حالت الأمور حديثاً بوسائل الإعلام إلى أن تعود لأهلها مرة أخرى، فبعدما سيطرت البرجوازية السلطوية الغربية بمدرسة، والاشتراكية الشيوعية بمدرسة، والأرستقراطيون هم أيضاً بمدرسة، لم تعد الوسائل الاتصالية بذات الجمود، فتفككت المدارس الصلبة الآنفة، وها نحن نعيش زمناً من التخلخلات القيمية والمشهدية التي حَوَّرت صورة الإعلام بصفته ناقلاً للوقائع والأخبار ضمن قواعده ومُثُله، ولكن إذا ما فككت هياكل المجتمعات الحديثة من التمركز إلى العولمة، فمن أين لهذه المُثُل بقوة تحميها من التخلخل هي الأخرى، لقد بات الإعلام سيداً في يد من يُؤَمِّمُهُ خدمةً لديدن العمل ومواكبةً للغايات المرجوة، مُتَحَرِّراً من مُثُلِه ليصبح بوقاً لما يصبو إليه من يمسكه، ووسط شعوب مقهورة تنافح عن غِلّها بتحييز الإعلام إما إلى مع، أو إلى ضد، لا أقول بأن الشعوب تفسد الأداة التي تحتويها وتلف عليها، ولكن أقول أنه حيث استثارة النسيج الاجتماعي، تستثار الأدوات بذات القوة وذات الاندفاع، وهو ما قد يكون كثيراً على كفاءة الأداة في وقتها، إذا لم تُعَدّ جيدًا للمهمة المنشود تحقيقها منها، فإلى أين آل الإعلام بعد المدارس الراسخة؟، وما موقعه بين التشعُّب والتشوية؟، وما هي الصحافة (الما بينية)؟.
الغايات بين التنافس والتضارب (التشعُّب كصورة)
لم يعد الإعلام اليوم ابنَ غايةٍ واحدة، ولا أسيرَ يدٍ واحدة، فقد تكاثرت الأيدي التي تمتد إليه، وتكاثرت معها الغايات التي تريد منه أن يقول شيئًا، أو ألا يقول شيئًا، أو أن يقول الشيء بطريقةٍ مخصوصة، وفي هذا التشعُّب شيءٌ من طبيعة العصر نفسه، فالمجتمعات التي خرجت من مركزيتها القديمة لم تعد تنتج صوتًا واحدًا، ولا تنظر إلى الواقعة من نافذة واحدة، وإنما تتوزع فيها المصالح، وتتباين فيها التصورات، وتتضارب فيها الرغبات، حتى صار الإعلام مرآةً لهذا التعدد قبل أن يكون ناقلًا له، وليس في تعدد الغايات ما يدعو إلى الخوف بذاته، إذ إن اختلاف الناس في النظر إلى العالم أقدم من الصحافة، وأبقى منها، وإنما الخوف أن يتحول اختلاف الغايات إلى تنازعٍ على الحقيقة، وأن يصبح الخبر ميدانًا لإثبات الغلبة لا ميدانًا لإثبات الوقائع، عندها لا يعود السؤال عن ماذا حدث، وإنما لمن ستُحسب الحادثة، ومن الذي سينتصر بها، ومن الذي سيخسر إذا قيلت كما هي.
وهنا يبدأ التشعُّب في أخذ صورةٍ أخرى، فبدل أن يكون تعددًا في الرؤية، يصير تعددًا في صناعة الحقيقة ذاتها، هذه تريد من الواقعة أن تثبتها، وتلك تريد منها أن تدين خصمها، وثالثة تريدها أن تؤكد مظلوميتها، ورابعة لا تريد منها إلا ما يحقق لها انتشارًا أو نفوذًا، وبين هذه كلها تقف الصحافة، لا باعتبارها مالكةً للواقع، وإنما باعتبارها إحدى الأدوات التي يُتنازع بها عليه، ولعل أخطر ما في الأمر أن الصحافة لا تحتاج دائمًا إلى سلطةٍ فوقها حتى تنحرف عن غايتها، فقد تكفيها سلطة الغاية نفسها، فالمال غاية، والسلطة غاية، والشعبية غاية، والانتصار للسردية غاية، وحتى إرضاء الجمهور قد يتحول إلى غاية تستبدل بالحقيقة، وحين تتكاثر الغايات على الأداة الواحدة، لا يكون الخطر في أن تصبح الصحافة متعددة الأصوات، بل في أن تفقد قدرتها على التمييز بين الصوت والواقع، ومن هنا يصبح التشعُّب صورةً من صور العصر، لا خطيئةً ينبغي التخلص منها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع الصحافة أن تعيش وسط هذا التشعُّب دون أن تصبح امتدادًا له؟، وهل يمكن للأداة التي تتنازعها الغايات أن تحتفظ برسالتها، أم أن كل غايةٍ جديدة ستأخذ منها شيئًا حتى لا يبقى منها إلا اسم الصحافة؟.
سلطة الغِلّ: نقد للتحيُّز الشعبي
لكن ماذا لو لم تعد المشكلة فيمن يملك الإعلام وحده، وإنما فيمن يطلب منه أن يكون على هواه، ماذا لو انتقلت سلطة التوجيه من يد المؤسسة إلى يد الجمهور، فأصبح الإعلام مطالبًا لا بأن ينقل ما يجري، بل بأن يقول ما يريده الناس أن يجري في وعيهم، هنا يظهر الغِلّ بوصفه سلطةً أخرى، لا لأنها تملك صحيفةً أو منصة، وإنما لأنها تملك القدرة على دفع الأداة إلى حيث تنفعل الجماعة، وليس الغِلّ في ذاته عيبًا بشريًا، لكن الخطر يبدأ حين يدخل إلى موضع الحكم على الوقائع، فلا يعود الخبر خبرًا إلا إذا وافق الشعور، ولا يصبح النقد نقدًا إلا إذا أصاب الخصم، ولا تُستقبل المعلومة لذاتها، وإنما بقدر ما تخدم موقفًا سابقًا في النفس، وهنا يصبح الجمهور من حيث لا يقصد، شريكاً في صناعة القيد الذي يشتكي منه.
فالشعوب لا تفسد الإعلام وحدها، والإعلام لا يفسد الشعوب وحده، بل هما يتحركان داخلَ نسيجٍ واحد، يستثير أحدهما الآخر، وحين يصبح الانقسام معيارًا للنظر إلى الأشياء، يجد الإعلام نفسه أمام جمهورٍ يريد منه أن يكون طرفًا قبل أن يكون شاهدًا.
الصحافة الما بينية كمنهجية للتشعُّب
إذا كان التشعُّب قد أصبح صورةً ملازمةً للمجتمع، فالمشكلة ليست في تعدد الأصوات، وإنما في أن تفقد الصحافة قدرتها على الوقوف بينها، ومن هنا تأتي (الما بينية)، لا بوصفها حيادًا باردًا، ولا منطقةً رمادية تهرب فيها الصحافة من الموقف، وإنما طريقةً في النظر إلى الواقع من المسافة التي تفصل أطرافه وتصل بينها في الوقت نفسه، فالصحافة الما بينية لا تسأل أولًا مع من نقف، وإنما ماذا يقع بين هؤلاء، أين تنتهي الوقائع وتبدأ الرغبات، إنها لا تنكر اختلاف الروايات، لكنها لا تمنح الرواية صفة الحقيقة لمجرد أنها أكثر صراخًا، إنها تجعل الحقيقة أسبق من الاصطفاف، والواقعة أسبق من الرواية، والسؤال أسبق من الحكم، فإذا كان التشعُّب قدرًا اجتماعيًا، فإن الما بينية قد تكون أخلاق الأداة في مواجهته.
العودة إلى الرسالة
ربما لم تكن مشكلة الإعلام في كثرة المدارس، وإنما في أن تتحول المدرسة إلى غاية، والوسيلة إلى تابع، والرسالة إلى تفصيل، وما يبقى من الصحافة حين تتساقط عنها كل الأطر هو السؤال الأبسط: لماذا وُجدت أصلًا؟، وُجدت لتخبر الإنسان بما يجري حوله، لكن الإخبار وحده لا يكفي؛ فالإنسان قد يعرف آلاف الوقائع ويظل عاجزًا عن فهم واقعٍ واحد، لذلك كانت الصحافة محاولةً لترتيب الفوضى التي يصنعها الواقع في وعي الإنسان.
ولعل الإعلام اليوم أحوج ما يكون إلى هذه العودة، أن يكون شاهدًا حين يطلب منه الجميع أن يكون خصمًا، وأن يكون سائلًا حين يطالبه الجميع بالحكم، وأن يترك للناس حق الاختلاف دون أن يترك لهم حق تغيير الوقائع، فبعد أن سقطت المدارس الصلبة، وتعددت المنابر، وتشعبت الغايات، ربما لم يعد السؤال إلى أي مدرسة تنتمي الصحافة؟، بل هل ما زالت تعرف رسالتها؟.

