حين أُجبرت الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون على الصعود إلى سيارة مسلحين وسط بغداد في 31 مارس 2026، لم تكن الحادثة استثناءً في مشهد الصحافة العراقية، بل تكثيفاً له. فالعراق، الذي تراجع 7 مراكز دفعة واحدة إلى المرتبة 162 من 180 في مؤشر «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة 2026، يمارس فيه إسكات الصحفيين بأدوات متدرجة: تبدأ بقرار إداري يمنع التغطية، وتمر بالدعوى القضائية والزنزانة، ولا تنتهي عند الرصاصة أو المسيّرة. هذا التقرير يفكك هذه الأدوات نمطاً نمطاً، استناداً إلى توثيق منظمات محلية ودولية.
القتل: ثلاثة عقود من الدم بلا قصاص
الرقم التراكمي وحده صادم: أكثر من 340 صحفياً قُتلوا في العراق خلال ثلاثة عقود، بحسب المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، الذي يصنّف رئيسه فاضل الغراوي العراق بين أخطر بيئات العمل الإعلامي في العالم.
والقتل لا يأتي من جهة واحدة. ففي أغسطس 2024 قتلت ضربات مسيّرات تركية في إقليم كردستان ثلاثة صحفيين هم هيرو بهادين، وكولستان تارا، ومراد ميرزا، وفق توثيق مركز مترو للدفاع عن حقوق الصحفيين، فيما تظل اغتيالات الصحفيين الاستقصائيين في الإقليم — من سردشت عثمان عام 2010 إلى كاوة كرمياني عام 2013 وويدات حسين عام 2016 — بلا محاسبة، حتى إن «مراسلون بلا حدود» طالبت بإعادة فتح ملفات القتل بعدما تبادلت الأحزاب الكردية الاتهامات بشأنها.
هذا الإفلات المزمن من العقاب هو ما جعل تحقيقاً لشبكة «نيريج» الاستقصائية في مايو 2026 يخلص إلى أن خيارات الصحفي العراقي «محددة: الموت، السجن، المنفى، أو الصمت».
الاختطاف: حين يصبح الصحفي ورقة تفاوض
قضية كيتلسون نموذج لتحول الصحفي إلى عملة تبادل بين الدولة والفصائل. فالصحفية المستقلة التي عملت لسنوات في تغطية الشأن العراقي اختُطفت قرب فندق بغداد على يد مسلحين نُسبوا إلى «كتائب حزب الله»، وأُفرج عنها في 7 أبريل 2026 ضمن صفقة أطلقت بموجبها الحكومة معتقلين من الفصيل، وسُلّمت إلى السفارة الأمريكية بشرط مغادرتها البلاد فوراً.
الرسالة المزدوجة واضحة: الفصيل قادر على الخطف في قلب العاصمة دون عواقب، والدولة مستعدة للتفاوض على رأس الصحفي لا للدفاع عنه. ولم تُعلن حتى اليوم أي ملاحقة قضائية للخاطفين.
السجن: قضية شيروان شيرواني نموذجاً للمصيدة القضائية
يقدّم إقليم كردستان النموذج الأوضح لما تسميه المنظمات الحقوقية «التنكيل القضائي». فالصحفي الاستقصائي شيروان شيرواني، الذي اشتهر بتحقيقاته في فساد حكومة الإقليم، معتقل منذ أكتوبر 2020، وكلما اقترب موعد الإفراج عنه أُضيفت إليه عقوبة جديدة.
ففي 20 أغسطس 2025 حكمت محكمة جنايات أربيل عليه بـ4 سنوات و5 أشهر إضافية — وهي إدانته الثالثة ذات الدوافع السياسية منذ 2021، بحسب لجنة حماية الصحفيين — بناءً على شكوى ضابط سجن يتهمه بالتهديد، وهو ما ينفيه شيرواني.
ووصفت منظمة العفو الدولية الحكم الصادر «قبل أسابيع من الإفراج المقرر» بأنه «ممارسة ملتوية لمعاقبة المنتقدين»، فيما طالبت لجنة حماية الصحفيين مع 17 منظمة بإطلاق سراحه فوراً ودون شروط.
وليس شيرواني وحده؛ فرصد حقوقي لشهر يونيو 2026 وحده سجّل احتجاز 10 صحفيين، واعتقال 4، وخضوع 9 لتحقيقات قضائية. كما وثّق مركز مترو 52 حالة اعتقال لصحفيين في الإقليم خلال 2025، كثير منها دون أمر قضائي.
الإغلاق: من إلغاء رخصة MBC إلى مداهمة «العراق الحدث»
تحوّلت هيئة الإعلام والاتصالات — الجهة التنظيمية الرسمية — إلى أداة عقاب بيد السلطة والفصائل معاً. ففي أكتوبر 2024 ألغت الهيئة رخصة قناة MBC وأوقفت عملها في العراق بذريعة «التطاول على قادة النصر وقادة المقاومة»، بعد تقرير بثته القناة أغضب الفصائل وأعقبه اقتحام غاضبين لمكتبها في بغداد.
وفي 1 يوليو 2025 داهمت قوة أمنية بمعية فريق من الهيئة مقر قناة «العراق الحدث» في بغداد، وأوقفت بثها، وأفرغت المكتب من موظفيه بحكم قضائي «لأسباب غير معلومة»، وهو ما وصفته جمعية الدفاع عن حرية الصحافة بأنه «سابقة خطيرة»، فيما رأت صحيفة «العرب» أن الإغلاق بالقوة يطرح سؤال حماية الحريات.
التكميم الناعم: القانون والعشيرة واللائحة
أخطر ما في المشهد ربما ليس العنف الصريح، بل المنظومة اليومية الخانقة. فقد وثّقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة 182 انتهاكاً خلال 2025، تصدرتها بغداد بـ62 حالة، ثم السليمانية بـ22، والبصرة بـ19، موزعة بين الاعتقال والمنع والدعاوى والتقييد عبر لوائح هيئة الإعلام.
ووصفت الجمعية عامها في تقرير بعنوان «عام من الرعب» بأنه «حالة طوارئ ضد حرية الصحافة تقود إلى المحاكم والسجون والحظر». وفي كردستان قفزت الانتهاكات إلى 315 حالة في 2025، بينها 120 حالة منع من التغطية و53 مصادرة معدات، بما يعكس انقلاب المنحنى الهابط السابق.
الأدوات القانونية جاهزة دائماً: قانون العقوبات لعام 1969 بمصطلحاته المطاطة، مثل «النظام العام» و«الآداب العامة»، ومقترحات تشريعية تصل عقوباتها إلى السجن المؤبد على المحتوى الرقمي، بحسب رصد منصة «الأمرجي».
وحيث لا يكفي القانون، تحضر العشيرة. فقد نقل تحقيق للجزيرة نت في أبريل 2026 عن صحفيين عراقيين أن من يقترب من ملفات الفساد والسلاح «يُسكت بالقانون أو بالعشيرة» — دعوى قضائية أو «دكّة عشائرية» على باب بيته.
ومن الوقائع الدالة حديثاً: اعتقال صحفي قناة «الرابعة» محمد أمين في 6 أبريل 2026 أثناء تغطيته أزمة الغاز في كربلاء، وإجباره على توقيع تعهد بعدم التطرق للأزمة قبل الإفراج عنه، ومنع مراسلي قنوات فضائية من دخول مبنى مجلس النواب في 8 مارس 2026.
منظومة لا حوادث
قراءة هذه الأنماط مجتمعة تكشف أن ما يجري ليس حوادث متفرقة، بل منظومة متكاملة لضبط الكلمة: القتل والاختطاف يرسمان الخط الأحمر الأقصى، والسجن القضائي يعاقب من تجاوزه، والإغلاق الإداري يحاصر المؤسسات، والتعهدات القسرية واللوائح والدعاوى تروّض الباقين يومياً.
ومع برلمان جديد شكّلته الكتل ذاتها المتهمة بالتضييق، يطرح تقرير موسّع لشفق نيوز السؤال الذي ستجيب عنه السنوات الأربع المقبلة: هل تنجو الصحافة الحرة في العراق من حكّامها؟
المؤشر الوحيد الموثوق للإجابة سيكون ملفات الإفلات من العقاب: قتلة الصحفيين، وخاطفو كيتلسون، ومن أبقوا شيرواني خلف القضبان.

