ناقش ملتقى “خبز ونت” في بيروت حماية الصحفيين من التهديدات الرقمية، ومواجهة التضليل المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ومسؤولية التكنولوجيا في الحروب، ضمن فعاليات امتدت من 14 إلى 16 أكتوبر 2026، وربطت هذه الملفات بحقوق العاملين عبر المنصات ومستقبل الخدمات الحكومية الرقمية.
ونظّمت “سمكس” (SMEX)، المعنية بالدفاع عن الحقوق الرقمية، الملتقى تحت شعار “فضاءات نتخيّلها”، بمشاركة صحفيين وباحثين وتقنيين وحقوقيين وصنّاع سياسات من منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، وشملت فعالياته جلسات نقاش وورشًا ومساحات للتعاون حول بدائل تجعل للأفراد والمجتمعات دورًا أكبر في تحديد كيفية استخدام التكنولوجيا.
الصحافة في زمن الحرب
حضر العمل الصحفي في برنامج 15 أكتوبر من خلال جلسة عن مستقبل الصحافة في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا خلال الحروب، جمعت بين الذكاء الاصطناعي والتضليل وسلامة الصحفيين، وأعلنت شبكة “أريج” مشاركة سجى مرتضى، مديرة الشبكة العربية لمدققي المعلومات، في هذه الجلسة.
وجاء هذا النقاش ضمن مسار أوسع خصّصه الملتقى للاستجابة للأزمات الرقمية، وتناول مخاطر الاختراقات وحملات التضليل والمراقبة والرقابة التي تواجه الصحفيين والمجتمعات المتضررة من الحروب والنزوح، ووضع البرنامج حماية الاتصالات والبيانات واستمرارية العمل ضمن القضايا المرتبطة بالتعامل مع هذه الأزمات.
وخصّص برنامج 16 أكتوبر جلسة للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تيسّره التكنولوجيا، ربطت الأبحاث بتجارب الصحفيات، بهدف بحث إجراءات تجعل وجودهن في الفضاء الرقمي أكثر أمانًا، وضمت قائمة المتحدثات التي نشرتها مبادرة الإصلاح العربي الصحفية السورية زينة ارحيم، وبدرة دبابي من منصة “هي تتحقق”، وفرح الجلاد من “أريج”.
فلسطين ومساءلة التكنولوجيا
وفي ملف الحروب، أدرجت مبادرة الإصلاح العربي جلسة عن مساءلة استخدام الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في نزاعات المنطقة، استنادًا إلى أبحاث للمبادرة و”سمكس” ومركز “حملة” حول شبكات التكنولوجيا المستخدمة في فلسطين، مع التركيز على مسؤوليات الجهات المرتبطة بها.
وشملت قائمة المتحدثين المحامية والباحثة ديما سامارو، والأكاديمية زينة أسعد، وديونيسيا بيبا من “سمكس”، وتيسير مثلوثي من “حملة”، وتندرج الجلسة ضمن توجه أوسع في البرنامج لفحص استخدام التقنيات في المراقبة والحروب وإدارة المحتوى، والبحث عن وسائل للمساءلة.
وطرحت المبادرة أيضًا ورشة لمراجعة تجربة النشاط الرقمي في المنطقة خلال 15 عامًا، ركّزت على الإخفاقات والدروس التي يمكن الاستفادة منها في تطوير العمل الجماعي، بدل الاكتفاء بعرض التجارب الناجحة.
حقوق العاملين تحت إدارة الخوارزميات
وانتقل النقاش إلى أثر المنصات في معيشة العاملين، خلال جلسة شارك فيها بسام القنطار، مفوّض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، إلى جانب الأكاديمي ربيع جميل، ومصطفى سعيد من منظمة العمل الدولية، والباحث والتقني محمد الطاهر.
وبحسب بيان الهيئة عن مشاركتها، دعا القنطار إلى ضمان أجر عادل وحماية اجتماعية وسلامة مهنية للعاملين عبر التطبيقات، وربط هذه المطالب بضرورة كشف كيفية اتخاذ القرارات الآلية التي تحدد الدخل وتوزّع المهام وتقيّم الأداء، وقد تتحكم في استمرار حساب العامل على المنصة.
وشملت المطالب تقديم تفسيرات مفهومة لهذه القرارات، وإتاحة مراجعة بشرية فعلية لها والاعتراض عليها، مع حماية البيانات الشخصية ومنع استخدامها للتمييز أو مراقبة النشاط النقابي، وهي مطالب تربط الحقوق الرقمية مباشرة بشروط العمل والقدرة على الدفاع عن مصدر الرزق.
التحول الرقمي في لبنان واختبار التنفيذ
وفي جلسة عن الانتقال من تشريعات التحول الرقمي إلى تنفيذها، شارك وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، والنائبة حليمة قعقور، ووسيم منصور، والوزير السابق ناصر ياسين، بمشاركة الصحفي مهدي كريّم، في المعهد العالي للأعمال في بيروت.
وقال مكي، وفق البيان المنشور على موقع مكتبه في 15 أكتوبر، إن نجاح التحول الرقمي يرتبط بتحسين الخدمات الحكومية وإحداث نتائج ملموسة في حياة المواطنين، ودعا إلى تنسيق عمل الوزارات والمؤسسات، خصوصًا في مجال الذكاء الاصطناعي، لتجنب تكرار المشاريع وهدر الموارد.
وتناول دور مبادرة “دولتي” في تحديد الخدمات ذات الأولوية انطلاقًا من احتياجات المواطنين، مشددًا على أن الاستثمار في البنية الرقمية ينبغي أن ينعكس في معاملات أسهل وخدمات أكثر كفاءة، بما يربط النقاش التقني بعلاقة الناس اليومية بالإدارة العامة.
الاتصالات الآمنة والفن ضمن البرنامج
وتضمّن البرنامج المصاحب للملتقى نشاطين عمليين قبل انطلاق جلساته الرئيسية، أولهما هاكاثون للذكاء الاصطناعي يومي 8 و9 أكتوبر، دعا إلى تطوير أدوات محلية تخدم حوكمة الإنترنت، وثانيهما هاكاثون للاتصالات الآمنة يومي 10 و11 أكتوبر، ركّز على ابتكار حلول للاتصال في ظروف انقطاع الإنترنت أو إبطاء الشبكات أو مصادرة الأجهزة.
كما شمل البرنامج المعلن معرضًا فنيًا يتناول العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، واستخدام الأرشيف الرقمي والذكاء الاصطناعي في حفظ الذاكرة والتراث، إلى جانب قضايا الخصوصية والمراقبة، وفتح الملتقى مسارًا تمهيديًا للوافدين الجدد إلى مجال الحقوق الرقمية، يشرح المفاهيم الأساسية من دون اشتراط خبرة تقنية سابقة.
وتكشف هذه الموضوعات عن اتساع نطاق النقاش الذي جمعه الملتقى، من حماية الصحفيين ومواجهة التضليل إلى حق العامل في فهم قرار يحدد دخله، وحق المواطن في خدمة عامة أفضل، مع البحث في الأدوات والسياسات التي تجعل هذه الحقوق قابلة للممارسة.

