من يضمن للصحفيين الوصول إلى بيانات الأقمار الصناعية؟

حين تحجب الغيوم أو الدخان مشهدًا على الأرض، لا تتوقف قدرة الأقمار الصناعية على الرصد بالضرورة، فبعضها يستخدم الرادار لالتقاط تغيرات لا تظهر في الصور الضوئية، ما يتيح للصحفيين تتبّع الدمار والفيضانات وتحولات الأراضي، حتى ليلًا أو في ظروف تعوق التصوير المعتاد

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

حين تحجب الغيوم أو الدخان مشهدًا على الأرض، لا تتوقف قدرة الأقمار الصناعية على الرصد بالضرورة، فبعضها يستخدم الرادار لالتقاط تغيرات لا تظهر في الصور الضوئية، ما يتيح للصحفيين تتبّع الدمار والفيضانات وتحولات الأراضي، حتى ليلًا أو في ظروف تعوق التصوير المعتاد.

لكن امتلاك هذه القدرة التقنية لا يعني أن بياناتها ستصل دائمًا إلى غرف الأخبار، فبين الحاجة إلى خبرة متخصصة في تفسيرها، وكلفة الصور التجارية، والقرارات التي تقيّد نشر البيانات أو تؤخرها، يواجه الصحفي سؤالين متلازمين: ماذا تستطيع الأقمار الصناعية أن تكشف؟ ومتى يُسمح له بالاطلاع عليه؟

يناقش تقرير نشره موقع “ذا فيكس” هذه المسألة، مستندًا إلى تجربة مايكل أنتوني، الشريك المؤسس لـ”فيرتيكال 52″، التي تساعد غرف الأخبار في الوصول إلى بيانات الأقمار الصناعية وتحليلها، وتكتسب القضية أهمية مباشرة للصحافة العربية، خصوصًا في تغطية الحروب والكوارث والمناطق التي يصعب الوصول إليها ميدانيًا.

قراءة الأرض من صدى الرادار

تختلف بيانات الرادار عن الصور التي تلتقطها كاميرا من الفضاء، ففي تقنية “رادار الفتحة التركيبية”، يرسل القمر الصناعي موجات راديوية نحو الأرض ويقيس الإشارات المرتدة منها، ثم تُعالج هذه البيانات لاستخلاص معلومات عن السطح والتغيرات التي طرأت عليه.

وتعمل منظومة “سنتينل-1” الأوروبية بهذه التقنية، فتوفّر رصدًا لسطح الأرض ليلًا ونهارًا وعبر الغيوم، وهي ميزة مهمة حين تعجز الصور الضوئية عن تقديم مشهد واضح، لكنها لا تجعل الناتج صورة سهلة القراءة أو دليلًا مكتملًا بذاته.

ويحتاج تحويل الإشارات إلى نتيجة صحفية إلى معالجة متخصصة، ومقارنة بيانات التُقطت في أوقات مختلفة، وفحص ما إذا كانت التغيرات المرصودة تدعم الفرضية التي يبحث فيها الصحفي.

وتقدّم غزة مثالًا على استخدام هذه الأدوات، ففي تحليل نشرته شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية في أكتوبر 2025، استخدم فريق “بي آر داتا” ومكتب الشبكة في تل أبيب بيانات عالجتها “فيرتيكال 52” لتقدير الأضرار التي لحقت بالمباني.

وشمل التحليل نحو 325 ألف مبنى، وخلص إلى تضرر أو تدمير أكثر من 70% منها، اعتمادًا على مقارنة بيانات ما قبل الحرب ببيانات حتى منتصف سبتمبر 2025، وهو تقدير مرتبط بتلك الفترة، وليس إحصاءً محدثًا لحجم الدمار اليوم.

بيانات مفتوحة، لكن استخدامها ليس بسيطًا

يتيح برنامج “كوبرنيكوس” الأوروبي بيانات يمكن أن تستفيد منها غرف الأخبار، غير أن إتاحتها لا تلغي الحاجة إلى متخصصين في الاستشعار عن بعد والتحليل الجغرافي المكاني.

كما أن الأقمار الصناعية لا ترصد كل موقع في اللحظة التي يحتاجها الصحفي، فالمهمة مصممة للعمل بقمرين يتيحان دورة تكرار مدارية مدتها 6 أيام، بينما تختلف فرص رصد الموقع بحسب موقعه الجغرافي ومسارات المرور وخطة جمع البيانات، ولا يصح افتراض وجود رصد يومي صالح لكل تحليل.

وتفرض الدقة المكانية حدودًا أخرى على الاستنتاجات، فرصد تغير واسع في منطقة لا يساوي إثبات ما حدث لكل مبنى فيها، كما أن البيانات المناسبة لتتبّع أثر فيضان قد لا تكفي لفحص تفاصيل صغيرة في منشأة بعينها.

لهذا، يتعين أن يسبق السؤال الصحفي اختيار البيانات، وأن يوضح التقرير ما يستطيع التحليل إثباته وما يبقى خارج قدرته، بدلًا من التعامل مع الخريطة الناتجة بوصفها وصفًا نهائيًا لكل ما جرى على الأرض.

حين يتأخر الرصد بقرار سياسي

لا تقتصر القيود على الجانب التقني، فقد تتوافر البيانات ولا تُنشر فور التقاطها، وهو ما يظهر في قرار أوروبي يتعلق بمنطقة من بحر عُمان.

ففي 13 يوليو 2026، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي قرارًا بتأخير إتاحة بيانات “سنتينل-1″ و”سنتينل-2” الخاصة بمنطقة جغرافية محددة هناك مدة 24 ساعة من وقت جمعها، على خلفية اعتبارات أمنية وطلب أمريكي.

ويخص القرار تأخير النشر في نطاق محدد، وليس وقف الرصد أو حجب بيانات الخليج كله، لكنه يوضح أن البيانات العامة المفتوحة يمكن أن تخضع أيضًا لقيود على توقيت إتاحتها.

وبالنسبة إلى غرفة أخبار تتابع حدثًا سريع التطور، فإن الفرق بين وقت التقاط البيانات ووقت الحصول عليها قد يؤثر في قدرتها على التحقق والنشر، حتى لو أصبحت البيانات متاحة لاحقًا.

أما الصور التجارية، فقد تتيح دقة أعلى أو طلب تصوير منطقة محددة، لكن الحصول عليها يرتبط بالسعر والترخيص والتوافر والقيود التي تحكم عمل المزوّد، ولذلك لا يضمن دفع التكلفة وحده الحصول على البيانات المطلوبة في موعدها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي