ـ احتفال بحرية الصحافة في فندق كان يحمل اسم ترامب

كان من المفترض أن يقام العشاء في 25 أبريل داخل “واشنطن هيلتون”، لكن إطلاق مسلح النار عند نقطة تفتيش أدى إلى وقف الحفل قبل اكتمال برنامجه.

أعادت الرابطة تنظيم العشاء بعد ثلاثة أشهر داخل “والدورف أستوريا”، بحضور أصغر وإجراءات أمنية أشد.

لكن الفندق الجديد لم يكن مكانًا غريبًا عن ترامب، فقد أدارت شركته المبنى التاريخي بين عامي 2016 و2022 تحت اسم “ترامب إنترناشونال هوتيل”، قبل بيع حق استغلاله وتغيير اسمه.

هكذا احتفلت الصحافة باستقلالها داخل فندق ظل سنوات يحمل اسم الرجل الذي تغطيه، بينما جلس هو في صدر القاعة.

3 ـ جوائز عنه… وليست له

هيمنت تغطية العام الأول من ولاية ترامب الثانية على جوائز الرابطة، فازت كولينز بجائزة التغطية الرئاسية تحت ضغط الوقت، ونال جوش دوسي من “وول ستريت جورنال” جائزة التميز في تغطية البيت الأبيض، بينما حصل فريق من الصحيفة نفسها على جائزة كاثرين غراهام للشجاعة والمساءلة عن تحقيقاته المرتبطة بإبستين.

صافحهم ترامب على المنصة، ثم قال في خطابه إن جائزة كولينز “كانت كلها عني”، قبل أن يصفها بأنها “زائفة” ولا تستحقها.

كان محقًا في نصف الجملة فقط، فقد كان محور التغطية، لكنه لم يكن صاحبها ولا مَن يقرر قيمتها.

الرئيس يصنع الخبر، والصحفي يراجعه ويحقق فيه، لكن وجود الرئيس في قلب القصة لا يجعل الجائزة ملكًا له.

4 ـ تكريم الرجل الذي حمى القاعة

منحت الرابطة “جائزة الرئيس للخدمة الاستثنائية” إلى ضابط الخدمة السرية فيكتور غونزاليس، الذي واجه المسلح عند نقطة التفتيش في أبريل.

أصابت إحدى الطلقات سترته الواقية، لكنه واصل التصدي للمهاجم وساعد في منعه من التقدم نحو القاعة.

كما كرمت الرابطة موظفي “واشنطن هيلتون” الذين بقوا لمساعدة الضيوف خلال الفوضى، وحافظ العاملون في المطبخ على أكثر من ألفي وجبة لم تُقدّم حتى أمكن إرسالها إلى ملاجئ محلية.

كان التكريم لمَن حمى الجميع، بمن فيهم صحفيون يصفهم ترامب باستمرار بأنهم “أخبار زائفة”.

5 ـ حين أصبح الصمت جزءًا من الخطاب

ضحكت القاعة في البداية، خصوصًا حين قال ترامب إن روبرت كينيدي الابن دهس البقرة التي قُدمت منها قطعة اللحم في العشاء.

لكن الضحك تراجع مع انتقال الخطاب إلى الإهانات الشخصية والهجمات السياسية، حتى بدأ ترامب نفسه ينتقد النص الذي يقرأه ويسأل إن كان أحد يفهمه.

وبحسب وصف “واشنطن بوست”، قوبلت أجزاء واسعة من كلمته بصمت مذهول، بينما بقي صحفيون كثيرون في مقاعدهم عند نهايتها من دون تصفيق.

لا يعني الصمت أن الصحفيين تحولوا إلى كتلة سياسية معارضة، لكنه كشف أن الخطاب الذي ينجح أمام جمهور انتخابي موالٍ قد يفشل أمام جمهور يعرف تفاصيل الوقائع والأسماء التي تُستخدم مادة للسخرية.

أنهى ترامب الليلة مرتديًا قبعة حمراء تحمل عبارة “ترامب 2028″، ومازح الحضور بأنه سيترشح لولاية رابعة وفق حسابه الذي يشمل انتخابات 2020، رغم أن الدستور يمنعه من الترشح مجددًا.

6 ـ خارج الفندق كانت العلاقة أقل وُدًا

أظهرت المصافحات علاقة أكثر هدوءًا مما يجري خارج القاعة، فبين الحاضرين مراسلون من “أسوشيتد برس”، التي قيّدت الإدارة وصولها إلى بعض فعاليات البيت الأبيض، وفريق الصحيفة التي يقاضيها ترامب بسبب تغطية إبستين، وتايلر بيجر من “نيويورك تايمز”، الذي استُهدف باستدعاء قضائي بسبب تقرير عن المخاوف الأمنية المتعلقة بالطائرة القطرية المستخدمة ضمن أسطول الرئاسة.

وقبل العشاء بساعات، دافع ترامب عن ملاحقة مسرّبي المعلومات عن طريق الصحفيين، ملمحًا إلى أن بعض المعلومات التي تصل إلى الصحافة لا ينبغي نشرها.

لذلك طالبت ثماني منظمات مهنية ونحو 520 صحفيًا الرابطة بالدفاع علنًا عن حرية الصحافة، خصوصًا بعدما تراجعت الولايات المتحدة سبعة مراكز إلى المرتبة 64 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026.

ما بعد المصافحة

يمكن قراءة الليلة باعتبارها دليلًا على أن بعض القواعد لا تزال تعمل، فالصحفيون منحوا جوائز لتحقيقات لا ترضي الرئيس، والرئيس حضر ولم يستطع منعها.

لكن الحفل لم يثبت أن العلاقة بين السلطة والصحافة سليمة، فالمصافحة لا تلغي دعوى قضائية، والصورة الودية لا تعيد لمراسل حق الوصول، والدفاع عن حرية الصحافة داخل عشاء سنوي لا يكفي إذا ظلت أدوات العمل والمصادر عرضة للضغط بقية العام.

خرج ترامب بالقبعة الحمراء، وخرج الصحفيون بجوائزهم، وبقي أهم ما في الليلة أن الرئيس لم يكن يملك منح تلك الجوائز أو منعها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي